آخر الأخبار

spot_img

تحديات المواطنة المتساوية في اليمن

صحيفة الثوري – (دراسات)

عيبان محمد السامعي

(ورقة عمل مُقدَّمة لندوة نظمها صالون تساؤل الثقافي بالشراكة مع الائتلاف اليمني للمواطنة وحرية الضمير ، تعز، 31 أغسطس 2026)

مقدمة:

المواطنة (Citizenship) مفهوم قديم، يعود جذوره إلى العصر اليوناني القديم، وخصوصاً أثينا، غير أنه شهد تحولات كبيرة على صعيد المضمون. ففي العصر القديم كان مفهوم المواطنة يقوم على أساس امتياز فئوي لفئة محددة، فقد كانت صفة المواطنة وما يترتب عليها من حقوق تمنح للذكور الأحرار حصراً، وكان يتم استبعاد النساء، والعبيد، والأجانب المقيمين، والأطفال من دائرة المواطنة. ولهذا فإن المواطنة بصيغتها القديمة كانت إقصائية استبعادية بطبيعتها.

أما في العصر الحديث، فقد شهد مفهوم المواطنة تحولاً نوعياً، بفعل التحولات الثورية التي شهدتها أوروبا، التي نقلت الفرد من موقع الهامش إلى قلب العملية السياسية والاجتماعية، وبذلك اكتسب الإنسان (مهما كان جنسه أو موقعه الاجتماعي) صفة المواطن، لأنه أصبح كائناً حراً يتمتع بالأهلية السياسية والقانونية، أي يتمتع بجميع الحقوق ويؤدي الواجبات، ويمنح ولائه التام للدولة – الأمة (الدولة الحديثة)، دولة العقد الاجتماعي.

لم تعرف اليمن مفهوم المواطنة المتساوية إلا في نهاية ستينيات القرن العشرين بالترافق مع نشوء الدولة الحديثة، وإصدار الدستور والقوانين الوطنية المنظمة لحقوق المواطنة.
وبدلاً من أن تكون هذه النشأة المتأخرة للمواطنة المتساوية في اليمن قياساً بالعالم دافعاً لتجسيدها، وتقليص الفجوة الزمنية والحضارية التي تفصلنا عن الآخرين، إلا أن واقع الممارسة يشير بخلاف ذلك، إذ وقفت ولا تزال تقف عوائق وتحديات بنيوية أمام تحقيقها.
وهذه محاولة متواضعة لتسليط بعض الأضواء على أبرز تلك التحديات.

المواطنة المتساوية (Equal Citizenship):

هناك فرق جوهري بين المواطنة والمواطنة المتساوية، فالمواطنة تعني العلاقة التي تربط الفرد بالدولة كما يحددها القانون، بحيث يتمتع الفرد (المواطن) بمجموعة من الحقوق، ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات.

أما المواطنة المتساوية، فهي أكثر تحديداً، إذ لا تكتفي أن يكون الفرد مواطناً وحسب، بل أن تتحقق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. بمعنى آخر: أن ينظم القانون العلاقة بين الأفراد والدولة، على قاعدة الحصول على الحقوق وأداء الواجبات بكيفية معيارية واحدة بدون تمييز.
فالمواطنون والمواطنات أمام القانون متساوون، ولا فرق بينهم على أساس اللون أو الدين أو المعتقد أو المذهب أو اللغة أو المنطقة أو النوع الاجتماعي أو الموقع الاقتصادي أو الموقع الطبقي أو المكانة الاجتماعية أو غير ذلك.

إذن يكمن الفرق بين المواطنة والمواطنة المتساوية، أن المواطنة تحدد عضوية الفرد في الدولة وحقوقه وواجباته، أما المواطنة المتساوية فتحدد طبيعة معاملة الدولة لجميع المواطنين داخل هذه العضوية.

التحديات:

يقصد بالتحديات هي تلك المعوقات أو الصعوبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتصل بالنظام الاجتماعي الكلي، وتحول دون تحقيق المواطنة المتساوية في اليمن، مما يتطلب الاستجابة لهذه التحديات وتجاوزها.

