آخر الأخبار

spot_img

اختبارات قاسية كشفتها حرب إيران في قدرات واشنطن العسكرية والاقتصادية

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

د. يوسف مرعي *

تشير تطورات الحرب الدائرة، التي تخوضها واشنطن وتل أبيب مع إيران، وفقاً للعديد من التقارير والتحليلات المتداولة، إلى أن ما يحدث لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى اختبار واسع للبنية التحتية العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة وحلفائها. وتُظهر مجمل المؤشرات أن التحديات المطروحة لا تتعلق بأحداث منفصلة فقط، بل بمنظومة مترابطة من الضغوط التي تمس قدرة واشنطن على إدارة الحروب طويلة الأمد.

على المستوى العسكري، تبرز بشكل جلي قضية أنظمة الرادار والدفاع الجوي في المنطقة كأحد أبرز نقاط الضغط، حيث تشير التقارير إلى تعرض بعض أنظمة المراقبة والاستشعار للتدمير، وهو ما ينعكس على قدرة واشنطن وحلفائها في تأمين الممرات الاستراتيجية ومراقبة التحركات الجوية والبحرية. وهذا التطور، لا شك، أنه يسلط الضوء على هشاشة جزئية في شبكة الإنذار المبكر في بيئة عمليات عالية الحساسية.

كما أن الأسلحة الأمريكية تعتمد على معادن نادرة تتحكم بها بكين، مثل الديسبروسيوم والغاليوم، وإعادة بناء الأنظمة المدمرة قد يستغرق سنوات، وهو الأمر الذي يمنح بكين نفوذاً على مدة استمرار العمليات الأمريكية.

وفي السياق ذاته، يبرز نمط “حرب الاستنزاف الصاروخي” بوصفه أحد أبرز التحديات الحديثة، إذ يتم استخدام صواريخ اعتراض باهظة الثمن لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة نسبياً، مثل الطائرات المسيّرة. هذا الاختلال في كلفة الاشتباك يثير تساؤلات حول استدامة المخزونات الدفاعية، خاصة في ظل وتيرة استخدام مرتفعة مقارنة بقدرات الإنتاج الحالية.

كما تُشير بعض التحليلات إلى أن المخزونات الأمريكية من الذخائر بعيدة المدى، مثل صواريخ “توماهوك”، تتعرض لضغط متزايد نتيجة الاستخدام الكثيف، في وقت لا يزال فيه الإنتاج محدوداً نسبياً مقارنة بوتيرة الاستهلاك، وهو ما قد يخلق فجوة زمنية بين الطلب والقدرة على التعويض.

من جهة أخرى، لا تقتصر التحديات على الجانب العسكري، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد الصناعية. فهناك إشارات واضحة لتأثر بعض الصناعات الحساسة، مثل أشباه الموصلات والطيران، بعوامل تتعلق بتوفر المواد الخام، مثل الهيليوم والمعادن النادرة. وتُعد هذه المواد أساسية في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا أثر استراتيجي مباشر.

على المستوى الاقتصادي، تطرح الحرب الدائرة مع إيران تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على امتصاص تكاليف الحرب، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري وتزايد الضغط على سلاسل الإمداد العالمية. كما أن الاعتماد المتبادل في الأسواق العالمية يجعل أي صدمة جيوسياسية واسعة النطاق ذات انعكاسات تتجاوز ساحة الحرب المباشرة.

ولا شك أن صدمات الإمدادات الناتجة عن الحرب، وارتفاع الديون، وعدم اليقين لدى المستثمرين، تضعف الثقة بالاقتصاد الأمريكي، مع مخاوف متزايدة بشأن استقرار الدولار على المدى الطويل.

وفي السياق الأهم والأكثر اتساعاً، تبرز مسألة التحولات في النظام المالي العالمي، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن التوترات الجيوسياسية قد تدفع عدداً من الدول إلى إعادة النظر في اعتمادها على الدولار في التجارة والطاقة، وهو تطور –إن استمر– قد تكون له آثار بعيدة المدى على النظام المالي الدولي.

كما تعكس الحرب الحالية تحولات في طبيعة الصراع العسكري نفسه، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة أداة مركزية في المواجهات الحديثة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يفرض معادلة جديدة لا تعتمد فقط على التفوق التكنولوجي، بل أيضاً على الكفاءة الاقتصادية في إدارة الحرب.

في المحصلة النهائية، تُظهر هذه التطورات أن الحرب لا تختبر القدرات العسكرية فقط، بل تمتد لتشمل البنية الصناعية والمالية والتكنولوجية للدول الكبرى، وهو ما يجعلها أقرب إلى اختبار شامل لموازين القوة العالمية، وليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة.

* دكتوراه في العلاقات الدولية والسياسة الدولية

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img