صحيفة الثوري – دراسات
عبدالجليل عثمان الأكحلي
(الحلقة الثالثة)
للكلمة دورها وللرصاصة دورها
وسط معوقات موروثة عن العقلية التقليدية لا يستطيع شعبنا اليمني أن يتجاوز ذاته بسهولة، وسيظل إرث الماضي من فردية وحماسة وطفرة في الاشتعال والانطفاء، فهي ناشئة عن عاطفة من الحياة الريفية مما فيها قبلية وعشائرية وإقطاعية تخلي مكانها تدريجياً للعقلانية، كما تخلي الزراعة مكانها للصناعة، وفي التخلص من الانفعال السريع، لأن التحولات المادية تسبق التحولات الفكرية.
قبل انقلاب 21 سبتمبر 2014م كنا نقدر عدونا بأقل مما هو، وبعد الانقلاب صرنا نقدره بأكثر مما هو، وكان الأمل في كسب الحرب خلال فترة قصيرة، فانقلب الحماس والوعي إلى إحباط في كسب الحرب بسبب الأداء الضعيف لقوى الشرعية، وصار إيماننا بأن الكلمة لا شيء مع أن الكلمة هي قائدة القوى البشرية وهي العاطفة التي تحكم تصرفات الأفراد وتنقلهم 180 درجة من اليأس المتعاقبة إلى الأمل… إن الرسالة العاطفية قد جعلت الكاتب توفيق الحكيم أن يقول غداة حرب أكتوبر 73م إنه يطلب من حكومته أن تهيئ له عملاً يدوياً يناسب سنه فيشارك في المعركة بدلاً من صناعة الكلمة التي لا مكان لها في ساحة القتال.. وهو شعور بالذنب الذي انتقل بشاعر من النعي على الأدباء أن يخرجوا من جلود الأدب إلى جلود السياسة أو بعبارة أخرى يقول”نحن هاربون من الجندية وكل أدبائنا يصطنعون المرض ويتفرجون على المعركة من أعلى “.”١”
إن كتاباً عظاماً قد نقلوا اهتمام أدبهم إلى أساس اجتماعي وسياسي، فكان بلزاك في تعريته للبرجوازية يعطي لأدبه أساساً اجتماعياً، وتولستوي كتب رائعته( الحرب والسلام) كما كتب شولوخوف( الدون الهادي) وكتب همنجواي( وداع للسلاح) وغوركي وغيرهم .. لدينا أدب المقاومة في الوطن العربي( شعراً ونثراً) من الأرض المحتلة، ومن حروب التحرير في الجزائر واليمن الجنوبي وكذلك من كوبا وفيتنام وأنجولا وغيرها.. إن شهادة رجل يقف على رأس أكبر قوة مقاتلة في الحرب العالمية الثانية هو يوسف ستالين قال عام 1946م في خطابه التقييمي لنتائج الحرب ((إن الكاتب إيليا أهرنبورغ أسهم إسهاماً كبيراً في ربح الحرب وسحق العدو)) وعلق الكاتب اللبناني خليل تقي الدين على ذلك بقوله( أهرنبورغ لم يحمل البندقية، ولا أطلق رصاصة، بل شرع قلمه وعبأ شعبه بشحنات هائلة من الكراهية والحقد على العدو المغتصب، وقاتل بمقالاته وقصصه وأخبار المعارك بمثل الضراوة التي يقاتل بها جنود بلاده الغازي البغيض)
هل نامت الكلمة خلال تلك الأحداث كما يجري اليوم في بلادنا؟ وما هو دورها؟ ولماذا الأمر كذلك؟”٢”
إن هناك أبعاداً ثلاثة للحرب وهي المقاتل والسلاح والهدف، فالمقاتل ليس جسداً بشرياً فحسب، إنه بنفس المقدار عقل ووجدان وصيغة هذا العقل والوجدان مرتبط بالكلمة التي تلقاها في البيت والمدرسة والكتاب والإعلام، هي سلبية وإيجابية في آن، إيجالية بما نعطيها من إيجاب، وسلبية بما نعطيها من سلب، وهذان القطبان لعملية القتال يحددان قوته وفعاليته وقدرته على إنجاز الهدف الذي هو البعد الثالث للحرب، بعد المقاتل والسلاح”٣”
إن مهمة أصحاب الكلمة ليس أن يقاتلوا وقد يفعلوا، بل أن يصوغوا وجدانات المقاتلين، وهو دورهم الخطير، وبعض أصحاب الكلمة ينفعل فوق هذا المفهوم متجاهلاً دور الكلمة، كما أن بعضهم جاراهُم آخرون في التعارض بين الفعل والكلمة، وكلا الوضعين أعطيا ردود فعل سلبية ليست في صالح المعركة التي تتطلب حشد طاقات الكلمات، هذه التي استمر عدونا يستخدمها لصالحه، حيث يمثل العدو الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والعربي وكذا العدو الحوثي في بلادنا على صياغة وجدان مقاتليهما صياغة عرقية مذهبية سلالية نازية معادية للعرب ولليمنيين من غير الهاشميين، دافعه إلى الاعتداء عليهم وقتلهم وسجنهم واغتصاب حقوقهم وتشريد أهلهم.