ويمكن إجمال تلك التحديات على النحو الآتي:

التحديات السياسية:

1- الاستبداد السياسي:

عانى المجتمع اليمني عقود طويلة من الزمن من التسلطية السياسية، واحتكار النخب الحاكمة لمصادر القوة في المجتمع. فقد عمدت تلك النخب إلى إخضاع المجتمع عبر السيطرة الخشنة (Solid Control)، والسيطرة الناعمة (Soft Control).
وتتحقق السيطرة الخشنة من خلال وسائل القوة المادية (Physical Force) مثل: الجيش، والشرطة، والمخابرات…إلخ، في حين تتجسد السيطرة الناعمة في الهيمنة الثقافية (Cultural Domination)، وذلك عبر توظيف الإعلام، والتعليم، ووسائل النشر الثقافي المختلفة لتطويع عقول المواطنين وأذهانهم بما يخدم بقاء واستمرار النخبة السياسية الحاكمة.
إن النظم الاستبدادية لا ترى في المواطن الحر، المواطن الذي ينشط بفاعلية في المجال العام إلا خصماً لها، ومصدر تهديد مباشر لاستمراريتها، ولهذا لم تدخر جهداً في محاصرته ومراقبته وكتم أنفاسه وتدجينه وتطويعه بشتى السبل، لأن المواطن المسلوب في إرادته والمُستَلب في وعيه هو الشرط الموضوعي لاستمرار تسلّطها السياسي.
لقد فات على ذهنية هذه النظم الاستبدادية أن السير في هذا المنحى يؤدي حتماً إلى انفجارات اجتماعية يصعب السيطرة عليها.

2- الحرب:

تشهدُ اليمنُ منذُ زُهاءَ عقد من الزمن حربًا ضروسًا التهمت الأخضر واليابس، وتسببت بحدوث “إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم” وفقًا لتقارير أممية.
فعلاوةً على ما خلفته من خسائر فادحة في الأرواح تجاوز تِّعدادها (377) ألف متوفّى، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، وفضلاً عما أحدثته من دمار هائل في البنى التحتية، فإنها قد ساهمت في صعود الهُويات الفرعية، ومصادرة المجال السياسي والفضاء المدني، وتنامي حضور الميليشيات المسلحة، التي باتت تفرض سيطرتها على مناطق واسعة في البلاد. وهنا تظهر إحدى أخطر مشكلات المواطنة، فعندما تتآكل الدولة وتغيب مؤسساتها، تحضر الجماعات، وعندها يجرد المواطن من مواطنته ومن حقوقه الإنسانية. فلا قضاء يمكن اللجوء إليه، ولا خدمات عامة يحصل عليها، بل يجد أمامه بدائل أخرى: الميليشيا المسلحة، أو القبيلة، أو المنطقة، أو الشخصية النافذة، وبذلك تتحول المواطن من علاقة مباشرة بين الفرد والدولة إلى علاقة غير مباشرة تتوسطها الجماعة أو الشخصية النافذة، وهذا أخطر ما يمكن أن يطال المواطنة.

3- القضية الجنوبية وسياسات التهميش والإقصاء:

أحدثت حرب 1994 الأهلية جراحًا غائرةً في النسيج الاجتماعي الوطني، لا تزال مفتوحة إلى اليوم، فهي قد مثَّلت طعنة نجلاء في جسد الوحدة اليمنية، التي تحولت من وحدة سلمية طوعية دخلت فيها دولتان هما: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والجمهورية العربية اليمنية في اتفاقية تم بموجبها إنهاء واقع التشطير، وتوحيد الدولتين في دولة واحدة، هي الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، غير أنها لم تلبث أن تحولت إلى وحدة “الضم والإلحاق”، بل وحدة “معمدة بالدم”، بفعل السياسات الاقصائية التي انتهجها المؤتمر الشعبي وحليفه التجمع اليمني للإصلاح ضد الشريك الأساسي في تحقيق الوحدة والمتمثل بالحزب الاشتراكي اليمني. وقد تكللت تلك السياسات بقيام ذلكم التحالف (تحالف7/7) بتفجير حرب صيف 1994، التي جرى فيها استباحة الجنوب، وتدمير مقوماته الاقتصادية، وهُويته الاجتماعية والسياسية والثقافية. وقد أسهمت الحرب في انتشار التيارات السلفية في الجنوب، وإحياء الظاهرة “القبلية”، وجرى تجريف الطابع المدني الحداثي لمدينة عدن التي عُرفت بالتنوع الثقافي والاجتماعي، وبالتعايش والتسامح العِرقي والمذهبي والعقائدي.
فضلاً عن نهب مؤسسات الدولة، وتدمير المصانع والمنشآت الصناعية، والاستيلاء على أراضي وعقارات الدولة والموارد النفطية، وتوزيعها على رموز تحالف الحرب من القيادات العسكرية والحكومية، والمتنفذين والمشائخ القبليين… إلخ.

