“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د/ محمد علي قحطان
الزائر لأي وحدة إدارية من وحدات مؤسسات الدولة في تعز، وبالأخص الوحدات المعنية بتقديم خدماتها للمواطنين، سواء في مجال الأمن، أو توثيق ملكيات الأراضي، أو قطع البطاقات الشخصية، أو الجوازات، أو المحاكم، سيرى بصورة علنية ما لا أذن سمعت ولا عين رأت في ماضي الدولة اليمنية أو في أي دولة على وجه المعمورة، مهما كان مستواها. إذ يمكن رؤية منتسبي الوحدات الإدارية المشار إليها وغيرها من وحدات مؤسسات الدولة يمارسون مظاهر عدة لأوجه الفساد، منها: الانفلات الوظيفي، وتصَيُّد المتابعين في أروقة الوحدات الإدارية، وعدم احترام الوقت، والمبالغة المفرطة في الإجراءات، وتمرد الموظفين، أحياناً، عن إنجاز المهام الموكلة إليهم.
والأكثر من كل ذلك هو أن أي إجراء من النادر أن يُنجز بدون مقابل من طالبي الخدمات، وبدون سقف لقيمة الخدمة المطلوب تقديمها، هذا بالإضافة إلى الرسوم الرسمية المحددة من قبل الدولة مقابل الخدمة، والتي تُكتب فيها سندات رسمية.
وكل ذلك يشير إلى أن الوحدات الإدارية والاقتصادية للدولة، بسبب غياب الرقابة والمحاسبة، وما يُطرح من التبريرات للوضع القائم، وهو أن منتسبي مؤسسات الدولة إما موظفون رسميون وراتب كل منهم قد تآكل بفعل التضخم العالي، الذي بسببه لم يعد الراتب يفي بتغطية حاجة الموظفين اليومية الأساسية من الغذاء والمواصلات، ناهيك عن متطلبات الحياة الأخرى لهم ولأفراد أسرهم، أو موظفون متعاقدون ولا دخل رسمي لهم يُذكر، باعتبارهم موظفين يعملون بالسخرة بانتظار فرص وظيفية لهم، أو متعاقدون ولهم مبالغ زهيدة جداً لا تغطي تكاليف المواصلات ذهاباً وإياباً إلى مقر العمل، قد تحولت إلى بؤر لاصطياد الرزق من المواطنين طالبي الخدمة العامة.
ويدل ذلك على أن الوحدات الإدارية والاقتصادية للدولة قد تحولت، من اعتبارها أدوات الدولة لأداء وظائفها العامة للمواطنين، إلى وحدات جباية أو وسيلة لكسب أرزاق الموظفين، وبصورة تُمارس بالعلن ومبررة لدى قيادات العمل الإداري والتنظيمي لمؤسسات الدولة.
ويعني ذلك بأن المواطنين اليمنيين، في الوقت الذي تُفرض عليهم تكاليف تشغيل مؤسسات الدولة بصورة ضرائب ورسوم، يتم ابتزازهم بجبايات مختلفة من قبل بعض الموظفين الذين جُلبوا للخدمة للابتزاز والجباية من المواطنين طالبي الخدمات العامة من وحدات إدارية، يُفترض بأنها تابعة للدولة، وُجدت لخدمة المواطنين وقضاء حوائجهم، مقابل اعتبارهم مواطنين ملتزمين بدفع الضرائب والرسوم المشروعة، ويؤدون واجباتهم المنصوص عليها في أنظمة وقوانين الدولة.
وكل ذلك يشكل مناخاً طارداً لرجال المال والأعمال، ويضعف الولاء الوطني لدى مواطني الدولة اليمنية، الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال هروب الاستثمارات الوطنية إلى الخارج بعد أن هربت الاستثمارات الأجنبية، كما يمكن ملاحظته من خلال طلب الهجرة المتزايد إلى الخارج، وبصور قد تصل إلى مغامرات خطرة بحياة المهاجرين، أو تحول البعض منهم إلى مرتزقة يقاتلون مع أي طرف من أطراف النزاعات المسلحة الإقليمية والدولية.
والمؤسف أن كل ذلك يحصل بمرأى ومسمع قيادات سلطات الدولة السياسية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، ولا يبدون أي قلق أو اهتمام بالمواجهة. الأمر الذي سهّل استخدام تلك القيادات لتصفية حسابات إقليمية ودولية على حساب تمزيق اليمن وتعميق تخلفها الاقتصادي والاجتماعي، وارتفاع مستمر لمعاناة السكان، بالإضافة إلى تعميق فشل الدولة وسحق سيادتها وكرامة مواطنيها داخل البلاد وخارجها.
ويمكننا، بالإضافة إلى السرد السابق، تحديد أهم دلالات تحول الدولة من دولة مؤسسات إلى دولة وحدات جباية لابتزاز المواطنين، وآثار هذا التحول وطرق علاجها، على النحو الآتي:
أولاً: الدلالات
يمكن ملاحظتها بوضوح بالصور التالية:
• انفلات وظيفي لمنتسبي الوحدات الإدارية، والفوضى العارمة في بيئة العمل.
