“صحيفة الثوري” – (رأي):
د. فائزة عبدالرقيب
أعادت الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي على مواقع ومعسكرات الجيش الوطني إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية: إلى أي مدى أصبحت الشرعية مستعدة لخوض معركة استعادة الدولة، وليس فقط للتعامل مع هجمات الحوثيين وردود أفعالها؟
ورغم ما يراه كثير من المراقبين من تراجع نسبي في وضع الحوثيين مقارنة بمراحل سابقة، فإن ذلك لا يعني أنهم فقدوا القدرة على إحداث تأثير عسكري. فما زالوا يمتلكون الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يمنحهم قدرة على استهداف مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، وإرباك القوات الحكومية. وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل تمتلك الشرعية منظومة دفاع جوي تحمي قواتها ومواقعها؟ وهل الجيش والقوات المسلحة على درجة كافية من الجاهزية؟ والأهم، هل تمتلك الشرعية القرار السياسي والعسكري للتعامل مع هذه الهجمات والرد عليها في الوقت المناسب؟
إن أهمية الهجوم الحوثي لا تكمن في نتائجه العسكرية فحسب، وإنما في دلالته السياسية أيضاً. فاستنزاف المؤسسة العسكرية وإرباكها قد يهدف إلى التأثير في حسابات الشرعية، خصوصاً في ظل مشهد إقليمي مضطرب تتداخل فيه الصراعات على النفوذ، والممرات المائية، ومصادر الطاقة.
ومن هنا، يسعى الحوثيون إلى فرض وقائع ميدانية تمنحهم أوراقاً إضافية في أي تسوية يمنية أو ترتيبات إقليمية ودولية مقبلة.
لكن مواجهة هذا التحدي لا تتعلق بالسلاح وحده. فالجيش يحتاج إلى قيادة موحدة وقرار سياسي واضح، كما تحتاج الشرعية إلى تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل لمخاطبة مجلس الأمن والمجتمع الدولي بشأن حق اليمن في امتلاك قدرات دفاعية تحمي قواته ومنشآته من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى مؤسسات تعمل بكفاءة في المناطق المحررة، بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية.
ولهذا، ينبغي أن تعمد الشرعية إلى مراجعة حقيقية لأدائها ولقدرتها على الرد العسكري، وألا تكتفي ببيانات الإدانة. فالمطلوب إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعزيز قدرات الجيش الدفاعية، وضمان انتظام رواتب العسكريين، وتوحيد مراكز القرار، وربط الأداء السياسي والعسكري بمشروع وطني واضح.
إن معركة اليمن لن تُحسم بالسيطرة على جبهة أو موقع فحسب، وإنما بقدرة الدولة على استعادة المبادرة. وإذا كان الحوثيون يحاولون استنزاف الجيش وفرض وقائع تمنحهم مساحة أوسع للمناورة، فإن مسؤولية الشرعية هي الانتقال من إدارة ردود الأفعال إلى صناعة القرار، ومن انتظار خطوات الخصم إلى تحديد خطواتها. فاستعادة زمام المبادرة تبدأ بامتلاك القرار، وتوحيد أدوات الدولة، وتحويل القوة المتاحة إلى فعل قادر على تغيير معادلة الصراع.

