“صحيفة الثوري” – (رأي):
د. يوسف مرعي
وجدت طرفة لفيرا كيتلينسكايا، الكاتبة الروسية السوفيتية الناجحة، والحائزة على جائزة ستالين، وقلت في نفسي: ربما تكون هذه الطرفة مناسبة، على نحو مثير للإعجاب، كمرآة للعديد من أوضاعنا السياسية التي نعيشها في اليمن.
روت الكاتبة: “أن طلاب عشرينيات القرن الماضي، كان كلما هطل المطر في الخريف أو الربيع، يركضون في ممرات السكنات الجامعية، يطرقون الأبواب ويصرخون: هيا يا شباب، هيا نبحث عن الصلعان”.
ومن ثم كانوا يشرعون بحصر أسماء الصلع في ورقة، حتى إذا اكتمل النصاب بـ40 اسماً، قاموا برمي الورقة من النافذة، معتقدين أن هذا العدد من الصلعان كفيل بإيقاف المطر وانقشاع السحب كي تعود الشمس إلى السماء.
إلا أن المفارقة كانت في أن العثور على 38 أو 39 أصلعاً كان أمراً ممكناً، وكان الوصول إلى العدد 40 هو المشكلة، فيبحثون في الجامعات والمعاهد القريبة، وأحياناً كانوا ينتظرون عودة أحد الطلاب، فربما يعرف أستاذاً أصلع، فإذا وجدوه صاحوا جميعاً بصوت مرتفع: “هيا هيا، أعطونا أصلعاً”.
وكانوا قبل إضافة أي اسم إلى القائمة يتأكدون: هل تنطبق عليه الشروط؟ هل الصلع حقيقي؟ فلا يكفي أن يكون الشعر خفيفاً، أو أن الصلعة عبارة عن بقعة صغيرة في الرأس. فالعملية لن يُكتب لها النجاح، ذلك أن الطقس يحتاج إلى صلعة مكتملة.
قد تبدو هذه الحكاية مجرد طرفة من حياة الطلاب السوفييت في عشرينيات القرن الماضي، إلا أنها تحمل مفارقة سياسية وفكرية أكثر عمقاً. وذلك أن طلاب عشرينيات القرن الماضي كانوا يعدون أنفسهم ممثلين للعقلانية والعلم، ومحاربين للخرافة والأوهام وحتى الدين، إلا أنهم، وفي لحظة عجز، كانوا يمارسون واحداً من الطقوس الخرافية بكل جدية!
ويبدو أن الإنسان حين يصاب بالعجز عن تغيير الواقع، يبدأ بالبحث عن طقس يستطيع مزاولته وتكراره.
عند هذه النقطة بالتحديد، وعلى نحو مفاجئ، قلت في نفسي: قد تبدو الحكاية اليمنية أكثر قرباً مما ينبغي.
من الأصلع الواحد إلى الصلعان الثمانية، ومن الأربعين أصلعاً إلى البيان الأربعين، ومن الحوارات التي لا تنتهي إلى قائمة الرعاة التي تكاد أن تصل إلى العدد أربعين، ومن السلطة الواحدة إلى السلطات المتعددة، ومن المجلس الواحد إلى المجالس التي تتكاثر كل يوم!
وأمام كل هذه الأخطاء والخطايا التي لم تنتهِ، قلت: لمَ لم نكن نحن اليمنيين اليوم بأمسّ الحاجة إلى جمع “أربعين أصلعاً”، أو حتى «100»، ربما تنقشع عن الشعب كل ظلمات النخب وظلمها؟!
ثم إن لدينا كشعب، ومنذ عقود، طقوسنا السياسية الخاصة: مراحل انتقالية لا تتوقف منذ ثورة سبتمبر عام 1962م، واجتماع يتبعه اجتماع، وبيان إثر بيان، ولجنة مشتركة تتناسل عنها لجان، ومؤتمر يناقش مؤتمراً، ومبعوثو أمم متحدة لا نستطيع لهم عدّاً، مبعوث يأتي وآخر يغادر، وتصريح عن ضرورة استعادة الدولة، وآخر عن الحزم في مواجهة الانقلاب، وثالث عن حتمية إسقاط الكهنوت، ورابع عن إنهاء الحرب، وخامس عن فرص السلام، وسادس عن أمن الطاقة… إلخ.