كما قام تحالف الحرب بتسريح قادة وأفراد الجيش والأمن في الجنوب البالغ عددهم (82.200) فردًا، وإحالتهم إلى التقاعد المبكر. كما بلغ عدد المُحالين إلى التقاعد الإجباري (566.616) من أصل (680.000) فردًا الذين يمثّلون القوام الإجمالي للموظفين والعاملين في القطاع المدني في الجنوب.
كما أدت إلى التراجع عن بعض المكاسب المدنية المنصوص عليها في الدستور، إذ قامت السلطة بعد الحرب بإجراء تعديلات على دستور الوحدة، وألغت المادة رقم (27) التي تنص على أنّ “المواطنين جميعهم سواسية أمام القانون. وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو المهنة أو المركز الاجتماعي”. واستبدلت بها مادة تنص على أن “النساء شقائق الرجال ولهنّ من الحقوق وعليهنّ من الواجبات ما تكفله الشريعة وينص عليه القانون”. وبهذا الإجراء تم إلغاء المساواة التي نصَّ عليها دستور الوحدة.
كل هذه الإجراءات قد ضربت المواطنة في الصميم، وتسببت في دخول البلاد في نفق مظلم لا تزال فيه حتى وقتنا الحاضر.

4- هشاشة البنى الحزبية ومنظمات المجتمع المدني:

يعتبر أنطونيو غرامشي الحزب السياسي بمثابة “العقل الجماعي”. فالأحزاب السياسية تلعب دوراً هاماً في رفع الوعي السياسي للمواطنين، وتمثل القناة الرئيسة للمشاركة السياسية الديمقراطية، وتعزيز قيم الحداثة، والمواطنة، والانتماء الوطني، والاختيار الطوعي الحر. فالأحزاب السياسية هي هياكل تنظيمية حديثة، ينتمي إليها الفرد بشكل طوعي، على خلاف القبيلة أو الطائفة أو المنطقة أو العائلة التي تعد تنظيمات اجتماعية أولية ينتمي إليها الفرد بصورة غير طوعية تحت اعتبارات مكان الولادة، أو الدين، أو المعايير الاجتماعية.
كما تعد تنظيمات المجتمع المدني قنوات حديثة لتنظيم المواطنين، وتنمية وعي الأفراد وقدراتهم، وخدمة المواطنين وتعزيز مصالحهم المشتركة.

غير أن واقع حال الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في اليمن على نقيض ذلك، فهذه التنظيمات تعاني من ضعف كبير في بناها، وفي أدائها، فهي مُعرّضة غالباً لاختراقات السلُّط السياسية والاجتماعية والدينية، فبعض الأحزاب والمنظمات تعمل بذهنية الجماعة الدينية أكثر من ذهنية الحزب السياسي، وبعضها الآخر كانت ولا تزال بمثابة ذراع للسلطة أو القبيلة في السيطرة على المواطنين؛ عوضاً عن أن تكون معبّرة عن هموهم ومدافعة عن مصالحهم.

ومن نجت من هذه المثالب، وقعت في مثالب أخرى؛ تتمثل بتقادم نظمها ولوائحها الداخلية وآليات عملها والتي تقف حائلاً أمام التجديد، وإمكانية خلق بديل وطني ديمقراطي يتجاوز الاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي، باتجاه انبثاق مجتمع المواطنة المتساوية.

5- ضعف المشاركة السياسية:

ترتبط المشاركة السياسية بالمواطنة المتساوية ارتباطاً عضوياً، فهي من جهة تجعل من كل مواطن مشاركاً فاعلاً، يمتلك خصوصية فردية، وله كيان خاص يحمل في طياته تطلعات ورغبات إنسانية. ومن جهة ثانية تحقق مبدأ المساواة، حيث الجميع يحصل على نفس الحقوق ويخضع لنفس القواعد والقوانين، ومن جهة ثالثة تمكّن أفراد المجتمع من تحمُّل المسئولية تجاه مصيرهم الجمعي، والإسهام في بناء أوطانهم وفقاً لقدراتهم وكفاءاتهم الذاتية.

