“صحيفة الثوري” – (إقتصاد):
أ.د. محمد علي قحطان
منذ العام الأول لتشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، وتشكيل ما أُسمي بحكومة الكفاءات لمواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، ثم التغييرات والتعديلات التي يتم الإعلان عنها من وقت لآخر تحت عنوان رئيسي هو “الإصلاح الاقتصادي”، ظلت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية كما هي في حالة انهيار.
فالمؤشرات الاقتصادية الكلية، إلى جانب الوضع المعيشي والإنساني للمواطنين، لم تتحسن، بل توسعت رقعتها؛ بسبب إطالة فترة الحرب وتعميق آثارها الاقتصادية والاجتماعية، مع عدم إحداث التغيير الواقعي في السياسات الاقتصادية المتبعة بعيداً عن متطلبات الواقع.
فشروط التغيير الموضوعية والذاتية ظلت كما هي؛ فلا الحرب انتهت وتحقق السلام، ولا تم اتخاذ القرارات والإجراءات الواقعية التي من شأنها مواجهة الاختلالات البنيوية في هيكل الدولة ومؤسساتها، كما لم يحدث أي تغيير حقيقي في قيادات مؤسسات الدولة.
إذ إن سياسة التدوير والمحاصصة السياسية وشراء الولاءات وتدليل أصحاب النفوذ وهوامير الفساد، ما زالت مستمرة بمحتواها الأصيل، مع استمرار الضجيج الإعلامي المكرس لتبرير بقاء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه تحت مبرر الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وبالعودة إلى موضوع هذه المقالة، يمكننا تتبع أهم السياسات النقدية والمالية التي عمل بها البنك المركزي اليمني من موقعه في العاصمة المؤقتة عدن، لمواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، باعتباره أحد أهم أدوات الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً لإدارة الشأن الاقتصادي، وذلك على النحو الآتي:
أولاً:
مع تشكيل أول حكومة لمجلس القيادة الرئاسي، كان سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة قد هوت قيمته إلى مستوى الانهيار شبه التام، إذ تجاوزت نسبة الانهيار 90%، الأمر الذي تزامن معه ارتفاع كبير في معدلات التضخم.
فقد أصبح من الصعب جداً على المواطنين تلبية احتياجاتهم الأساسية من السكن والأكل والشرب والدواء وغيرها، وصار التعامل اليومي في الأسواق يقاس بالريال السعودي، فيما لم تعد العملة الوطنية في مستوى تأدية أي وظيفة من وظائف النقود.
وبدأت الاحتجاجات الشعبية تخرج عن السيطرة في مناطق سيطرة الشرعية، الأمر الذي أجبر رعاة الحكومة اليمنية، المسمّين بالدول الداعمة للشرعية، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، إلى جانب صندوق النقد الدولي، على تقديم دعم مالي وإملاءات للحكومة وفق وصفات سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، دون مراعاة للحالة الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها الدولة اليمنية.
ومن أهم تلك السياسات: التخفيض التدريجي لسعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني بطبعته الجديدة، مع تحرك أمني مكثف لتسوية أسعار السلع والخدمات، وهو ما أدى إلى تعافي سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة نسبياً.
إلا أن البنك المركزي اليمني عمل على تثبيته عند مستوى 410 ريالات يمنية مقابل الريال السعودي، وما يعادلها بالعملات الأجنبية الأخرى، الأمر الذي أدى إلى تراجع نسبة انهيار سعر صرف العملة الوطنية بطبعتها الجديدة إلى نحو 86% تقريباً، بدلاً من تجاوزها نسبة 90% سابقاً.
كما تراجعت بصورة بسيطة معدلات التضخم، وحدث تحسن نسبي محدود في أسعار السلع والخدمات ومعيشة المواطنين.
إلا أن الجمود الذي تلا ذلك من ناحية تثبيت سعر الصرف عند المستوى الذي ثبت فيه لفترة طويلة، أدى إلى توسع رقعة التدهور الاقتصادي والإنساني في عموم اليمن؛ بسبب انقسام الجهاز المصرفي والعملة الوطنية، الأمر الذي أعاق أي تحسن في الدورة النقدية والاقتصادية.
إذ استمر التضخم والكساد بصورة حادة، مع بروز العديد من الأزمات، منها أزمة السيولة النقدية، وأزمة الكهرباء، وأزمة المياه، وغيرها من الأزمات الاقتصادية والمعيشية للمواطنين اليمنيين.
كما أن ما أُسمي بخطة الحكومة للإصلاحات الاقتصادية، المجسدة بالقرار رقم (11) لعام 2025، والتي عنيت بمواجهة الاختلالات في الأوعية الإيرادية للدولة ومواجهة الفساد فيها، لم تُترجم على الواقع، ولم يُلمس لها أثر إيجابي يُذكر.