ثم ننظر حولنا… فلا نجد غير ظلام الفشل والجهل الذي ما يزال مخيماً وجاثماً على رؤوسنا، وحائلاً دون بلوغنا، كشعب، شمس أحلامنا، بل إننا كشعب نعيش في الربع الأول من القرن الـ21، نعاني من غياب خدمة الكهرباء في عاصمة البلاد وحواضرها الرئيسية…
وأن الدولة التي نتحدث عنها كثيراً، بشغف من يريد اللحاق بركب السباق الحضاري، لا تزال في كثير من الأحيان غائبة تماماً عن حياة المواطن، الذي لم تستطع تلبية الحد الأدنى من حقوقه الأساسية، لكنها أكثر حضوراً حينما يتعلق الأمر بابن المسؤول النافذ والفاسد، إلى درجة أن الناس صارت تسأل: ما الذي يميز الدولة من الجماعة المسلحة الفاشية التي تقول الدولة إنها تناهضها؟ وأين ينبغي أن تحضر الدولة حتى يستطيع الشعب التمييز بينها وبين الفاشية السلالية؟!
ما يقارب 12 عاماً من الحرب، وما يسمى بـ”النخب السياسية”، تتحدث باسم الدولة وقيمها، لكن عند النظر إلى ممارساتها الشللية والفئوية، نجدها أبعد الناس عنها. نخبة تمكث في الخارج وتراقب الداخل من شاشات آخر صيحات وموضات الهواتف الذكية، ومن ثم تقوم بإصدار البيانات باسم المواطن الذي يموت كل يوم وهو يواجه أعباء الحياة اليومية، ولم تعد تعرف كيف يعيش.
وليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل يتعداه ليناقش، بكل جرأة، مستقبل الدولة اليمنية المنشودة ومركزها القانوني، من غرف لا يُسمع فيها صوت المولد الكهربائي، ولا طوابير الوقوف أمام أفران المخابز، ولا شكوى واستغاثات الموظف الذي ينتظر راتبه لأشهر، ولا قلق الأسر ومخاوفها وهي تبحث عن مستشفى أو مدرسة أو طريق آمن.
إنه انفصال النخبة عن مجتمعها الذي يفترض أنها جاءت من أجل خدمته، لكن حينما يتعلق الأمر بأبنائهم وأقاربهم، تجدهم يعطونهم الوطن بأكمله، أما في لحظات الدفاع عنه، فنجدهم يحثون ببراعة فائقة وذكاء أبناء الشعب على تقديم أرواحهم من أجل الوطن! ويتحولون كفريق محترف في التوجيه المعنوي!
هنا تكمن إحدى مشكلات اليمن الكبرى، وهنا تتسع مساحات الغبن وتغيب الدولة في أذهان الناس ونفوسهم. فهل يصح لنا أن نصفهم بالنخبة؟ فالنخبة في المجتمعات الأخرى وصف يدل على الرقي!
وبفعل مساحات الغبن التي تصنعها النخبة، يأتي من يملأ الفراغ. وهناك قاعدة تكاد تكون ثابتة في تاريخ الدول والمجتمعات تقول: الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً.
ذلك أن الدولة عندما تنسحب من المجال العام (مجتمعها)، وتصير مؤسساتها ضعيفة ومرتعاً للفساد والشللية والمحسوبية، أو تتحول علاقتها بمجتمعها إلى علاقة موسمية ومناسباتية فقط، تبرز قوى أخرى تملأ المساحة التي تركتها الدولة بسهولة.
اليوم، ونحن نواجه جماعة الإرهاب الفاشية الحوثية، يجب أن ندرك أن هزيمة الحوثي لا يمكن أن تكون بالصواريخ وحدها، ولا بالطائرات المسيرة، ولا بالبيانات والمؤتمرات وحدها. هزيمة هذه الجماعة تحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة بناء الشيء الذي جعل الجماعات غير الدولتية تتمدد أصلاً.