في الحالة اليمنية، تبدو المشاركة السياسية للمواطنين في أسوأ حالاتها، ويرجع ذلك إلى تسلط الجماعات المسيطِرة، ومصادرتها المجال العام، وممارسة العنف السياسي والاستبعاد الاجتماعي للمواطنين، فضلاً عن فقدان ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية التي أخفقت في أن تكون المعبّر عن تطلعاتهم نحو مجتمع الديمقراطية التشاركية والعدالة الاجتماعية.
وفي ظل معادلة مختلة كهذه، فإنه من المتوقع أن يقع المواطنون في مصيدة الإحباط وغياب المعنى، والعزوف عن المشاركة السياسية.

6- ضعف سيادة القانون وغلبة العرف الاجتماعي:

تعد سيادة القانون من الركائز الأساسية لدولة المواطنة المتساوية، فالقانون هو المنظِّم لحياة المجتمع والدولة، وهو السياج الذي يحمي الأمن والاستقرار وحقوق الإنسان؛ غير أن الواقع اليمني يشير بخلاف ذلك. حيث تكتسب الأعراف الاجتماعية قوة مادية في الأوساط المجتمعية بما يفوق في غالب الأحيان قوة القانون، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها غياب الإرادة السياسية لدى القائمين على السلطة بتطبيق القانون وإنفاذه.

التحديات الاجتماعية:

1- بنية اجتماعية رعوية:

تتصف البنية الاجتماعية في اليمن بأنها بنية تقليدية رعوية تقسّم الناس إلى “سادة وأتباع” و”مشائخ ورعية”، وترتكز على روابط عصبوية: قبلية وطائفية ومناطقية وعائلية وسلالية، بخلاف البنية المدنية التي قوامها المواطنة المتساوية حيث الناس متساوون أمام القانون وينصهرون في إطار الهوية الوطنية الجامعة.
إن جذر أزمة المواطنة المتساوية في المجتمع اليمني تكمن في شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية المتمثلة في وجود أشكال توسطية “كزعماء القبائل والطوائف” والتي تقف حائلاً أمام إمكانية بناء علاقة مباشرة تربط المواطن بمؤسسات الدولة.
فالمواطنة تقتضي محو كل الأشكال التوسطية وتفتيت كل عصبية “وحدة اجتماعية” سواء أكانت طائفية، أم قبلية، أم عائلية، أم جهوية، أم مناطقية، لصالح “الفردنة”، حيث يشكّل المواطن الفرد نواة المجتمع، وهو شرط أساسي وأوّلي في سبيل تحقيق مجتمع المواطنة المتساوية.

2- التفاوت الاجتماعي الشامل:

إن التفاوت الاجتماعي هو النقيض الموضوعي للمواطنة المتساوية، ويتخذ التفاوت الاجتماعي في الحالة اليمنية صوراً مختلفة، أبرزها:

