(تعز) – صحيفة الثوري:
أقامت منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في محافظة تعز، حلقة نقاشية تحت عنوان “ميناء المخا.. التداعيات الأمنية والمقومات الاقتصادية”، وذلك لبحث الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالميناء في ظل التطورات والهجمات الحوثية الأخيرة التي استهدفت الميناء وأخرجته عن الخدمة، وتسليط الضوء على معاناة الفئات المجتمعية المتضررة، وخاصة الصيادين والقطاع الخاص.
وابتدأت الحلقة النقاشية بموجز تعريفي لخص الهدف منها قدمه ميسر الحلقة الأستاذ دكتور ياسر الصلوي نائب رئيس جامعة تعز للشؤون الاكاديمية سكرتير دائرة الفكر والثقافة بمنظمة الحزب في تعز والذي أكد على ان الفعالية كتأكيد على ادانة القصف الحوثي الذي دمر ميناء المخا والحق اضرارًا واسعة بالمدنيين وتسبب بخروج الميناء عن الخدمة هي في الوقت ذاته فرصة لبحث الاثار الاقتصادية والإنسانية التي تسبب بها القصف.

وأن هذه الحلقة النقاشية التي تقيمها منظمة الحزب الاشتراكي بتعز تأتي تعبيرًا عن موقف تضامني مع الضحايا من مدنيين وعسكريين والعاملين بالميناء والمتضررين من الاعتداءات الأخيرة، وحرصًا على إبقاء قضية ميناء المخا حاضرة في النقاش العام وتعزيز قيم التضامن والمسؤولية الوطنية والدفاع عن المصلحة العامة ومن أجل استعادة الميناء لدوره الطبيعي والحيوي.
وفي السياق الأكاديمي والتحليلي، قدم الأستاذ الدكتور محمد قحطان ورقة عمل سلط فيها الضوء على المقومات الاستراتيجية لميناء المخا؛ موضحاً أنه يمثل أحد أعرق الموانئ التاريخية والأقرب لخط الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب بمسافة لا تتجاوز 70 كيلومترات.

وأشار د. قحطان إلى أن الميناء كان قد بدأ يستعيد عافيته كشريان حيوي يخفف حصار تعز ويربطها بشبكة طرق برية للمحافظات المجاورة، فضلاً عن إمكانياته الواعدة لإنعاش الاستثمارات وتوليد إيرادات سنوية للخزينة العامة للبلاد كانت تقدر بمليارات الريالات، مع وجود مطار دولي حديث في حرمه يُسهم في تكامل النقل البحري والجوي.
ولخص د. قحطان الأضرار والتداعيات الاقتصادية البالغة الناتجة عن الهجمات الحوثية الأخيرة التي أدت لتوقف الميناء وتدمير منشآته، مشيراً إلى أن الاستهداف يهدد بموجة غلاء جديدة في أسعار السلع والمشتقات النفطية، ويصيب القطاع السياحي في شواطئ المخا بشلل تام، إضافة إلى مفاقمة معاناة الصيادين وتعطيل النشاط الصناعي والتجاري بالمحافظة.
واختتم د. قحطان ورقته بتوصيات عاجلة دعت إلى تعزيز منظومات الدفاع لحماية الميناء، وسرعة إصلاح أضراره، وتحريره من القيود العسكرية، مع إنشاء مبانٍ مستقلة للهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر في المخا لتمكينها من إدارة وتطوير الموانئ وتسهيل التشبيك الملاحي مع دول المنطقة.

واستعرض مدير هيئة المصائد السمكية في المخا وضاح المذحجي، الأضرار البالغة التي لحقت بالقطاع السمكي والصيادين الذين يعدون من الفئات الأكثر ضعفاً واعتماداً على الدخل اليومي، وبيّن أن الضربات الأخيرة لم تستهدف الميناء فحسب، بل طالت الرصيف البحري والمطار، ومنطقة قرب الزهاري القريبة من مواقع الاصطياد الرئيسي.
وأشار إلى أن هذه الهجمات الحوثية والأوضاع الأمنية تسببت في إيقاف كلي لحركة الصيد لعدة أيام، تلاه تعميم عسكري يقيد الحركة من السادسة صباحاً حتى السادسة مساءً فقط، وهو ما أحدث شللاً بنسبة 70% في نشاط الصيادين الذين يعتمدون أساساً على الاصطياد الليلي، كما توقفت مراكز الإنزال السمكي في مراكز المخا، والعرضي، والزهاري توقفا شبه تام خلال شهر أغسطس الجاري.
وأكد المذحجي حدوث خسائر بشرية ومادية فادحة، كان آخرها قصف بالقرب من جزيرة حنيش طال 12 قارب صيد من أبناء مديرية الخوخة، نتج عنه سقوط 6 جرحى و5 مفقودين، وفقدان 120 صياداً لقواربهم ومصادر عيشهم، بالإضافة لتعرض قوارب وصيادين للقصف سابقاً إبان حادثة السفينة “روبي مار”.