حصلت اليوم على نسخ مطبوعة من الجريدة الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون القانونية، ووجدت عشرات الأسماء من الذين تم تعيينهم في جهاز الدولة المدني والعسكري؛ عشرات الأسماء موزعون على الوزارات والهيئات والمؤسسات الإيرادية والسفارات، وجلهم لا تنطبق عليهم الشروط، فقد تم تعيينهم وفقاً لاعتبارات شللية أو جهوية أو مناطقية وعائلية…
لذلك، يبدو أن أكثر ما نحتاجه اليوم هو الدولة الوطنية القادرة على تقديم 40 فعلاً، لا أربعين أصلعاً!!!
وهنا يمكننا أن نستعير حكاية كيتلينسكايا، لكن بقواعد يمنية جديدة. وبدلاً من جمع 40 أصلعاً لإيقاف كل هذا العجز والفشل، فلنجمع 40 فعلاً ينبغي التأسيس عليها لإيقاف العجز والتعثر في عملية الوصول إلى بناء دولة المواطنة.
نحتاج اليوم لرئيس مجلس رئاسي، ولكل مسؤولي الدولة، العودة إلى الداخل. نحتاج لكل مؤسسة تعمل بنشاط وفاعلية وكفاءة. نحتاج راتباً يصل إلى صاحبه في الوقت المحدد دون تأخير. نحتاج لقضاء نزيه يستطيع المواطن الوصول إليه. نريد شرطة تحمي القانون، لا الأشخاص النافذين، وإدارة محلية حقيقية.
وموانئ ومطارات تعمل لمصلحة الدولة. نحتاج مكافحة جدية للفساد وتفعيلاً لدور أجهزة الرقابة والمحاسبة. نحتاج إلى مؤسسة تشريعية (برلمان) تعود إلى الداخل. نحتاج إلى إعلام لا يعيش على التحريض، وسياسة خارجية فاعلة ونشطة لا تجعل اليمن مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
ونواصل، ثم نواصل العد حتى نصل إلى الأربعين فعلاً.
وحال حدوث ذلك، ونحن نحصي هذه الأفعال، لن نقوم برمي الورقة من النافذة، بل نضعها على مكتب مسؤول. ذلك أن الدول لا تُبنى بالطقوس، بل بالحضور والفاعلية والإنجاز.
ونحتاج أن نقول أيضاً إن بناء العلاقات مع الخارج مهم، لكن ذلك لن يكون بديلاً عن الداخل، بل متصلاً بشكل وثيق به وبمصالحه. الخارج مهم جداً؛ فلواشنطن مصالحها، ولموسكو أيضاً، ولبكين وباريس ولندن والرياض وأبو ظبي، فكل دولة ستنظر لليمن بعين مصالحها الوطنية والاستراتيجية. لكن أن يكون الرهان على الخارج في أن يأتي كي يحسم المعركة بالنيابة عن اليمنيين، فذلك أمر يشبه انتظار المطر كي يتوقف لأننا عثرنا على «الأصلع الأربعين»، كما ذكرت فيرا كيتلينسكايا.
من المعلوم في السياسة الدولية أن للقوى الخارجية مصالحها، إلا أن المشكلة، برأيي، في هذا الجانب تكمن في أن اليمنيين أنفسهم لا يمتلكون القدرة الكافية على تعريف مصالح بلدهم والدفاع عنها.
وإذا كانت جماعة الإرهاب الحوثية تراهن على التحولات الدولية، وعلى عالم يتجه نحو تعددية قطبية جديدة، وعلى إمكانية أن تجد بعض القوى الدولية، كروسيا أو الصين، في التعامل معهم منفعة استراتيجية أو ورقة ضغط ومساومة، فإن الرد الحقيقي على ذلك لا يكون فقط بمطالبة الخارج بعدم التعامل معهم.
برأيي، أن الرد على ذلك هو أن يصبح اليمن نفسه، بحكومته ومؤسساته، أكثر حضوراً، وأكثر قدرة على الدفاع عن مصالحه. وأن تكون هناك دولة تستطيع أن تقول لروسيا والصين والولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وإيران: هذه مصالحنا. لا أن تنتظر ماذا يريد الجميع من اليمن، ثم تحاول بعد ذلك أن تعرف ماذا تريد هي؟!
