آخر الأخبار

spot_img

أدب الحرب وثقافة المقاومة – 2

صحيفة الثوري – دراسات 

(الحلقة الثانية)

عبد الجليل عثمان الأكحلي 

لقد كان من الطبيعي أن يولد قرار المقاومة في تعز وعدن والضالع وغيرها في الوقت المناسب لمقاومة اجتياح مليشيات الحوثيين وصالح لصنعاء والمحافظات في مارس 2015م، بعد اختلال موازين القوى لصالحهما في السيطرة على الجيش وتحويل مهمته إلى مهمة غير وطنية وسيطرة المليشيات عليه في الانقلاب على الشرعية بدعم إيراني مباشر، الأمر الذي جعل رئيس الجمهورية يستخدم صلاحياته الدستورية في طلب تدخل الجامعة العربية ومجلس الأمن لحماية الشرعية في البلاد، وهو ما تحقق في عملية عاصفة الحزم لقوى التحالف العربي. لقد كانت البداية في المقاومة الوطنية في تعز بقيادة الأبطال العميد يوسف الشراجي والشهيد العميد عدنان الحمادي قائد اللواء 35 مدرع من بداية شهر ٢٠١٥/٤م، والذي قاتل المعتدين من أجل كرامة تعز. وقد تعرض اللواء 35 إلى محاولة إبادة من معسكرات صالح في المحافظة، وكان للواء الدور الأساسي في تأسيس المقاومة في عدة مواقع في المدينة وخارجها، حيث خاض المعركة بتاريخ ٢٠١٥/٤/٧م عند نشر (8) دبابات وعربات مدرعة وأطقم في المدينة وفي جبل الجرة وجولة المرور والزنقل وشارع الستين، ونظم دفاع كامل بقوام كتيبة (370) فرد موزعين في اللواء وفي النقاط والمواقع، واستوعب (600) فرد من المتطوعين من المقاومة الشعبية وسلحهم، وصمدوا في قتال متواصل لمدة (22) يوماً، وبرغم سقوط المعسكر، إلا أن اللواء استمر يمثل القوة الرئيسية في المعركة في الجهة الغربية للمدينة (منطقة الضباب)”1″.

وانتشر اللواء في عدة مديريات في الحجرية في جبل حبشي والمسراخ والمعافر والمواسط والشمايتين والمقاطرة، وصبر والصلو وغيرها.

ومن هنا ندرك أن البداية للعمليات العسكرية كانت دون ادعاء أو كانت فئوية، برغم الصعوبات القاسية، ولكن تمكنت المقاومة بدعم اللواء 35 مدرع أن تصبح الظاهرة الأكبر وبدون تحضير مسبق لهذه الحركة، وشكلت مجلساً عسكرياً موحداً فيما بعد.

كما انخرطت الأحزاب الوطنية المناهضة للانقلاب في عمل المقاومة وانضوت في إطار مجلس تنسيق المقاومة، وقد عبر هذا الاتساع في صفوف العمليات العسكرية عن بداية تكون الحالة الشعبية التي جعلت المقاومة تتحول إلى مقاومة شعبية، وهذا النوع الصامت الصادق غير الفئوي هو الذي أسهم في تكوين المقاومة، ولم تكن المقاومة قد أصبحت تجمعاً واعياً ومنظماً بسبب الظروف التي مارست فيها نشاطها، حيث كانت إطاراً معنوياً لانخراط عدد كبير من المقاتلين عسكريين ومدنيين وبقوة، مثالها جذبت إليها القوى المنظمة وخصوصاً العسكرية، فتوحدت المشاعر الإنسانية والأخلاقية والدينية بالمواقف الوطنية الواعية في شعور واحد وهو الدفاع عن الذات، وعن الوطن، وكان هذا الشعور يزداد وضوحاً في كل ممارسة العدو للقصف العشوائي على المواطنين في المدينة وتشجيع قواتهم بارتكاب مجازر ضد المواطنين وجرائم وحصار المدينة ومداخلها، وكم هو عزيز على الإنسان وطنه الكبير وبيته وأرضه، وتحمل النزوح والتشرد والمأساة.

