آخر الأخبار

spot_img

محمد معاذ الكبودي.. انطفاء العين التي رأت الوطن حين عمي الآخرون

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د. محمد فاضل الفقيه

يرحل الكبار بصمت، لا لأنهم يحبون الغياب، بل لأن أرواحهم التي أدمنت النضال لم تعد تتسع لهذا الزحام من الخيبات. اليوم، تطوي “الحركة الوطنية اليمنية”، ومعها اليمن بأسرها، صفحةً ناصعة من صفحات العنفوان الوطني، برحيل الرفيق العميد محمد معاذ حسن الكبودي (أبو معمر).

في سنواته الأخيرة، انحسر الضوء عن عيني “أبو معمر”، لكن المفارقة العجيبة أنه ظل يرى اليمن بوضوحٍ عجز عنه المبصرون؛ كان يرى وطناً حراً، مدنياً، وعدالةً اجتماعية لا تموت. لم يكن فقدان البصر لديه عجزاً، بل كان “اعتكافاً نبيلاً” عن رؤية واقعٍ لم يرتضِه يوماً، هو الذي صاغ بعرقه ودماء رفاقه حلم الدولة والنظام والقانون.

لم يكن “أبو معمر” مجرد رقم في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، بل كان “ضميراً حيّاً” يسير على قدمين. منذ بواكير صباه، اختار الطريق الأصعب؛ طريق الثورة والجمهورية. دخل زنازين التعذيب فخرج منها أصلب عوداً، وطورد في الفيافي فظل قلبه معلقاً بأوجاع البسطاء. هو من ذاك الجيل الذي لم تلوثه المغانم، ولم تكسره العواصف؛ عاش عفيفاً، نقياً، ومات وهو يحمل في جيبه “صك النزاهة” الذي لا يُشترى بالمال.

يا رفيق الدرب، ويا “أبا معمر”.. يُحزننا أن تغادرنا والوطن الذي حلمت به لا يزال جريحاً، والحلم الذي وهبته عمرك لا يزال مكبلاً. يُحزننا أن تمضي، وأنت الذي كنت تُعلمنا أن “النضال موقف”، وأن الثبات على المبدأ هو الانتصار الحقيقي. لقد كنت “مدرسة أخلاقية” قبل أن تكون قائداً عسكرياً أو تنظيمياً؛ فكان صمتك في المرض درساً، وكلامك في السياسة حكمة.

تغادرنا اليوم لتلتحق بقافلة الشهداء والمناضلين، وكل الأحرار الذين لم يبيعوا ولم يشتروا في أسواق السياسة. تترك لنا إرثاً من النبل، ووصية غير مكتوبة عنوانها: “أن الوطن لا يُبنى إلا بالحب والعدل”.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img