صحيفة الثوري – كتابات:
أحمد ناصر الحاج الظاهري
بينما تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتتصدر الحرب الأمريكية الإيرانية وما ترتب عليها من تحولات سياسية وأمنية، عناوين الأخبار واهتمامات العواصم المؤثرة، لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية تستنزف جانباً كبيراً من اهتمام المجتمع الدولي وموارده السياسية والاقتصادية. وفي ظل هذا التزاحم غير المسبوق للأزمات الدولية، تراجع الملف اليمني بصورة لافتة، رغم أن اليمن لا يزال يعيش واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم.
إن هذا التراجع لا يعني أن الأزمة اليمنية قد انتهت، ولا أن معاناة اليمنيين قد خفت، بل يعكس تحولاً في أولويات المجتمع الدولي، الذي بات ينظر إلى المنطقة من زاوية الصراعات الأكثر تأثيراً في الأمن الإقليمي والمصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإيرانية ومآلاتها، والحروب المتشابكة في الشرق الأوسط، وما أفرزته من إعادة ترتيب لأولويات القوى الدولية والإقليمية، إلى جانب قضايا أمن الطاقة والممرات البحرية.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن اهتمام القوى الدولية لا يُبنى دائماً على حجم المأساة الإنسانية، وإنما على حجم تأثير الأزمات في مصالحها المباشرة. ولذلك، فإن أي تصعيد يهدد الملاحة الدولية أو أمن المنطقة يعيد الاهتمام إلى اليمن، بينما تستمر معاناة ملايين اليمنيين بعيداً عن دائرة الضوء.
كما أن انشغال القوى الإقليمية والدولية بإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية ومآلاتها، إلى جانب استمرار آثار الحرب الروسية الأوكرانية على النظام الدولي، جعل الملف اليمني يتراجع إلى مرتبة ثانوية، في انتظار اتضاح صورة التوازنات الجديدة التي قد تفرزها تلك التطورات. ومن هنا أصبح مستقبل اليمن، إلى حد كبير، مرتبطاً بمآلات المشهدين الإقليمي والدولي، أكثر من ارتباطه بإرادة داخلية قادرة على فرض الحل.
وفي الوقت نفسه، أسهم استمرار الانقسام بين القوى السياسية اليمنية، وغياب مشروع وطني جامع، في إضعاف حضور القضية اليمنية أمام المجتمع الدولي. فالدول الكبرى عادة ما تتعامل بجدية أكبر مع الدول التي تمتلك شريكاً سياسياً موحداً ورؤية واضحة، بينما يؤدي الانقسام إلى إطالة أمد الصراع وإضعاف فرص الوصول إلى تسوية شاملة.
ولا شك أن استمرار حالة الجمود السياسي، وتأجيل إطلاق عملية سلام حقيقية تستند إلى شراكة وطنية واسعة، والعودة إلى مخرجات الحوار الوطني بوصفها مرجعية وطنية يمكن البناء عليها وتطويرها بما يتوافق مع المستجدات، سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني، وسيجعل اليمن أكثر عرضة للتأثر بالتغيرات الإقليمية والدولية، بدلاً من أن يكون طرفاً فاعلاً في رسم مستقبله.
إن مآلات الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وما نتج عنهما من إعادة ترتيب للأولويات الدولية والإقليمية، ينبغي ألا تكون مبرراً لتجاهل المأساة اليمنية، بل دافعاً لإدراك أن استقرار المنطقة لن يتحقق ما لم تُحل الأزمة اليمنية حلاً سياسياً عادلاً ومستداماً، يحفظ سيادة اليمن ووحدته، ويُنهي معاناة شعبه.
وإذا كانت المحافظة على سيادة اليمن ووحدته تمثل هدفاً وطنياً لا خلاف عليه، فإن الوصول إلى هذا الهدف يقتضي معالجة جذور الأزمة الوطنية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، باعتبارها أحد المفاتيح الرئيسة لأي تسوية تاريخية شاملة. فالحل العادل للقضية الجنوبية، في إطار حوار وطني مسؤول، يضمن الحقوق، ويعالج المظالم، ويؤسس لشراكة حقيقية بين جميع أبناء الوطن، يمثل مدخلاً أساسياً لبناء دولة مستقرة وقادرة على استعادة مؤسساتها وتحقيق السلام الدائم.
ولقد أثبتت التجارب أن المجتمع الدولي لا يصنع السلام في الدول المنقسمة، وإنما يستطيع أن يدعم ويواكب جهود السلام عندما تتوافر إرادة وطنية حقيقية ورؤية سياسية جامعة. أما إذا استمرت القوى السياسية في الارتهان للخارج أو انتظار نتائج التسويات الإقليمية والدولية، فإن اليمن سيظل ورقة في صراعات الآخرين، بدلاً من أن يكون دولة مستقلة تصنع قرارها الوطني بإرادة أبنائها. ومن هنا، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق القوى الوطنية اليمنية، التي ينبغي أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وتبادر إلى إطلاق حوار وطني شامل، يستلهم مخرجات الحوار الوطني ويطورها بما يتوافق مع المتغيرات، ويعيد الثقة بين اليمنيين، ويفتح الطريق نحو سلام مستدام.
وإلى جانب الإرادة الوطنية، فإن نجاح أي عملية سلام في اليمن يتطلب بيئة إقليمية داعمة، تقوم على التعاون والتنسيق بين المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي، وجمهورية مصر العربية، والجمهورية التركية، وسائر الدول العربية والإقليمية المؤثرة، بما يسهم في دعم التسوية السياسية، واحترام سيادة اليمن، والحفاظ على وحدته، وتعزيز أمن واستقرار المنطقة، بعيداً عن سياسات المحاور والصراعات التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج سلاماً دائماً.
فاليمن، بحكم موقعه الجغرافي وأهميته التاريخية والاستراتيجية، ينبغي أن يكون جسراً للتعاون الإقليمي، لا ساحةً لتصفية الحسابات والصراعات. فاستقراره يمثل مصلحة مشتركة لليمن، ولجواره العربي والإقليمي، وللمجتمع الدولي بأسره، وهو ما يفرض على الجميع التعامل مع القضية اليمنية باعتبارها مدخلاً لتعزيز أمن المنطقة واستقرارها، لا مجرد ملف يرتبط بتقلبات الأزمات الدولية.
إن استمرار التعامل مع اليمن بوصفه ملفاً ثانوياً، أو ربط مستقبله بنتائج الصراعات الإقليمية والدولية، لن يحقق سلاماً دائماً، بل سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق آثارها الإنسانية والسياسية. فاستقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فحسب، بل يمثل ضرورة لأمن شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر والمنطقة بأسرها.
إن إنقاذ اليمن لن يتحقق إلا بإرادة يمنية خالصة، تُعلي مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، وتؤمن بأن السلام العادل، والشراكة الوطنية، والاحتكام إلى الحوار، والعودة إلى مخرجات الحوار الوطني وتطويرها بما يستجيب للمتغيرات، والمعالجة المنصفة للقضية الجنوبية باعتبارها مفتاحاً للحل الوطني الشامل، هي الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها الدولة اليمنية الحديثة؛ دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتنمية، والاستقرار.

