“صحيفة الثوري” – (اقتصاد):
أ.د. محمد علي قحطان
يُعد ميناء المخا أحد أهم الموانئ اليمنية على البحر الأحمر في الوقت الحاضر، والتي تشمل:
– موانئ الحديدة الثلاثة: (الحديدة، الصليف، ورأس عيسى).
– ميناء المخا.
– ميناء جزيرة ميون.
– ميناء جزيرة كمران.
– ميناء ميدي.
مع العلم بأن موانئ الحديدة والمخا فقط تعمل في مجال الملاحة الدولية، بينما بقية الموانئ، رغم كونها موانئ تاريخية عريقة، إلا أنها مهملة ولا تعمل في مجال الملاحة الدولية.
في الأيام القليلة الماضية، تم استهداف ميناء المخا من قبل الحوثيين بصواريخ وطائرات مسيّرة، أدت إلى تدمير الميناء بالكامل، حسب الأخبار المتداولة في وسائل الإعلام المختلفة، وتوقف الميناء عن العمل.
وقبل الإشارة إلى الآثار الاقتصادية، يمكننا بعجالة أن نرصد ما كان يمتاز به الميناء قديمًا وقبل استهدافه، وذلك على النحو الآتي:
1) يعتبر ميناء المخا من أعرق موانئ اليمن والجزيرة العربية في مجال الملاحة الدولية، ويتمتع بسمعة وشهرة عالمية عريقة في تاريخ اليمن والمنطقة.
2) يوصف الميناء بأنه الأقرب إلى خط الملاحة الدولية لمضيق باب المندب حاليًا، إذا استُثني ميناء جزيرة ميون، لكونه متوقفًا عن الملاحة الدولية. إذ يبعد ميناء المخا حوالي 6 كيلومترات عن خط الملاحة الدولي، بينما يقع ميناء جزيرة ميون في وسط مضيق باب المندب، على كورنيش الجزيرة المطل على المضيق.
وقد تم قصف إحدى السفن في ميناء الجزيرة أثناء قصف ميناء المخا، حسب ما تم تداوله من أخبار في القنوات الفضائية الدولية، ومنها قناة الحدث التي كانت تغطي أحداث القصف عند وقوعه.
3) تصل القدرة الاستيعابية لميناء المخا إلى نحو 160 حاوية، حسب معلومات استقصائية قام بها الباحث قبل حوالي سبع سنوات، وهناك إمكانية عالية لتوسيع رصيف الميناء إلى أي مستوى يُراد الوصول إليه، حسب العاملين في الميناء.
4) يمتاز الميناء بارتباطه بشبكة طرق برية معبّدة تربطه بجميع المحافظات اليمنية، وبالدول المرتبطة بمنافذ برية مع اليمن (السعودية وعُمان)، عبر بعض المحافظات اليمنية.
5) يرتبط الميناء تاريخيًا بشبكة طرق بحرية مع جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس، ثم الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الدول المطلة على البحر العربي عبر مضيق باب المندب، فالمحيط الهندي ودول جنوب شرق آسيا.
6) يمتاز الميناء بوجود مطار دولي في محيط حرمه، بُني حديثًا، الأمر الذي سيكون له بالغ الأثر في تنشيط النقل البحري والجوي عند تفعيله للملاحة الجوية الدولية.
7) يوفر الميناء فرصًا لإنعاش الاستثمارات المستوطنة في محافظة تعز والمحافظات المجاورة، إذ يعتبر أحد شرايين النقل البحري بين اليمن والدول الأخرى المنتشرة موانئها على ضفاف البحرين الأحمر والعربي، وصولًا إلى موانئ الدول المطلة على البحر المتوسط عبر قناة السويس، وموانئ الدول المطلة على المحيط الهندي المتصلة به.
الأمر الذي يعطيه أهمية كبيرة في الملاحة الدولية عند توسيع قدراته الاستيعابية وتطوير بنيته التحتية.
8) يوفر الميناء فرصًا ثمينة لتدفق الإيرادات إلى خزينة الدولة عبر الأوعية الإيرادية لمحافظة تعز، الأمر الذي يمكن المحافظة من لعب أدوار مهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فبحسب استطلاع ميداني قام به الباحث قبل سنوات الحرب، كان الميناء يوفر إيرادات سنوية، بما فيها الإعفاءات، تُقدّر بحوالي 6 مليارات ريال يمني، تساوي بسعر صرف الريال قبل الحرب حوالي 28 مليون دولار أمريكي.
وتُقدّر إجمالي الصادرات والواردات عبر الميناء بنحو 20 مليار دولار أمريكي، تساوي قبل الحرب حوالي 93 مليون دولار أمريكي.