إن أدب الحرب (أدب المعركة) كان موجوداً منذ بداية الحروب والمعارك، يمنياً وعربياً وعالمياً للتحرير (الدفاع عن ثورة سبتمبر 62م وحرب تحرير جنوب الوطن من الاستعمار البريطاني في أكتوبر 63م، وحرب أكتوبر 1973م ضد العدو الصهيوني)، وكان لهذه الحروب أدباً رائعاً في ثقافة المقاومة، فالمقاومة ليست فقط في حمل السلاح ومواجهة العدو، بل هي ثقافة كلمة وشعر وأنشودة وفن متعدد يرسم مفهوم المجتمع المقاوم في وعي وإدراك المقاومين ثم في المجتمع، وبث الروح المعنوية الإيجابية في حياتنا في البذل والمزيد من العطاء والمساندة والتضحية رجلاً وامرأة صغيراً وكبيراً وكلاً من موقعه، إننا ندرك أن مجتمعنا قد تعرض خلال الأربعة العقود الماضية لكثير من مظاهر الفساد في مجالات عديدة، تفننت السلطات الاستبدادية على تشويه الثقافة الوطنية وعملت على نشر الثقافة الاستهلاكية الباحثة عن السلوك الأناني للفرد ومحاربة القيم الوطنية والاجتماعية التي تعزز الوحدة والحرية والتسامح والمساواة ومقاومة الظلم. لهذا لا تزال ثقافة المقاومة ضعيفة في المجتمع وهي بحاجة إلى نقاش ثقافي من نخب ومفكرين المكونات السياسية والثقافية والاجتماعية المساندة لمقاومة العدوان الحوثي، وذلك للوصول إلى رؤية فكرية لها، أن فعل المقاومة هو فكر ثوري مناهض لثقافة الهيمنة الطائفية والقبلية، وهو فكر الحركة الوطنية في العصر الحديث الذي جسد أهداف ونضالات الشعب في ثورته المجيدة سبتمبر وأكتوبر وفبراير في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال والتقدم، وأن الفكر الثوري لا ينشأ بمعزل عن الممارسة، ولهذا فإن هذا النوع من الكفاح ليس جديداً علينا، فقد نشأت فكرة المقاومة الشعبية في الحرس الوطني بعد قيام ثورة سبتمبر ٦٢م وعند حصار الملكيين لصنعاء لمدة سبعين يوماً، وتم كسر هذا الحصار في الدفاع عن الثورة ومناهضة الاستعمار، وتطورت بمساندة حركة التحرر العربية والعالمية، ولا يزال محتواها الثوري في قيم الحرية والكرامة والتقدم في التراث الوطني الغني للحركة الوطنية في مجالات الأدب والفن لثقافة المقاومة، ويكفي أن نشير إلى بعضها التي مثلت روح الجماهير الرافضة للنظام الإمامي والاستعمار.

يمين الجيش والرشاش والمدفع – بأن الشعب بعد اليوم لن يخضع.

ولن يرضى بغير الحقل والمصنع – لجمهورية الشعب اليمانية

وكذا في مواجهة الاستعمار وأعوانه

يا شاكي السلاح شوف الفجر لاح – حط يدك على المدفع زمان الذل راح.
أخي كبلوني وغلوا لساني وأتهموني بأني – تعاليت في عفتي ووزعت روحي على تربتي.

إن الفكر الثوري في اليمن لا يزال يطمح بنقل الشعب من ثقافة الإمامة والاستعمار وفساد النظام السابق إلى الثقافة الوطنية في الحرية وحقوق الإنسان وكرامته وتلبية حاجاته المتنامية.

إننا نسمع أن أدباً وفناً للمقاومة متواضعاً قد بدأ ينشأ، ونأمل أن يتطور من خلال الكفاح الوطني، يقوم على رفض أفكار التخلف والاستبداد، ويتطلع إلى رحاب الحرية والتقدم، يستجيب لبناء دولة اتحادية ديمقراطية حديثة في اليمن.