كما أن الإعلان عن إقرار الموازنة العامة للدولة اختفى أثره، وتوقف الحديث عنها، بالرغم من أهمية استكمال إجراءات إقرارها والانتقال من حالة الإنفاق الحكومي العشوائي المنفلت دون ضوابط قانونية محكمة، إلى إنفاق منضبط بقانون الموازنة العامة للدولة.
ثانياً:
في الوقت الذي كنا ننتظر فيه استمرار البنك المركزي في سياسة التعافي لسعر صرف العملة الوطنية ومواجهة التضخم والكساد، فقد قفز البنك المركزي اليمني في عدن على الواقع بانتهاج سياسات تنظيمية وإدارية للجهاز المصرفي، متجاهلاً حالة انقسام البلاد والبنك المركزي والعملة الوطنية، وصعوبة إعادة الدورة النقدية والاقتصادية إلى مسارها الطبيعي.
ومن بين تلك السياسات:
1) تأسيس شركة يمنية للمدفوعات والمقاصة، بهدف ربط أنظمة المدفوعات وتنظيم وإدارة التسويات المالية.
2) إنشاء منصة رقمية موحدة “سجل المتعثرين”، لتبادل بيانات العملاء المتخلفين عن سداد القروض والالتزامات المالية بين البنوك والمؤسسات المالية، بهدف الحد من المخاطر الائتمانية، وحماية أموال المودعين، وتعزيز الاستقرار المالي وسلامة النظام المصرفي.
وكما يلاحظ، فإن من بين أهداف هذه المنصة “سجل المتعثرين” الحفاظ على أموال المودعين وصون القطاع المصرفي من التعثرات المتراكمة.
مع العلم بأن أموال المودعين منذ السنوات الأولى للحرب القائمة قد جرى تجميدها في البنوك، وأُلغيت حقوق المودعين على هذه الودائع، ويتم تصفية بعض منها بعد أن تآكلت قيمتها.
كما أن البنك المركزي اليمني في عدن لم يعمل على حماية حقوق المودعين ومواجهة تعثر البنوك العاجزة عن الوفاء بأرصدة المودعين، الأمر الذي أفقد الجهاز المصرفي اليمني ثقة المودعين، ومن الصعب استعادة هذه الثقة دون استعادة المودعين لحقوقهم.
وبناءً على ما سبق، يمكن التأكيد على أن البنك المركزي اليمني في عدن يقفز على الواقع، متجاوزاً متطلبات إعادة بناء الجهاز المصرفي والعملة الوطنية كأسس أولية لمواجهة التضخم والكساد، الذي بدون مواجهته لا يمكن خلق أي توازن اقتصادي أو مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.
كما لا يبدو ممكناً استيعاب ما يعلنه البنك من استحداثات لعصرنة إدارة وتنظيم مهام البنك المركزي بواسطة شركات خارج إطار الهيكل الإداري والتنظيمي للبنك المركزي اليمني، في ظل عدم توفر الظروف الموضوعية والذاتية لما يُستحدث من شركات في ظل الانقسام القائم للدولة ولجهازيها المالي والمصرفي والعملة الوطنية.
وبناءً على ما سبق، نرى أن البنك المركزي اليمني واللجنة الاقتصادية والشركات المستحدثة المشار إليها سابقاً والسابقة لها، وكل من له علاقة بإدارة الشأن الاقتصادي في اليمن، غير قادرين على مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني دون الدخول من باب الإصلاح الاقتصادي الواقعي والصحيح، من خلال:
1) مواجهة التضخم والكساد بمسار تعافي سعر صرف العملة الوطنية.
2) مواجهة الانقسام في الجهاز المصرفي والعملة الوطنية، ومفتاح ذلك هو العودة للعمل بسياسة التخفيض التدريجي لسعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني بطبعته الجديدة، حتى يتساوى سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة والجديدة، وتستعيد العملة الوطنية اليمنية قيمتها الحقيقية التي كانت عليها قبل الحرب، على الأقل، إن لم يكن بالإمكان استعادة القوة الشرائية للعملة الوطنية التي كانت عليها في السنوات الأولى لتحقيق الوحدة اليمنية (12 ريالاً يمنياً للدولار الأمريكي الواحد، وأقل من 4 ريالات يمنية للريال السعودي).
3) مواجهة الفساد والعمل بموازنة عامة للدولة بشفافية.
ولتعلم قيادات البنك المركزي اليمني وغيرهم من قيادات الدولة، بأن الابتعاد عن مسار السياسات التي ذكرناها في الفقرات السابقة، أرقام (1 و2 و3)، والتي نؤكد عليها مراراً وتكراراً، لن يمكّن الحكومة من مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني وتحسين حياة المواطنين وإعادتها إلى المستويات التي كانوا عليها قبل الحرب وفي السنوات الأولى لتحقيق الوحدة اليمنية وبناء الدولة الموحدة.
ومهما شرقوا أو غربوا بسياسات إنشاء شركات لتحل محل البنك المركزي، فإن ذلك لن يؤدي سوى إلى تفريغ البنك المركزي من وظائفه وتحويله إلى شكل بلا مضمون.

