آخر الأخبار

spot_img

نجيب محفوظ.. عشرون عاماً على الغياب، وحضورٌ لا ينتهي

صحيفة الثوري – ثقافة (خاص)

بعد عشرين عاماً على رحيله، لا يزال نجيب محفوظ حاضراً في المشهد الثقافي العربي، لا بوصفه صاحب جائزة نوبل فحسب، وإنما باعتباره واحداً من أكثر الأدباء العرب قدرةً على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أدب مفتوح على أسئلة الإنسان والمجتمع والتاريخ.

في 30 أغسطس 2006، غاب محفوظ عن المشهد، بعدما امتدت تجربته الأدبية لأكثر من سبعة عقود، تاركاً وراءه عشرات الروايات والمجموعات القصصية والنصوص والمقالات التي جعلت اسمه جزءًا ثابتًا من تاريخ الرواية العربية الحديثة. وفي عام 1988، أصبح أول أديب يكتب بالعربية يحصل على جائزة نوبل في الأدب، وهو ما كرّس حضوره عالميًا ولفت الأنظار إلى الرواية العربية بوصفها مساحة قادرة على إنتاج أدب ذي قيمة إنسانية تتجاوز حدوده المحلية.

لكن قيمة محفوظ لا تختصرها الجائزة. فقد ظل مشروعه الأدبي قابلًا لإعادة القراءة من أجيال متعاقبة، لأن أعماله لم تكن مجرد تسجيل لمرحلة تاريخية محددة، بل اشتغلت على أسئلة أوسع تتصل بالسلطة والحرية والعدالة والمعتقد والتحولات الاجتماعية وصراع الإنسان مع واقعه.

وتبرز رواية «أولاد حارتنا» مثالًا واضحًا على هذا الحضور المتجدد. فمنذ صدورها، ظلت الرواية موضع نقاش وتأويلات متعددة، فيما عادت الدراسات النقدية إليها مرارًا لمحاولة قراءتها من داخل بنيتها الأدبية، بعيدًا عن الأحكام والتفسيرات التي ارتبطت بها خارج سياقها الفني. كما أشارت الأكاديمية السويدية إلى هذه الرواية ضمن تقديرها لمنجز محفوظ عند منحه نوبل.

محفوظ.. الروائي الذي خرج من حدود الرواية

لم يكن محفوظ روائيًا فقط. فقد عمل في الصحافة وكتب عمودًا أسبوعيًا في صحيفة «الأهرام» ابتداءً من عام 1974، واستمر في ذلك حتى تعرض لمحاولة اغتيال في أكتوبر/تشرين الأول 1994.

وفي هذه المقالات، ظهر محفوظ بصورة مختلفة عن تلك التي يعرفها القارئ من رواياته؛ كاتبًا يتابع الأحداث اليومية ويتفاعل مع قضايا السياسة والمجتمع والتعليم والدين والثقافة، ويحاول قراءة الواقع من موقع المثقف الذي يراقب التحولات من حوله. وتكشف مجموعة هذه المقالات عن اهتمام واسع بالشأن العام، وعن علاقة مباشرة بين الكاتب واللحظة التي يعيشها المجتمع.

وقد جُمعت مقالاته الصحافية لاحقًا في كتب، بينما أتاحت ترجمتها إلى الإنجليزية في أربعة مجلدات مرتبة زمنيًا فرصة لقراءة تطور أفكاره ومواقفه وفق تسلسل الأحداث التي عاصرها، بدلًا من قراءتها مجزأة بحسب الموضوعات. وهو ما يسمح، بحسب الناقد رشيد العناني، بتتبع استجابة محفوظ للأحداث والقضايا في وقتها.