  • التفاوت على أساس الثروة: إذ تسيطر الأقلية على الثروة، فيما الأغلبية تشغل قاعدة الهرم، وتعاني من الفقر المدقع.
  • التفاوت على أساس المكانة الاجتماعية: إذ تحتل بعض الفئات الاجتماعية موقعاً اجتماعياً مرموقاً إما بسبب قربها من السلطة الحاكمة، أو بسبب تمتعها بامتيازات “الرأسمال الرمزي” والأصل الاجتماعي، فعلى سبيل المثال: تشغل بعض الشرائح الاجتماعية كشريحة السادة مركزاً اجتماعياً متقدماً بسبب ادعاءها الانتساب لآل البيت، أو شريحة المشائخ التي تحتل مكانة اجتماعية عليا بحكم أنها تمثل المرجعية الاجتماعية التقليدية في المجتمع. وعلى النقيض من ذلك يحتل المهمشون “الأخدام” مرتبة دنيا في السلم الاجتماعي بسبب التمييز الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع عليهم وانتقاصه من آدميتهم، فيعمل على تنميطهم، ويسند لهم الأعمال المحتقرة اجتماعياً كتنظيف الشوارع ورفع القمامة والمخلفات، ومسح الأحذية… إلخ.
  •  التفاوت بين المركز والأطراف: إذ تستأثر عاصمة الدولة بالمشاريع التنموية والخدمية والبنى التحتية فيما تحرم بقية البلاد من تلك المشاريع وهو ما يولد إحساس بالغبن والضيم لدى أبناء المناطق الأخرى وتسبب حالة من الاضطراب والفوضى يفقد معها المجتمع القدرة على التطور والتقدم.
  •  التفاوت بين الريف والحضر: الشاهد أن هناك فجوة كبيرة بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية، وكأننا إزاء عالمين مختلفين، ففي الوقت الذي ترتكز الخدمات والمؤسسات الحكومية وفرص العمل في المناطق الحضرية، يُحرم الريف من كل ذلك. إذ يعاني سكان المناطق الريفية من غياب خدمات المياه والكهرباء والتعليم والصحة ووعورة الطرق، فيما فرص العمل لا تتوفر إلا بشكل موسمي، في موسم الزراعة فقط وبشكل محدود لا يغطي الأعداد الهائلة من سكان الريف، مع العلم أن الريف يشكل نسبة 65 إلى 70% من إجمالي سكان اليمن، وهو ما يدفع بشباب الريف وفقرائه إلى الهجرة إلى المدن بحثاً عن فرص عمل، وغالباً ما تكون هذه الهجرات بأعداد كبيرة، وكأنها موجات من النزوح القسري بسبب ضآلة مقومات الحياة في الريف، وينتج عن هذه الموجات الكبيرة من الهجرة تكدّس المهاجرين الريفيين في أحزمة السكن العشوائية في المدن، وهي مناطق تنتشر فيها الأوبئة وتكدّس المخلفات والافتقار للصرف الصحي والخدمات العامة، بالإضافة إلى أنها تعمل على تشويه البيئة الحضرية، وتعيق عملية الاندماج الاجتماعي، من خلال تحول هذه الأماكن إلى ما يشبه “كانتونات مناطقية”، يضم كل “كانتون” أو حي أبناء قرية أو مديرية واحدة، وهو ما يمثل كابحاً كبيراً أمام تجسيد المواطنة كعملية تفاعل اجتماعي بين مواطنين ـ أفراد.

التحديات الاقتصادية:

1- الاقتصاد الريعي:

يعتمد النظام الاقتصادي الريعي بشكل أساسي على استخراج الثروة الجاهزة (النفط والغاز) من باطن الأرض، أي أنه اقتصاد غير إنتاجي، لا يساهم فيه المجتمع بدور قيادي، بل يظل رهناً لمصالح النخب المسيطرة المتواشجة مع مصالح الشركات الاحتكارية الأجنبية، وهو ما يعني ترسيخ واستمرار العلاقات الرعوية على حساب العلاقات المواطنية. إذ إن أسلوب تحديد المواقع الاجتماعية لكلٍ من الفرد والجماعة، لا يتحدد موقعهما الاجتماعي ويكتسبا قيمتهما الاعتبارية ومكانتهما الوجودية في المجتمع – كما يفترض – من معايير موضوعية مهنية كالجدارة والإنجاز النابعين من تقسيم عادل للعمل الاجتماعي، بل على النقيض من ذلك تماماً، حيث يتحدد الموقع الاجتماعي للفرد أو الجماعة الاجتماعية بناءً على معايير أولية فاسدة: قرابية أسرية، أو عشائرية، أو قبائلية، أو مذهبية، أو سلالية، أو مصلحية نفعية تعتمد على درجة الاقتراب من دائرة صنع القرار، وعلائقية شخصانية تتوقف على القدرات الذاتية التي يبديها الفرد أو ممثل الجماعة الاجتماعية ومواهبه الفهلوية في نسج وتشبيك علاقات شخصية إخطبوطية مع كبار المسئولين ومشائخ ونافذين.
إن الدولة بوصفها موزعاً رئيساً للريع، تعمل على توزيع الامتيازات، ومن ثمّ يصبح الوصول إلى موارد الدولة مرتبطاً بالولاء السياسي والاجتماعي، وبهذا تتراجع المواطنة المتساوية لصالح المحسوبية والزبائنية.
أي أن الدولة لا تعود مؤسسة عامة محايدة، وإنما بوصفها مصدر المنافع والوظائف والامتيازات. وهذا ما يجعل الاقتصاد الريعي تحدياً للمواطنة.

