“صحيفة الثوري” – (رأي):
د. فائزة عبدالرقيب
عدن ليست مجرد مدينة على ساحل خليج عدن، بل حالة يمنية استثنائية صنعتها الجغرافيا، وصاغتها التجارة، وعمّقها التاريخ. مدينة البحر والميناء والجبل، التي احتضنت عبر تاريخها تنوعاً بشرياً وثقافياً واسعاً، وأصبحت مدنيتها وانفتاحها جزءاً أصيلاً من هويتها.
عدن التي أحببناها لم تكن مدينة مغلقة على جماعة أو منطقة أو مشروع سياسي. كانت مدينة مفتوحة على البحر والعالم، يتجاور فيها القادمون من مختلف الجهات، وتجمع أحياؤها وحاراتها ثقافة المدينة وروح التعايش. ولهذا، فإن الدفاع عن عدن ليس دفاعاً عن جغرافيا فحسب، بل عن هوية مدنية تشكلت عبر عقود طويلة.
لكن ما حدث لعدن خلال السنوات الماضية يتجاوز تراجع الخدمات أو سوء الإدارة. فالمدينة تعرضت لمحاولات متكررة لإعادة تشكيلها وفق هويات ومشاريع لا تنسجم مع طبيعتها. هناك من أرادها ملكاً خاصاً، وهناك من حاول إحاطتها بسياج مناطقي، وتعامل معها باعتبارها مساحة نفوذ وغنيمة سياسية، بينما دفع آخرون نحو إضعاف مدنيتها ومؤسساتها.
وحين تتحول الأحياء إلى نقاط تفتيش، وبعض المواقع إلى ثكنات، والقانون إلى سلطة انتقائية، والجبايات إلى عبء يومي على المواطن، فإن القضية لم تعد مجرد اختلال أمني أو خدمي؛ بل تصبح مساساً بجوهر المدينة وطبيعة الحياة فيها.
والأكثر إيلاماً أن عدن، بكل ثقلها التاريخي والجغرافي والاستراتيجي، ما زالت تبحث عن أبسط حقوقها: من كهرباء مستقرة، وخدمات صحية وتعليمية، وبنية تحتية تُعاد إليها الحياة، وأمن يحمي الناس، ومؤسسات تطبق القانون، وفضاء مدني يسمح للمدينة بأن تستعيد عافيتها.
عدن لا تحتاج إلى هوية تُفرض عليها، ولا إلى من يحتكرها باسم منطقة أو جماعة أو مشروع. إنها تحتاج إلى استعادة هويتها التي عرفها أهلها وعرفها العالم: مدينة مدنية، مفتوحة، متنوعة، آمنة، يحكمها القانون وتتسع للجميع.
فالمعركة الحقيقية في عدن أصبحت واجباً على كل من أحبها، لا للدفاع عن نفوذ أو مشروع، بل للدفاع والانتصار للسؤال الأهم: أي مدينة نريد لعدن أن تكون؟
ومن لا يريد أن يفهم، فإن عدن أكبر من أن تكون ساحة نفوذ، وأعرق من أن تُختزل في مشروع واحد؛ إنها مدينة تستحق أن تستعيد نفسها، وهويتها، ومدنيتها، وحياة تليق بتاريخها ومكانتها.