كما أن من يريد محاربة الحوثيين فعليه أن يعود للناس، ويكون متصلاً بهم وبآمالهم ومطالبهم. فالحرب مع الحوثي ليست حرباً عسكرية فقط، ولا يجب أن تختزل في الجبهة العسكرية فقط، بل هي معركة على معنى الدولة، وعلى المجتمع وطبيعته وماذا يريد، وعلى العلاقة بين المواطن والسلطة، وعلى قدرة الجمهورية في أن تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً أفضل من مشروع الجماعات غير الدولتية.
هذا بالإضافة، وهي النقطة الأهم وموضوع الناس وحديثهم شمالاً وجنوباً، إلى أن من يريد أن يحارب مشروعاً كهنوتياً سلالياً، فإنه لا يستطيع أن يخوض معركته من بعيد إلى الأبد.
الشيء الآخر اليوم أن الناس لم تعد بحاجة إلى من يخبرهم بأن الحوثي خطر وأنهم مدعومون من طهران. هم يعرفون ذلك، وصارت أبجدية واضحة من أبجديات المشهد اليمني، حتى الطفل صار يعرف ذلك. ما يحتاجه الناس اليوم هو أن يجدوا بديلاً عن الحوثيين.
يريدون دولة قوية، ومؤسسات أكثر عدلاً من شبكات الولاء، وقانوناً أكثر أمناً وحماية من السلاح. نريد اليوم مستقبلاً لا أحتاج فيه، كمواطن، إلى أن أنتمي إلى جماعة أو منطقة أو قبيلة كي أحصل على حقي.
عندئذ يمكن القول إن المعركة الحقيقية بدأت مع الحوثيين. لأن هزيمتهم لا تعني أن نخرجهم وأن نسقطهم من مدينة أو موقع عسكري فقط، بل تعني أن يصبح وجود الدولة أقوى من وجود الجماعات، وقادرة على تبديد مساحات الغبن بالكثير من العدالة.
ختاماً، في حكاية كيتلينسكايا الطريفة، كان الطلاب يبحثون عن الأصلع الأربعين. وكانت المشكلة دائماً أن العدد يصل إلى ثمانية وثلاثين أو تسعة وثلاثين، ثم يتعذر العثور على الأخير.
أما نحن في اليمن، فقد أمضينا سنوات طويلة في البحث عن «الأصلع الأربعين» السياسي. إلا أننا نجد أنفسنا نرمي بكل عجزنا على كلمة “المناسب”، لذلك نحن دائماً في بحث عن المبعوث المناسب، والحليف المناسب، والدعم المناسب، والقرار الدولي المناسب، والتمويل المناسب، والظرف الإقليمي المناسب.
وكلما حاولنا الاقتراب من العدد (40)، اكتشفنا أن هناك أصلعاً مفقوداً.
وعليه، فهل آن الأوان لأن نفهم الدرس الذي استعصى فهمه على أولئك الطلاب، رغم بساطته، وهو أن المطر لا يتوقف لأنك أكملت العدد، كما أن استعادة صنعاء ستكون عصية على العودة إلى حضن الدولة لأنك أصدرت البيان الأربعين ودعوت جماعة لا تعيش إلا في بيئة العنف والقتال إلى السلام؟
فهذه الجماعة لا تُهزم بمجرد أنك كررت شعار استعادة الدولة ألف مرة دون فعل حقيقي على الأرض، فالخرافة لا تتوقف إلا عندما يتوقف الناس عن تصديق الطقس.
كذلك، فإن الدولة لن تعود، وتحرير صنعاء لن يحدث، إلا عندما تعودون جميعاً من شتات المنافي الاختيارية والمريحة إلى الداخل، وتشرعون ببناء الدولة بعيداً عن منطق الشللية والولاءات والزبائنية.
لذلك، لا تحلقوا رؤوسكم؛ فكل ما نريده هو أن تحلقوا المسافة التي صنعتموها بينكم وبين الشعب.
عندها نستطيع القول إننا لا نحتاج إلى أربعين أصلعاً، ولا إلى مليون. فقد تكون الشمس، في الحقيقة، لم تختفِ أصلاً؛ كل ما في الأمر أننا كنا نبحث عنها فقط من النافذة الخطأ.