وتكشف التجربة الصحافية جانبًا آخر من شخصية محفوظ: فهو الذي بنى عالمًا روائيًا واسعًا، كان قادرًا أيضًا على الكتابة المكثفة والمباشرة عن قضية راهنة في مساحة قصيرة. وبين الرواية والعمود الصحافي تتضح المسافة بين محفوظ المبدع الذي يمنح الحكاية زمنها ومساحتها، ومحفوظ الكاتب الصحافي الذي يضطر إلى الإمساك باللحظة قبل أن تتغير.

القاهرة.. المدينة التي أصبحت عالماً

كانت القاهرة أكثر من مكان في أعمال محفوظ؛ تحولت إلى شخصية أدبية تكاد تكون حاضرة في معظم مشروعه. من أحياء الجمالية والحسين إلى شوارع القاهرة القديمة والبيوت والمقاهي، التقط محفوظ تفاصيل المدينة وحولها إلى عالم روائي استطاع من خلاله أن يروي قصة مصر وتحولاتها الاجتماعية والسياسية.

ولهذا ارتبط اسمه بصورة خاصة بالقاهرة، حتى أصبح من الصعب فصل تجربته الروائية عن المدينة التي ولد فيها عام 1911 وعاش معظم حياته في فضائها الثقافي والاجتماعي.

وقد أسهم هذا الارتباط في جعل أعماله قابلة للقراءة خارج السياق المصري أيضًا؛ فالشخصيات والصراعات التي تبدو محلية في ظاهرها تحمل أسئلة إنسانية تتكرر في مجتمعات مختلفة، وهو ما يفسر جانبًا من قدرة أدبه على العبور إلى لغات وثقافات أخرى.

عشرون عاماً من الغياب.. ومشروع لم يغلق صفحته

اللافت بعد عقدين من رحيل محفوظ أن الحديث عنه لم يتحول إلى مجرد استعادة لسيرة أديب راحل، بل ظل مشروعه مادة مستمرة للبحث والنقد وإعادة النشر. ولا تكاد تمر مناسبة مرتبطة باسمه من دون ظهور قراءات جديدة لأعماله أو إعادة اكتشاف جانب من جوانب تجربته.

وفي مصر، تتزامن الذكرى العشرون لرحيله هذا العام مع فعاليات ثقافية تستعيد إرثه. ويشهد متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ احتفالية في 30 أغسطس، تتضمن الإعلان عن إطلاق «عام نجيب محفوظ» وبرنامج من الفعاليات الثقافية والفنية التي تمتد على مدار عام كامل لإعادة تقديم تجربته وتراثه للأجيال الجديدة.

ولا يبدو هذا الاهتمام مجرد احتفاء بذكرى أديب كبير؛ فاستمرار العودة إلى محفوظ يعكس قدرة نصوصه على إنتاج أسئلة جديدة مع تغير الزمن. فالقارئ الذي يدخل عالمه اليوم لا يقرأ فقط مصر القرن العشرين، بل يجد أسئلة عن الإنسان والسلطة والمجتمع والاختيار والبحث عن المعنى، وهي أسئلة لم تفقد راهنيتها.

محفوظ.. الغائب الذي لم يتحول إلى ماضٍ

ربما تكمن قوة نجيب محفوظ الأساسية في أن رحيله لم يغلق مشروعه. فالنصوص التي تركها ما زالت تتيح للقارئ أن يعيد اكتشافها من زاوية مختلفة، وأن يرى في الشخصية الواحدة أو الحكاية الواحدة أكثر من معنى.

وبين محفوظ الروائي، ومحفوظ القاص، ومحفوظ كاتب المقال والعمود الصحافي، تتشكل صورة أديب لم يكتفِ بكتابة عصره، بل ترك نصوصًا قادرة على محاورة عصور لاحقة.

وبعد عشرين عاما من رحيله، يبدو نجيب محفوظ حاضرا بالطريقة التي يحلم بها الأدب لنفسه: لا باعتباره اسماً محفوظاً في كتب التاريخ، وإنما نصاً يعود إليه القراء كلما تغير الزمن، فيجدون فيه شيئا من أسئلتهم وأسئلة مجتمعاتهم.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img