وذلك في وقت كان الميناء يعاني فيه الكثير من المعوقات والإهمال، “ومن أهم المعوقات التي ظلت تواجه الميناء نذكر الآتي:
• بقايا سفن مدمرة في غاطس الميناء، تعيق السفن من الرسو مباشرة على رصيف الميناء.
• بساطة غاطس الميناء، إذ لا يسمح برسو البواخر الكبيرة.
• تخلف وسائل العمل وتدني مستوى الأداء التنظيمي والإداري في الميناء.
• فرض قيود أمنية مشددة لدخول الميناء والحركة داخله، باعتباره امتدادًا للمنطقة العسكرية المنتشرة في الشريط الساحلي الغربي لليمن.
• اعتبار الميناء تابعًا لمؤسسة موانئ البحر الأحمر الواقعة في الحديدة، وبالتالي تُفرض عليه الكثير من القيود الإدارية والمالية، ما يعيق أداءه ويخلق كثيرًا من التعقيدات التنظيمية والإدارية الطاردة لطالبي الملاحة البحرية عبر الميناء.
• نزاع مستمر بين السلطة المحلية والمستثمرين حول ملكيات الأراضي التابعة للميناء، الأمر الذي يعيق أي توسع في أنشطة الميناء.
• تخلف أو غياب البنية التحتية والخدمات الكافية لإدارة أنشطة الملاحة في الميناء.
وعندما بدأ الميناء يحظى بقدر من الاهتمام في الآونة الأخيرة، وبدأت الإدارة تعمل على مواجهة معوقات العمل فيه، حدثت العديد من التطورات المهمة لرفع مستوى أداء الميناء، لمواكبة المستجدات ومواجهة التحديات، ومنها حصار محافظة تعز، وتدمير موانئ الحديدة، وبُعد ميناء عدن بسبب الحصار المفروض على المحافظة.
ومن أهم تلك التطورات والآثار الاقتصادية الإيجابية التي ظهرت بفضل تلك المستجدات، يمكن رصد ما يلي:
• وجود قيادة لهيئة موانئ البحر الأحمر تعمل في مدينة المخا بإمكانيات مادية وبشرية محدودة للغاية، لا تفي باستعادة الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر وإعادة بنائها، إلا أنها تعمل جاهدة على تطوير وتحديث الملاحة البحرية عبر ميناء المخا، بحكم وقوع موانئ الحديدة تحت سيطرة الحوثيين ومعرضة للاستهداف والقصف في أي وقت.
• توفير احتياجات المحافظة من المشتقات النفطية خلال السنوات الأخيرة الماضية، وبالتالي فإن المحافظة لم تكن تعاني من الاختناقات التي كانت تحصل قبل استيراد المشتقات النفطية عبر ميناء المخا، وبالأخص بعد شق الطريق الرابطة بين الميناء ومدينة تعز وتعبيدها.
• توفير المواد الغذائية وتنشيط الحركة التجارية في أسواق المحافظة، بالرغم من ارتفاع معدلات التضخم.
• استفادة بعض موردي السلع للمدن المجاورة الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، وكذلك تصدير بعض السلع المنتجة في اليمن إلى بعض الدول المجاورة.
الأمر الذي مكّن محافظة تعز من تخفيف الحصار عن سكانها، وإمداد المحافظات المجاورة بما تحتاجه من السلع المستوردة.
إلا أن استهداف الميناء وتدميره وتوقفه عن العمل أفقد سكان محافظة تعز وغيرها من المحافظات المجاورة كل ما أُشير إليه من مكاسب ساهمت في تخفيف الحصار المفروض على المحافظة منذ بداية الحرب.
هذا بالإضافة إلى ما لحق بالميناء من أضرار وخسائر بحاجة إلى تقييم وإعادة بناء، إذ دُمرت منشآت الميناء وتوقف عن العمل.
ويمكننا توضيح أهم الآثار الاقتصادية السلبية التي حدثت بسبب استهداف الميناء، على النحو الآتي:
أولًا: في مجال النقل البحري:
خسرت اليمن كامل منشآت ميناء المخا، وتضرر رصيفه، بالإضافة إلى الخسائر البشرية بين عمال الميناء.
ويعني ذلك تعطل حركة الاستيراد والتصدير التي كان الميناء قد بدأ العمل بها بنشاط متصاعد، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والسلع الغذائية التي كانت تتدفق عبر الميناء.
ثانيًا: في المجال السياحي:
أدت الضربات التي استهدفت الميناء وبعض المواقع القريبة منه إلى توقف تدفق السياح إلى شواطئ المخا، الأمر الذي أدى إلى خسائر كبيرة لأصحاب المنشآت السياحية والمحلات التجارية والمهن الحرة.
