“صحيفة الثوري” – (إقتصاد):
أ.د. محمد علي قحطان
في مقالة سابقة بعنوان «مقارنة للقوة الشرائية للريال اليمني في كلٍّ من صنعاء وعدن وما آلت إليه الأوضاع المعيشية للمواطنين مع استمرار الحرب»، بيّنت مدى الاختلال في سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة والجديدة، ومسؤولية البنك المركزي اليمني في مواجهة هذا الاختلال وآثاره السلبية على الدورة النقدية والاقتصادية في اليمن، باعتبار ذلك من أهم عوامل ارتفاع الأسعار والكساد وانعكاساته على المستوى المعيشي للمواطنين اليمنيين في عموم البلاد.
إلا أن بعض الزملاء في عدن يعتبرون أن ذلك انتقاص من جهود قيادة البنك المركزي، وبالتالي يقومون بتبرير قصور أدائه باعتبار أن انهيار سعر صرف الريال اليمني في عدن مبرر بفعل عوامل اقتصادية معقدة. وكما يبدو لي، فإن تلك المبررات لا تعيق تدخل البنك المركزي اليمني لتعافي سعر صرف العملة الوطنية، إذ إن انهيار سعر صرف الريال اليمني في عدن حالياً يفوق انهياره في صنعاء بثلاث مرات تقريباً، الأمر الذي ينعكس على الوضع الاقتصادي والإنساني في عموم البلاد، بحكم تأثير هذا الانقسام على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والدورة الاقتصادية وحياة المواطنين اليمنيين.
وبالنظر إلى العوامل الموضوعية المحيطة ببنك مركزي عدن، يمكننا استخلاص أن استمرار وضع عدم التعافي لسعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة في عدن يعزز انقسام العملة الوطنية، ويترك آثاراً سلبية بالغة على قدرة الحكومة في استعادة السيطرة على الجهاز المصرفي بالكامل وعلى العملة الوطنية في عموم مناطق الدولة، الأمر الذي، بدون شك، لا يساعد على تحسين مستوى معيشة المواطنين اليمنيين ولا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ردنا على ما ورد من ملاحظات في الرد على مقالنا، يمكننا التوضيح بما يلي:
يبدو بأن الرد اتسم بقدر من التعصب والانفعال، في إشارة إلى أن السياسة النقدية للبنك المركزي اليمني في عدن على صواب، الأمر الذي يؤدي إلى خلط بين المصطلحات والمعاني والدلالات الاقتصادية وتكرار لا يعبّر بصورة صحيحة عن إدراك مضمون وأهداف المقالة، التي من وجهة نظر من يدافع عن سياسة أن انهيار أو هبوط سعر صرف الريال اليمني في مناطق سيطرة الشرعية لا يمكن مواجهته من مدخل تعافي سعر صرف العملة الوطنية.
وهذا رأي نختلف معه؛ لأن استمرار انهيار سعر صرف العملة الوطنية عند مستوى يخل بالتوازن الاقتصادي والمعيشي للمواطنين في ظروف حرب، دون أي تدخل من الدولة ممثلة بمؤسساتها المالية والنقدية، ومنها البنك المركزي، يعتبر، من وجهة نظري، قصوراً بالغاً، وينبغي معالجته بدلاً من تبرير استمرار وجوده.
ولذلك، أرجو من منتقدي الدعوة لتعافي سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة أن يعودوا إلى المقالة التي هي في محتواها وما ترمي إليه، وتصحيح ما علق من سوء الفهم، والعمل معاً على تقديم النصح للبنك المركزي اليمني بضرورة تصويب سياساته النقدية بالاتجاه الذي يواجه فيه التضخم والكساد.
ومن بين أدوات السياسات المالية والنقدية الممكن تحريكها في الظروف الحالية، سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة مقابل العملات الأجنبية، من خلال الاستمرار بسياسة التخفيضات التدريجية لسعر صرف الريال السعودي وما يقابلها بالعملات الأخرى مقابل الريال اليمني بطبعته الجديدة.
مع العلم بأن المستوى المعيشي في عموم اليمن سيئ للغاية، والانهيار الاقتصادي والإنساني أيضاً في عموم اليمن وليس في منطقة دون الأخرى، لأنه ببساطة اليمن دولة واحدة بكل ما تعنيه الكلمة من دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية. وأي اختلالات بسبب الانقسام الحاصل على الأرض لا يعفي البنك المركزي اليمني في عدن من اتخاذ كافة التدابير والسياسات الاقتصادية لمواجهتها، وأخذاً بعين الاعتبار أن اليمن ليست دولتين واقتصادين وعملتين، كما يردد البعض عن عمد أو قصور في إدراك ذلك، بل هي دولة واحدة واقتصادها واحد وعملتها واحدة، وإن اختلف سعر صرف الريال اليمني بفعل الحرب وآثارها وقصور الأداء.
عموماً، ألفت نظر منتقدي المقالة التي كرست للمقارنة بين القدرة الشرائية للوحدة النقدية لكلتا الطبعتين، القديمة والجديدة، والتي أوضحنا فيها سوء استمرار انقسام سعر صرف الريال اليمني وأداء الحكومة الشرعية وبنكها المركزي، إلى الآتي:
أولاً: يبدو بأن أصحاب الملاحظات يقعون في الخلط بين مفهومين وردا في المقالة والرد عليها: «مستوى المعيشة وطرق قياسه، والقدرة الشرائية للعملة الوطنية وطرق قياسها». إذ إن المستوى المعيشي أو القدرة الشرائية للفرد وطرق قياسها تختلف تماماً عن القدرة الشرائية للعملة الوطنية وطرق قياسها، عند المقارنة بين مستواها في دولتين أو منطقتين.