دور المقاومة في عدن والضالع ولحج وتعز
لقد خاضت المقاومة الوطنية في عدن ولحج والضالع وتعز بمساندة التحالف عام 2015-2016م عمليات عسكرية ضد مليشيات الحوثي والمعسكرات الموالية للرئيس السابق، وتمكنت مقاومة الضالع وردفان من محافظة لحج من تحقيق أول نصر على قوات اللواء 33 مدرع ومعسكر العند، وسجل أبناء هذه المناطق بإمكانيتهم الذاتية ملاحم بطولية وتضحيات كبيرة لا مثيل لها ولا تزال إلى اليوم تصد العدو وتمنع وصوله إلى عدن وتعز، وقد جاء هذا النصر امتداداً للتاريخ الوطني والكفاحي لهذه المناطق بفعل جذوة نضالها في ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين… لقد تصدر الشباب الرائع في مدينة عدن المقاومة ضد قوات الأمن المركزي الغزاة الحوثيين بعد أن تركها المتفيدون الذين جاؤوا بطوابير استعراضية في بداية الحرب من بعض المناطق وبمساندة المنطقة الرابعة بعد تخليصها من القيادات المرتبطة بالعدو، ثم تحرير عدن بدعم قوات عاصفة الحزم العربية.
لقد أخذت العمليات العسكرية للمقاومة في تعز حينها شكلاً جديداً في المشاركة والاندماج في القوات النظامية في مداخل المدينة للدفاع عنها، وعندما كان العدو يعجز من تحقيق تقدم أو تلحق به خسائر يلجأ إلى استخدام المدفعية والصواريخ للقصف العشوائي ضد المدنيين، فالعدو لا يمتلك حاضنة شعبية باستثناء بعض المتحوثين المنحدرين من المناطق الشمالية، والذي كان يتولى بعضهم مناصب عسكرية وأمنية ومدنية بالمحافظة، وكانت سياسة النظام السابق الطائفية والعنصرية لا تثق إلا بأبناء طائفتها، رغم التعايش معهم على مر السنين كإخوة في الوطن والدين.
لقد ظهر تحرك شعبي للمقاومة في تعز، غير أن بعض الممارسات من أفراد وقيادات ومجاميع محسوبة على المقاومة والمعسكرات عملت على نهب وابتزاز المؤسسات العامة والخاصة، وتحصيل جبايات غير قانونية وممارسة انتهاكات وقتل للعديد من المواطنين، ولم يتم تقديم الجناة إلى القضاء حتى اليوم، وعجز السلطة المحلية في تحقيق الخدمات الأساسية للسكان وخاصة المياه والكهرباء، كما لجأت قيادات المحور بدفع ديات لبعض أسر الضحايا… إن تلك السلوكيات قد أضرت بسمعة وأخلاق المقاومة ومنتسبي بعض المعسكرات واهتزت علاقتها بالمجتمع وأوجدت مخاوف عند المواطنين من تفشي ظاهرة العنف والإرهاب والصدام خصوصاً عند التحرك الاستعراضي الفئوي، ولا شك أن هذه السلوكيات تخدم العدو بطريقة غير مباشرة لأنها لا تقدم الموقف الجاذب لسلطة الشرعية في اليمن، صحيح أيضاً أن مثل هذه السلوكيات قد ظهرت في عدن ولا تزال آثارها السيئة موجودة من ممارسات قيادات المجلس الانتقالي وخاصة في الفساد ونهب الإيرادات العامة وتضخم النزعة العنصرية.
كما ظهرت في تعز أحياناً بعض أطراف المقاومة بالطابع الفئوي والاستعراضي لبعض الشخصيات وتمجيدهم إعلامياً على حساب القوى العسكرية والسياسية، ومحاولة البعض من حصر المقاومة بتيارات معينة على الرغم من أنها ظاهرة طبيعية، بدون مبالغة أو تقليل منه، إلا أنه ليس بمقدور أي طرف أن يغير من طبيعة المقاومة والجيش أو يقلل من دور القوى الوطنية ذات التقاليد النضالية والعسكرية الراسخة.. وبرغم دخول أطراف أخرى بعد أعوام ٢٠١٥-٢٠١٦م”٤” وحتى فيما بعد، إلا أنها لم تنتظم في إطار مجلس تنسيق المقاومة أو في إطار وزارة الدفاع ولها أهداف سياسية مختلفة، وهو ما يثير المخاوف لما بعد التحرير لعدم وجود برنامج سياسي وطني واضح لبناء الدولة ويزيل مخاوف الاحتراب بين أطراف الشرعية المختلفة والتي لم يكتمل اندماجها في إطار وزارة الدفاع والداخلية، وأن بعض الأطراف لا تحبذ الالتزام في أي تسويات تؤدي إلى بناء دولة تحمي الجميع من توغل مراكز الفساد والاستبداد والطغيان، وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في بناء الدولة ومعالجة القضايا الوطنية الكبرى، وهذه الإجراءات لابد أن تحسم قبل التحرير واستعادة الدولة من خلال دمج القطاعات العسكرية والأمنية ضمن عقيدة عسكرية وسياسية واحدة وارتقاء القوى السياسية بمواقفها في التعبئة الشعبية المساندة للقوات المسلحة لدورها في التحرير.
الهوامش:
1- أدب الحرب.. د. نجاح العطار وحنا منه. دار الأدب ص٣٠ 2- نفسه ص٢٩ 3- نفسه ص٣٥’٣٤. 4- عثمان الأكحلي (المقاومة الوطنية ضمير الشعب ستنتصر)٢٠١٥/١٠/١٥م مع تحديثها.
يتبع 4