وبالتالي تعرض المستثمرون لخسائر كبيرة، ينبغي على السلطة المحلية في المديرية العمل على تقييمها ومواجهتها، إذ إن استمرار توقف النشاط السياحي سيكون له آثار سلبية بليغة على كافة الأنشطة التي انتعشت خلال الفترة الماضية.
ثالثًا: في مجال أنشطة الاصطياد:
أدى استهداف الميناء إلى خلق قدر واسع من الهلع والخوف في أوساط الصيادين وغيرهم من سكان مدينة المخا، وفي عموم مناطق الإنزال السمكي في الشريط الساحلي للمحافظة، وتضييق حركتهم ومصادرة هواتف بعضهم.
وبالتالي، حُرم الصيادون من الاستمرار في نشاطهم اليومي في صيد الأسماك وتسويقها على ضفاف مناطق الإنزال، وأهمها منطقة إنزال كورنيش المخا القريبة من الميناء.
الأمر الذي يعني توقف دخل الصيادين وعجزهم عن تلبية احتياجات أسرهم اليومية، إذ إن معظم سكان الشريط الساحلي تعتمد مهنتهم الرئيسية في الإنفاق على أسرهم على العمل في مجال صيد الأسماك وتسويقها.
ويشكل ذلك مأساة إنسانية لتجمعات الصيادين في الشريط الساحلي للمناطق المطلة على البحر الأحمر، وبالأخص مديريتي المخا وذوباب، والمساحة الممتدة إلى مديرية الخوخة التابعة لمحافظة الحديدة، كونها تحت سيطرة القوات الحكومية المتضررة من قصف الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما أن أسعار الأسماك في أسواق المحافظة شهدت ارتفاعًا بسبب أحداث استهداف ميناء المخا.
رابعًا: في المجال الصناعي والتجاري:
باعتبار أن تعز من أهم مراكز الصناعات التحويلية والتجارة الداخلية والخارجية، فإن استهداف ميناء المخا يشكل كابوسًا لرجال الأعمال، ويعيدهم إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل شق الطرقات المرتبطة بميناء المخا وتفعيل نشاط الواردات والصادرات عبره، باعتباره أقرب الموانئ وأقلها كلفة، مع استمرار الحرب والحصار الذي تعانيه المحافظة وأنشطتها الاستثمارية.
إن ما تم عرضه من استدلالات لآثار استهداف ميناء المخا يُعد، بنظرنا، من أهم الآثار الاقتصادية التي يفترض على السلطة المحلية تقييمها والعمل على مواجهتها بصورة سريعة من قبل الحكومة اليمنية وداعميها.
ولمواجهة معوقات الميناء وآثار الاستهداف، نوصي بالآتي:
1) تعزيز وسائل الحماية للميناء بدفاعات قادرة على صد أي هجمات مستقبلية.
2) الإسراع في إعادة إصلاح الأضرار التي تعرض لها الميناء، والعمل على إعادة تشغيله للصادرات والواردات والنقل البحري الدولي، كما ينبغي توسيع رصيفه وتحديثه وتطويره إلى مستوى الموانئ الأخرى المنافسة.
3) تحرير الميناء من القيود الأمنية والعسكرية، من خلال إعادة نشر القوات المسلحة بصورة تقي الميناء من أي استهداف.
4) الإسراع بإنشاء مبانٍ حكومية خاصة لمزاولة أعمال المؤسسة العامة لموانئ البحر الأحمر، بحكم أن مباني المؤسسة وتجهيزاتها تقع تحت سيطرة الحوثيين في مدينة الحديدة، الأمر الذي من شأنه تمكين المؤسسة من التخطيط لإعادة بناء جميع موانئ البحر الأحمر مستقبلًا، بالإضافة إلى تعزيز قدرات التشغيل لميناء المخا.
5) العمل على تشبيك ميناء المخا مع موانئ الدول المطلة على البحر الأحمر، وتوسيع أنشطة النقل البحري لتشمل مجالات نقل الأفراد والسياحة عبر البحر الأحمر، من خلال أنشطة مشتركة بين ميناء المخا وغيره من موانئ الدول المطلة على البحر الأحمر.
6) العمل على إنشاء أرصفة لجميع مناطق الإنزال السمكي على امتداد ساحل البحر الأحمر، لما لذلك من أهمية في تيسير أعمال الصيد، ورفع إنتاجية الصيادين، وتوسيع أنشطة التسويق محليًا ودوليًا، وفي الوقت نفسه خلق فرص واسعة للنقل البحري وازدهار الاقتصاد المحلي في محافظة تعز والمحافظات المجاورة لها.

