“صحيفة الثوري” – (كتابات):
د. يوسف مرعي
سنتان ونصف منذ العودة من بلاد الدراسة؛ غادرتُ بأحلام كبيرة قبل الانقلاب المشؤوم في 21 سبتمبر، وعدتُ إلى وطن تستوطنه الخيبات والحرب والهزائم.
طبعاً، ما سأكتبه هنا ليس مجرد قصة حرب، أو أزمة اقتصادية، أو صراع سياسي طويل، بل هو حصيلة تأمل في التجربة الوجودية لجيل يمني كامل؛ جيل وُلد أو بلغ وعيه في ظل انهيار الدولة اليمنية، وصارت أصوات المدافع، ونشرات الأخبار العاجلة، ومخيمات النزوح المليئة بالجياع، والأعداد الهائلة للعاطلين عن العمل، والمشرف الحوثي، ونقاط التفتيش، والمستشفيات المكدسة بالمرضى وبلا كهرباء… هي ما يشكل ملامح حياته.
بينما كان من المفترض أن يكون هذا الجيل وريثاً لأحلام التنمية والاستقرار والازدهار، لكنه -وللأسف الشديد- وجد نفسه وريثاً للفوضى والانقسام والسلاح.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، كتب أحد أكبر المفكرين الروس وأكثرهم حساسية أخلاقية، نيكولاي برديايف، متسائلاً عن المعنى الكامن وراء الكوارث الكبرى، لكن “الحرب العظيمة يجب أن تكون لها أيضاً مهام تاريخية خلاقة يجب أن تغيّر شيئاً في العالم نحو الأفضل، نحو وجود أكثر قيمة”.
كانت هذه العبارة هي ما ألهمني لكتابة هذه السطور عن جيل اليمنيين الذين نشأوا في ظل غياب الدولة؛ فبعد مرور أكثر من عقد على الانقلاب على الدولة اليمنية، صار السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم أكثر من أي وقت مضى: ما الذي صنعته هذه الحرب بنا؟ وما هي نتيجتها سوى جيل أثقلته الخسارات، وأرهقته الانتظارات، وغدرت به النخب؟
فمن منظور سوسيولوجي (اجتماعي)، لا تكمن مأساة هذا الجيل وخيبته في عدد سنوات الحرب والصراع وحدها، بل في أنه نشأ داخل بيئة أصبحت فيها الهشاشة هي القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء الوحيد.
جيل لم يعرف الدولة باعتبارها إطاراً جامعاً للحقوق والفرص، بل عرف سلطات أمر واقع متنازعة، واقتصاداً متآكلاً، وسلاحاً يتقدم على السياسة.
وتحوّلت الأحلام الكبرى التي كنا نحلم بها إلى مطالب أولية وبسيطة: البحث عن وظيفة براتب ضئيل جداً، وعن ثلاث ساعات كهرباء في اليوم، وعن تعليم جيد. وحتى هذه المطالب الأساسية صارت شبه منعدمة، إلى درجة أن جيلاً كاملاً فقد، أمام كل هذه الأزمات والمآسي المفتوحة، القدرة على التخطيط للغد دون خوف.
لكن، ومع ذلك كله، يمكن القول إن التاريخ لا يمنح معناه وجوهره النهائي أثناء العاصفة، بل بعد انقشاعها.
وإذا كان لجيل اليمنيين الذين نشأوا في زمن الحرب وغياب الدولة من مهمة تاريخية، فقد لا تكون في الانتصار العسكري أو السياسي فقط، بل في إعادة اكتشاف فكرة الدولة وأهميتها في أنفسهم، واستعادة قيمة الحياة المدنية بعد سنوات من هيمنة السلاح.
عند ذلك فقط يمكن الحديث عن أن تضحيات هذا الجيل وخساراته ستجد معنى يتجاوز الخيبات والانتكاسات، ويمكن لعبارة برديايف أن تجد صداها هنا في اليمن؛ في أن تتحول المعاناة الطويلة والمرهقة إلى وعي جديد يجعل المستقبل أكثر قيمة وأهمية مما كان عليه الماضي.