وفي مقالي السابق، أخذت مقياس القدرة الشرائية للريال اليمني في ظل سعري صرف مختلفين، بهدف توضيح أن القوة الشرائية للريال بطبعته القديمة حوفظ على قدر من مستواها بتثبيت سعر الصرف مع ظروف الحرب، وهذا ما يُتخذ في أي دولة تمر بظروف حرب.
وبالتالي، فإن الإدارة النقدية التي بقيت في صنعاء أحسنت التصرف بهذه الجزئية، بغض النظر عن الأخطاء التي وقعت فيها في السياسات النقدية والمالية التي عملت بها، والتي لا شك أنها أفقدت هذه الميزة قيمتها التأثيرية على مجمل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
بينما الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وبنكها المركزي، منذ ما قبل إدارة رئيس مجلس إدارة البنك المركزي اليمني الحالي، لم تتدخل في إيقاف تدهور سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة عندما ميّز بين الطبعتين، الأمر الذي أدى إلى أن سعر صرف الطبعة الجديدة استمر بالتدهور، إلى أن تم التدخل وأوقف التدهور، بل وتمت استعادة بعض من عافيتها بالتدخل والتثبيت لسعر الصرف عند المستوى الذي ثُبّت فيه، وهو مستوى غير كافٍ للتعافي، بالنظر إلى عامل أن اليمن دولة مستوردة تعتمد على الواردات في تلبية احتياجات مواطنيها، مع ارتفاعات كبيرة في معدل التضخم وثبات دخل فئات المجتمع ذات الدخل المحدود والمتوسط والمنخفض، وهي تشكل الطبقة المحركة للنمو الاقتصادي.
ثانياً: لا ينبغي أن ننسى أن البنك المركزي اليمني في عدن هو بنك الدولة اليمنية الرسمي المعترف به دولياً، ويحصل على الكثير من المساعدات الفنية والنقدية لاستعادة سيطرته على الجهاز المصرفي والعملة الوطنية وإدارة السياسة النقدية لليمن كلها، وليس لعدن فقط.
ثالثاً: لا يمكن وصف اقتصاد منهار وعملته الوطنية منهارة بأن تدخل بنكه المركزي حقق الاستقرار للعملة الوطنية، كما يشار في كثير من التناولات الإعلامية. إذ إن ذلك نوع من التضليل، حتى وإن استقر سعر الصرف عند المستوى الذي ثُبّت فيه بفعل تدخل البنك المركزي.
فاستقرار السعر المثبت عند مستوى لم تستعد فيه العملة الوطنية عافيتها المتوازنة مع الدخول المحدودة التي سبق إرساؤها في ظروف ما قبل الحرب، عملية خاطئة؛ إذ لا يمكن مع استمرارها تحسين معيشة المواطنين، ولا تساعد على مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، وينبغي إدراك ذلك من الحكومة وقيادة البنك المركزي اليمني في عدن.
رابعاً: المقالة التي كتبتها كرّست لانتقاد جزئية في السياسة النقدية للبنك المركزي، لما لها من أهمية لمواجهة انقسام سعر صرف الريال اليمني وآثار ذلك على الدورة النقدية والاقتصادية لاقتصاد الدولة اليمنية، بالإضافة إلى أهميته البالغة في مواجهة التضخم والكساد في الظروف الحالية للدولة اليمنية، وليس لاقتصاد عدن فقط، التي تعاني من كل آثار الحرب وهي العاصمة الحالية للدولة، وتقف الحكومة ومؤسساتها موقف العاجز في مواجهتها، بالرغم من تدفق كبير للمساعدات النقدية والفنية الإقليمية والدولية إليها، بالإضافة إلى الموارد المالية المتاحة من كافة مصادرها الذاتية.
خامساً: ليتذكر الجميع بأن المقالة ليست دراسة علمية لتشمل كل المتغيرات التي أشير إليها بالرد على المقالة. فهناك فرق شاسع بين المقالة والبحث العلمي. فالبحث العلمي يُعنى بدراسة مشكلة من جوانبها المختلفة واستخلاص نتائج ذات قيمة علمية نظرية وتطبيقية، بينما المقالة تسلط الضوء على ظاهرة ما بهدف التوعية والإرشاد بالاتجاه الصحيح للمعالجة، يراه الكاتب صواباً، وبالأخص إن كان الكاتب متخصصاً في المجال المحدد الذي تدور حوله معطيات المقالة.
سادساً: أرجو عدم الوقوع في مقولة أن في اليمن بيئتين واقتصادين. وبنفس الوقت، يُرفض الانقلاب وسلطة الأمر الواقع، ويُسعى لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية بمساعدة إقليمية ودولية. وذلك لا يعني عدم وجود تحديات واختلالات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية في استعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة اختلالاتها، وهي تمر بظروف حرب داخلية مهددة للأمن والاستقرار الوطني والإقليمي والدولي.
وأشكر كل من يتابع المقالات التي توجه انتقادات بناءة للبنك المركزي أو لغيره من مؤسسات الدولة ويتفاعل معها. فقط نصيحتي لهم بأن الحماس الزائد في الدفاع عن سياسات خاطئة لا يتناسب مع أي مستوى علمي أو قدرات ومهارات مكتسبة.
مع كل تقديري واحترامي لأصحاب وجهات النظر التي أراها غير صائبة من وجهة نظري. فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