ولنا ملاحظات نطرحها على المهتمين بالشأن الثقافي، لأن البعض يرى أن هناك تعارضاً بين الثقافة والسياسة، فالحرب هي متابعة للسياسة بوسائل أخرى، والسياسة لا تنفصل عن الثقافة، وهذه جماع التجربة الذهنية للإنسانية.

إن وظيفة الأدب أن يدرك الإنسان الواعي بتلك الأحداث لتؤدي في وظيفة التواصل وظيفة أخرى هي التغيير إلى المستقبل، وإلى ممارستها عند الوعي بها، وذلك بفهم الظرف الذي تتم فيه وامتلاك الصيغة الأدبية الملائمة لهذا الظرف، ففي السلم يتفرغ الأدباء للفن، وفي الحرب يتفرغ الأدباء للحرب، يصير جزءاً منها وتعبيراً عنها، ويكون مقياسه في درجته الفنية وصدق حرارته وقدرته على توصيل أثره من انفعال وعاطفة وحب وكره ورأفة وقسوة إلى الذين يتوجه إليهم لتغيير صورة ظروفهم. البعض يخشى أن ينتهي مفعول الأدب عن الحرب بانتهاء هذه الحرب ويسموها بأدب المناسبات، والسؤال لماذا لم تنتهِ قصيدة أبي تمام في عمورية بانتهاء فتح العمورية؟ ولماذا لم تنتهِ قصيدة المتنبي في حروب سيف الدولة بانتهاء هذه الحروب؟

لأن في تلك الحروب كانت لهما إضافة في التاريخ، كما كانت في قصائد أبي تمام والمتنبي إضافة في الأدب، ويشتركان في صنع الإلهام الذي تكون في التراث الإبداعي.

ولو سلمنا بخوف الخائفين من المناسبات وانتهى ما يكتبون حول الحرب بانتهاء الحرب بالنصر، أفلا تكون الغاية مما كتبوه قد تحققت؟ وحين لا يكون أدب زمن المعارك سلاحاً في المعارك ذاتها يكون زائفاً، لأن أسلحة المعركة من معدنها ذاته، والقارئ في الحرب لا يكترث أبداً بالكاتب الذي يتجاهلها، فهو يطلب صورته في صورته في صورة قضايا نحو الأفضل.. لقد كانت الكلمة منذ البدء تجسيداً للحياة، واستشرافاً للمستقبل، وهي تغيير وجود الإنسان كفعل متطور عبر مسيرته في كل فنون الشعر والنثر التي حفظت لنا وقائع تاريخ البشرية وتطلعاتها وتراثها الحضاري، مثل أغاني هوميروس إلياذته ملامح حروب طروادة فكانت دلالة عن عصره”2″.. وإن أدبنا العربي لم يكن معزولاً في الحرب والسلم في الماضي، وإن (الأبراج العاجية) جاءته متأخرة من بقايا مراحل الانحطاط، حيث صار الأدب تقليداً أو زخرفة، أو تركيبات ذهنية خالية من نبض الحياة، فالأديب فنان يمتاز بالحساسية والوعي، ومن غير المعقول أن يكون في حالة انفصام عن الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه، أو أن يعيش في مجتمع الاستبداد ولا يوظف أدبه للثورة، أو أن يكون الوطن محاصراً وينشغل هو بالغناء الذاتي بعيداً عن المشكلات الأساسية القائمة”3″… والسؤال: لماذا العدوان الداخلي الحوثي الانقلابي محيط بنا والحرب على أرضنا اليمنية ونجد أغلب أدبائنا صامتون وبعيدين عن المعركة؟ وما السبب في أن الكثير من الكتاب لم يحملوا في رؤاهم الحماس بالنصر في النضال للتغيير بدلاً من البحث عن الذات والدفاع عن الاستبداد أو مقارنة الضحية بالجلاد، هل يدرك هؤلاء الكتاب أن القيمة الحقيقية للأدب والفكر تتجلى من صدقه ومدى تعبيره عن قضايا الشعب.


الهوامش.

١- مقابلة قائد اللواء 35 مدرع العميد عدنان الحمادي.

٢- د. نجاح العطار. وحنا منه أدب الحرب ص١٨.

٣- نفسه.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img