2- الفساد المعمم:

إن الفساد الكبير أو المعمم (Grand Corruption) هو الابن غير الشرعي للاقتصاد الريعي، وهذا النمط من الفساد قد تحول إلى هوية بالنسبة للنظام للسياسي، كما ذهب إلى ذلك محقاً المفكر الكبير د. أبوبكر السقاف، بل إنه “مؤسسة” قائمة بذاتها لها قوانينها وقيمها الخاصة، والمفارقة التي تدعو للدهشة أن هذه “المؤسسة” هي “المؤسسة” الوحيدة القائمة في البلد، في الوقت الذي يجري فيه تدمير شامل لمؤسسات الدولة.
لقد استفحل الفساد بصورة مهولة في ظل تحكُّم سلطة غنائمية، تزاوج بين ممارسة المسؤولية الحكومية، وممارسة النشاط التجاري، والاستثماري. وتشكّلت شبكة مصالح انتفاعية زبائنية، شملت: مسؤولين حكوميين، وقادة عسكريين، وقادة ميليشياويين، ومشائخ قبائل، ورجال دين، ورجال أعمال، وقادة سياسيين، سعوا إلى مراكمة الثروة والذهاب بها إلى خارج البلاد، لبناء مشاريع استثمارية، وشركات عقارية خاصة.
هذا الوضع يكاد يكون هو الثابت خلال الأربعة العقود الماضية، وإن طرأت بعض التغيرات خلال فترة الحرب، ولاسيما نشوء جماعات طفيلية جديدة واقتسامها بقوة السلاح ثروات البلاد وأموال الشعب؛ وهي تغيرات جزئية لم تغيّر من النهج العام الذي يرى في السلطة “غنيمة” ينبغي الظفر بها إما سلماً أو حرباً.
إن هذا النهج المافيوي، هو المدخل لكل المشاكل، وفقدان الاستقرار الداخلي، وعدم شعور المواطن بمواطنته، وفقدان ثقة الناس بالنظام السياسي، وهو ما يؤدي إلى فقدان شرعية النظام وانهيار الدولة.

3- السياسات الافقارية:

بُعيد حرب 1994 المشؤومة انتهجت الحكومات المتعاقبة سياسات نيوليبرالية من خلال تطبيق ما يسمى “برنامج الاصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي”، وكان له مآلات كارثية على الاقتصاد الوطني، فقد دُمِّر القطاع العام بفعل الخصخصة؛ حيث جرى خصخصة ما يزيد عن (65) منشأة صناعية، وتجارية، وزراعية في الجنوب، وتسريح ما يزيد عن (200) ألف عامل وموظف عام، وإحالتهم إلى التقاعد القسري وبأجور متدنية، ورفع الدعم الحكومي عن السلع الغذائية، والمشتقات النفطية، وتعويم قيمة العملة الوطنية. وقد أفضى كل ذلك إلى تآكل الطبقة الوسطى، وتزايد أعداد الفقراء، وتقلص فرص العمل، وارتفاع مستوى البطالة، وتردي مستوى المعيشة، وتدهور الخدمات العامة: التعليم والصحة والكهرباء والمياه والسكن والطرق والبنية التحتية، وهو ما يعني في المحصلة النهائية إهدار حقوق المواطنة للمواطن، ولاسيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

4- غياب مبدأ تكافؤ الفرص:

تعني المواطنة المتساوية أن يكون المواطن قادراً على الوصول إلى الوظيفة والتعليم وفرص العمل والخدمات الأخرى بناءً على الكفاءة والاستحقاق.
غير أن واقع اليمن يكشف أن هذا المبدأ مغيّب تماماً، بفعل وجود وسائل وآليات عديدة، أبرزها: الواسطة والمحسوبية والقرابة والولاء السياسي والانتماء القبلي والمناطقي، والتي تشكل قنوات الحصول على الحقوق والمزايا. فالمواطن لا يحصل على حقوقه بوصفه مواطناً بل لأنه يمتلك شبكة علاقات، وهنا يكمن أحد ملامح أزمة المواطنة في اليمن، فمن لا يملك شبكة العلاقات لا يستطيع أن يحصل على حقوقه المواطنية.

التحديات الثقافية:

1- ضعف الثقافة السياسية الحديثة:

يصنّف العديد من الباحثين أنماط الثقافة السياسية إلى ثلاثة أنماط، هي:
‌أ. الثقافة الرعوية: يبقى الفرد فيها مشدوداً للانتماءات الأولية كالانتماء للقبيلة أو العشيرة أو المذهب أو المنطقة أو العائلة، وهي ثقافة تعيق تحقيق الاندماج الوطني والمواطنة المتساوية.
‌ب. ثقافة الخضوع: حيث يكون الفرد فيها خاضعاً للسلطة الاستبدادية، فاقد القدرة على التعبير عن رأيه، ولا يتمتع بحقوقه كمواطن.
‌ج. ثقافة المشاركة: يتحول فيها الفرد من كائن تابع وخاضع إلى كائن حر وفاعل، يتفاعل مع قضايا الشأن العام، ويكون مشاركاً فاعلاً في صنع القرار، وفي عملية التغيير.