• المبالغة المفرطة في إجراءات إنجاز الأعمال، وما يتضمنها من التلاعب وضياع الوقت والإرهاق الجسدي والنفسي.
• ضعف الرواتب والأجور، وغياب أية ضمانات صحية واجتماعية مطمئنة للعاملين.
• مظاهر الثراء الظاهرة على بعض قيادات العمل وبعض منتسبي الوحدات الإدارية.
• غياب تام لمبدأ الرقابة والمحاسبة؛ فالأعمال تسير وفقاً لمعايير المحاباة والاسترضاء والترجي من أصحاب المعاملات للموظفين، مهما كان مركزهم العلمي أو الاجتماعي. بمعنى أن تُسحق كرامة المواطن أمام موظف لا انتماء مؤسسي له سوى أنه رسمياً يعمل بالسخرة لابتزاز المواطنين وجبي أموال منهم ليعيش مع أسرته.
ثانياً: الآثار
من أبرزها، حسب ما نراه، الآتي:
• الرشوة والإتاوات: لقد كان معلوماً قبل الحرب القائمة حالياً أن الرشوة والإتاوات منتشرة في مؤسسات الدولة، لكنها كانت تُمارس بقدر من الحياء والخجل والسرية. إلا أنها في الوقت الحاضر تُمارس بعلنية، بدون أي خجل، وكأنها حق مكتسب من حقوق الموظفين على حساب المواطنين.
• ضياع حقوق المواطنين: إذ إن المعاملات الخاصة بطالبي الخدمات العامة قد تُكلل بالنجاح بعد مشقة، وقد تضيع هذه الحقوق في زحمة الإجراءات وتقادمها.
• الصراع الذي قد يصل إلى الاقتتال بين المواطنين على الحقوق، بسبب غياب مؤسسات الدولة أو عدم قيامها بواجباتها في حفظ تلك الحقوق.
• تبديد موارد الدولة العامة، وقدرات منتسبي مؤسساتها، وكذا قدرات وإمكانيات المواطنين.
• إضعاف الانتماء الوطني، وتعميق شعور عدم الرضى والتنمر الذي نراه في سلوك المواطنين.
• الهجرة إلى السعودية ودول الجوار ودول العالم بطرق مشروعة وغير مشروعة، والتعرض لمخاطر قد تصل إلى فقدان الحياة.
• انخراط الشباب في أي تكتلات عسكرية أو حروب محلية أو إقليمية أو دولية. المهم لدى الشباب أي عمل يدر دخلاً لمواجهة أعباء الحياة الأسرية، مهما كانت هذه الأعمال خطرة، ومهما كانت عدم مشروعيتها. فقيمة الوطن تتضاءل بصورة مخيفة في وجدان المواطنين، ويمكن أن نلمس ذلك في سلوك الناس اليومي وأقوالهم وتصرفاتهم.
ثالثاً: المعالجات
بصورة عامة، يمكن للدولة، إن عادت، مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني من خلال مواجهة التضخم والكساد، وتوفير مناخ آمن لعودة الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وكذا مواجهة البطالة والفقر. الأمر الذي يتطلب من الحكومة، لتخفيف الضغط المتزايد على المواطنين في ظروف البلاد الحالية، الحضور القوي والفعال في إصلاح ما أمكن من اختلالات داخل الوحدات الإدارية والاقتصادية القائمة. ويمكن ذلك بالعمل على ما يلي:
1) إعادة بناء الوحدات الإدارية والاقتصادية لمؤسسات الدولة في مختلف المجالات والمحافظات، وبما يؤدي إلى معالجة مظاهر الفساد التي أشرنا إليها.
2) إصلاح نظام الرواتب والأجور، بحيث تكون الرواتب والأجور كافية لتغطية احتياجات الموظف الحياتية، مع تأمين ظروف عمل مستقرة يجد الموظفون فيها رعاية صحية واجتماعية تكفل لهم عيشة كريمة.
3) تبسيط الإجراءات؛ إذ ينبغي التخلص من كثرة الإجراءات وتكرارها، بالعمل بنظم إدارية حديثة تلائم العصر وحاجة المواطنين، دون إسراف في إنفاق الوقت والجهد والتكلفة. مع أهمية التخلص من العقليات الجامدة التي لا تستوعب أهمية تبسيط الإجراءات وخدمة المجتمع.
4) حضور قوي لمؤسسات الرقابة الداخلية والخارجية، وإخضاع أي مخالف للقوانين والأنظمة، ومنتهكي حقوق المواطنين، ومعقدي حصولهم على الخدمات العامة التي يطلبونها من مؤسسات الدولة، للمحاسبة والعقاب. إذ من حق أي مواطن الحصول على خدمات الدولة التي يحتاج إليها بيسر وسهولة، مقابل ما يدفعه من الضرائب والرسوم المشروعة، دون تحميله أي أعباء إضافية.