وكشف مدير فرع هيئة المصائد السمكية، عن خسارة نافذة مهمة لتصدير الأسماك إلى المملكة العربية السعودية وجيبوتي، ونزوح قسري للصيادين، حيث اضطر مئات منهم لنقل قواربهم من مديريات الخوخة والمخا وذباب إلى مديريات المضاربة ورأس العارة بسبب التضييق والمخاطر الأمنية وحالات الاشتباه المتكررة في عرض البحر.
من جانبه، استعرض نائب رئيس الغرفة التجارية والصناعية في تعز، الأستاذ محمد الشرعبي، التداعيات المباشرة على القطاع التجاري والاستثماري، مشددًا على أن الغرفة التجارية تطالب دومًا بتحييد المنشآت الاقتصادية ومنها الموانئ عن أي اعمال عسكرية، وأوضح أن منطقة المخا بظهيرها الجغرافي (الذي يشمل المخا، وموزع، والوازعية، وذباب) تمثل أصلاً استراتيجيّاً ومستقبلاً اقتصاديّاً هامًا لتعز واليمن بأكمله.
وأشار الشرعبي إلى توقف مشاريع التحديث والتوسيع التي كان الميناء يشهدها وأهمها عمليات تعميق وتوسيع للقناة الملاحية لتمكينه من استقبال بواخر الحاويات الكبيرة، وتعطيل الصادرات وتوقف تصدير المنتجات الزراعية اليمنية (مثل البصل) نحو الأسواق العربية والأفريقية (كالسعودية والصومال وكينيا وتنزانيا والكويت).
ونوه نائب رئيس الغرفة التجارية بارتفاع التكاليف ومشاكل الشحن الناتجة عن توقف الميناء وتحويل حركة شحن صغار التجار نحو موانئ بديلة كميناء عدن، مما يضاعف تكاليف النقل والتصدير ويؤثر سلباً على الأسواق المحلية، مشيرًا إلى مخاطر تنشيط منافذ غير رسمية بسبب توقف الميناء وتراجعه وهو ما يعني عودة النشاط غير الرسمي في رصيف “رأس العارة” للمواد المهربة التي كانت تمنع حركتها سابقاً.
وقدم الصحفي والباحث المتخصص في الشؤون البيئية محمد عبد القادر اليوسفي ورقة عمل ركزت على “المخاطر الأمنية والبيئية للاقتصاد الأزرق وأثرها اقتصادياً وتنموياً”، ودعا اليوسفي إلى تغيير طريقة التفكير والنظر إلى المخا كمنظومة ساحلية واقتصادية وبيئية وأمنية متكاملة.
وأكد اليوسفي على امتداد سلاسل التأثير، والتأثيرات السلبية للقصف الحوثي على البيئة البحرية وتدمير الثروة السمكية التي تعد ثاني أكبر قطاع تصديري في اليمن يساهم بنسبة 3% من الإنتاج المحلي ويؤمن معيشة نحو 1.7 مليون نسمة.
واقترح اليوسفي إنشاء “سجل للمخاطر الساحلية” كمبادرة تجريبية لمدة 90 يوماً تجمع كافة البيانات المتاحة عن حركة السفن والطقس وحالة البحر والخرائط البيئية في لوحة معلومات موحدة لمساعدة صناع القرار في الانتقال من رصد الأضرار بعد وقوعها إلى الاستعداد المبكر للمخاطر.
وشهدت الندوة نقاشات مستفيضة ومداخلات من الحاضرين حول الأبعاد السياسية والعسكرية للقصف، وأشار متحدثون إلى أن استهداف ميناء المخا، وهو ميناء تجاري مدني كان يشهد مشاريع تطوير هامة ويؤمن فرص عمل لأكثر من 1300 عامل، يمثل استهدافاً مباشراً لمعيشة المواطنين والصيادين والمزارعين.
وأوضح المشاركون أن مليشيا الحوثي، تسعى من خلال هذه الضربات في البحر الأحمر إلى فتح جبهة صراع جديدة لتخفيف الضغوط السياسية والعسكرية على حليفتها إيران، واستخدام أمن الملاحة الدولية كورقة تفاوضية وضغط إقليمي، وأكدوا أن المليشيا تستهدف البنية الاقتصادية ومصادر رزق المواطنين لتعطيل الموارد الوطنية وخلق مبررات مستمرة لعملياتها العسكرية المدمرة دون البحث عن مبررات حقيقية.

واختتمت الندوة بطرح جملة من التوصيات والمقترحات العاجلة الرامية لإنقاذ الميناء ودعم المتضررين، أهمها مطالبة السلطة المحلية بإجراء تقييم دقيق وسريع للأضرار المباشرة التي لحقت بالميناء من أجل البدء الفوري في إعادة تأهيله وتشغيله، وتوثيق الضربات كجريمة حرب وتقديم ملف متكامل للمحاكم الدولية والجهات المعنية، ولفت انتباه المجتمع الدولي لتسهيل وصول المساعدات الانسانية على إثر العمليات العسكرية.
وأوصى المشاركون بتوثيق الأضرار التي لحقت بالصيادين وإدراجها ضمن السجلات الدولية (مثل تصنيف B4) لفتح الباب أمام المنظمات الإنسانية والدولية لتقديم الإغاثة الطارئة وإعادة تأهيل قطاع الصيد، مطالبين السلطة المحلية بإصدار قرار نهائي يحدد إحداثيات المنطقة الصناعية ويحمي أراضيها من العبث ومشاكل النزاعات لتشجيع المستثمرين المحليين والخارجيين.
حضر الحلقة النقاشية عدد من قادة فروع الأحزاب السياسية وممثليها وقيادة اتحاد النقابات العمالية وممثلي النقابات وعدد من الفعاليات المدنية والأكاديمية، وستطلق منظمة الحزب الاشتراكي اليمني لاحقا تقريرًا تفصيليًا عن الحلقة النقاشية يشمل التوصيات وملخصات لأوراق العمل.