من الواضح أن النمطين الأول والثاني يسودان في الواقع اليمني، فيما النمط الثالث غائب، ويعود ذلك لأسباب عديدة، وفي المقدمة من ذلك تخلُّف مؤسسات التنشئة الاجتماعية: الأسرة، ومؤسسات التعليم، المؤسسة الدينية،… إلخ، وهي مؤسسات تقوم على ثقافة أبوية، وتكرّس قيم الطاعة، والامتثال، والتبعية، وتعزّز الاتجاهات التي تميل إلى تقدّيس الماضي، وتثبيت واقع الحال، الأمر الذي يستحيل معها تحقيق المواطنة بما هي علاقة اجتماعية وقيمة حضارية تنزع نحو الحرية، والتغيير، وتحقيق المساواة، والتقدم، والازدهار.

إنّ غياب الثقافة السياسية الحديثة يعني غياب ثقافة الحقوق لدى المواطن، وغياب الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، حيث يغيب عن ذهن الفرد أنه صاحب حق، ومادام الأمر كذلك فإنه يستطيع التصرف ضمن حدود هذا الحق من دون استئذان من أحد، مادام يمتلك الحصانة الأخلاقية والحماية القانونية لذلك.

2- التدجين بواسطة التعليم:

يعد التعليم من أهم قنوات التغيير والتقدم الاجتماعي، ولكن ليس كل تعليم يؤدي إلى التقدم، فهناك التعليم البنكي الذي يقف حجرة عثرة أمام طريق التقدم، ووفقاً لـ “باولو فرايري” يقوم هذا النمط من التعليم على التلقين والتنميط والحفظ والمحاكاة، وبالتالي يصبح وسيلة من وسائل ممارسة القاهرين القهر على المقهورين.
ويدعو فرايري إلى التعليم التحرري كبديل للتعليم البنكي، فالتعليم التحرري يكفل تنمية العقل التحليلي النقدي، ويمثل أداة التحرر من أوضاع القهر واللامساواة، باتجاه خلق مجتمع المواطنة المتساوية.

3- التعصب والإلغاء:

يقوم الوعي العصبوي على نظرة اختزالية للعالم، فهو ينظر إلى الذات نظرة تفضيلية، في مقابل النظر إلى الآخر المختلف نظرة عدائية.
فالذات هي مطلق الكمال، وعين الصواب، وصاحبة المحجة البيضاء والحقيقة المطلقة، والآخر هو الجحيم، والشر، والشيطان الذي يستحق الإلغاء من الوجود!
وبذلك يمثّل التعصب عقبة كأداء أمام تحقيق المواطنة المتساوية، التي تقتضي تجسيد قيم التعايش في الخطاب والممارسة اليومية، وما يستتبع ذلك من تجسيد علاقات التعاون والتوافق والتكافؤ والعيش المشترك بين المواطنين بمختلف توجهاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية ومنابتهم الاجتماعية ومواقعهم الاقتصادية، والإقرار بمبدأ التعددية، والقبول بالآخر المختلف، وما يتضمن ذلك: التعامل مع الآخر ككيان له هويته المستقلة لا كما نريده، نحن، أن يكون، وبالتالي الإقرار بحقه في النشاط والتعبير عن نفسه بكل حرية.

ما العمل؟

لا سبيل لتجاوز هذه التحديات التي تواجه تحقيق المواطنة في اليمن، إلا بإحداث تحول نوعي في بنية الدولة والمجتمع.
ولتحقيق هذا التحول المنشود لابد من العودة إلى وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، التي وضعت الأسس الدستورية والقواعد القانونية والسياسات والإجراءات اللازمة لذلك.

ومن أبرز تلك الأسس ما يلي:

1- ضمان الحقوق والحريات العامة، والتي تعكس في مجملها شكلين من وجود الإنسان، الإنسان بوصفه كائناً مستقلاً (فرداً)، والإنسان بوصفه مواطناً يعيش في مجتمع، ومن هذه الحقوق والحريات، الآتي: الحق في الحياة، والحق في الكرامة، والحق في العمل، وحرية الضمير والمعتقد، والحق في الخصوصية، والحق في الجنسية، والحق في التنقّل والإقامة، وحرية التجمُّع والتظاهر، والحق في الإضراب، وحرية النشاط السياسي، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة… إلخ.

2- الإقرار بالمساواة الكاملة لجميع المواطنين أمام القانون بدون تمييز، حيث نصّت الوثيقة على التالي: “المواطنون، والمواطنات متساوون أمام القانون في الحقوق، والواجبات دونما تمييز بسبب الجنس، أو العرق، أو الأصل، أو اللون، أو الدين، أو المذهب، أو المعتقد، أو الرأي، أو الوضع الاقتصادي، أو الاجتماعي.”

3- ضمان تطبيق العدالة الاجتماعية من خلال تأكيد الوثيقة على اعتماد الشكل الاتحادي للدولة، لإنهاء احتكار المركز للسلطة والثروة، ومنح الإقليم والولاية الحق في إدارة موارده الذاتية مع تخصيص نسبة للمستوى الاتحادي، وإعطاء الدور القيادي للإقليم والولاية في إحداث تنمية اقتصادية تلبّي احتياجات السكان، مع ضمان المستوى الاتحادي تحقيق توزيع عادل للثروة لجميع أبناء الشعب.
وكذلك التأكيد على مجانية الخدمات الاجتماعية: كالتعليم، والخدمات الصحية، والحق في الحصول على عمل مناسب، وكفالة الأجر العادل لسائر العاملين في القطاعات الثلاثة: العام، والخاص، والمختلط، والحق في التأمين الاجتماعي للقوى العاملة، والحق في الرعاية الاجتماعية للفئات الضعيفة في المجتمع، والحق في الإسكان، واعتماد مبدأ الضريبة التصاعدية، ووضع ضوابط للإنفاق التناسبي مع حاجات التنمية، ومكافحة الفقر والبطالة، وتخفيض نسب الضرائب المباشرة، وغير المباشرة المفروضة على السلع الغذائية، والمواد الاستهلاكية الأساسية، وغير ذلك.

4- بناء اقتصاد وطني انتاجي من خلال تنويع مصادر الاقتصاد وعدم الاعتماد على مصدر واحد (النفط والغاز)، وبناء مؤسسات صناعية، ومشاريع كثيفة العمالة تعمل على امتصاص البطالة، وتوفر فرص عمل للشباب.

5- تطبيق مبادئ الحكم الرشيد، وقد أكدت الوثيقة على ضرورة إعمال مبدأ المساءلة، والمحاسبة على كل من يتولّى وظيفة عامة، وتقديم إقرار بالذمة المالية، ومدونة قواعد السلوك الوظيفي، وأخلاقيات الوظيفة العامة. وحظر الجمع بين السلطة والتجارة، فلا يجوز لقيادات الدولة أثناء توليهم مناصبهم أن يتولّوا أيّ وظيفة أخرى. وتجريم استغلال المال العام، والإعلام الحكومي، وأجهزة الدولة المدنية، والعسكرية لصالح حزب، أو فئة بعينها، ويحظر على الحزب، أو الائتلاف الحاكم تقاسم الوظيفة العامة فيما دون المناصب السياسية العليا.

6- تعزيز الثقافة المدنية من خلال تأكيد الوثيقة على انتهاج خطاب وطني ديمقراطي يُعلي من قيم المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والتسامح، والتعايش، وحق الاختلاف، والتعددية الثقافية، وإقرار حقوق الأقليات، واحترام خصوصياتها، ونبذ التمييز الاجتماعي، والتطرف، والعنف، وثقافة الكراهية، والحروب.
واستحداث مادة التربية المدنية في المناهج التربوية، والتعليمية، واعتمادها كمادة أساسية مقرّرة في مراحل التعليم الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية في مدارس التعليم الرسمي والأهلي بهدف تربية النشء والأجيال الصاعدة على ثقافة المدنية، والحداثة، واحترام النظام العام، وتقدير العمل والإنجاز.
إن المطلوب اليوم هو التمسُّك بهذه الوثيقة التاريخية، والاستمرار في النضال من أجل تطبيقها على أرض الواقع، ومواجهة كلّ المساعي الرامية للالتفاف عليها من أيّ طرفٍ كان.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img