آخر الأخبار

spot_img

الرسم بفرشاة اللغة في ديوان الشاعر محي الدين جرمة (هم احتطبوا دمي)

صحيفة الثوري- ثقافة: 

د. عبدالحكيم الفقيه

انتقال الشعر العربي من النظام البيتي إلى التفعيلة كان ضرورة موضوعية وفنية، بسبب الاحتكاك بآداب الأمم الأخرى، وبسبب التغيرات الثورية في طبيعة المجتمعات عند انتصاف القرن المنصرم. وجاءت قصيدة النثر ضرورة منعكسة عن تمدين المجتمعات وانتعاش الحريات الخاصة والعامة، مع يقيني أن النظام البيتي استطاع تجديد مضامينه وقدرته على الاستمرارية، ومثّل البردوني والجواهري أهم صوتين شعريين في القرن العشرين. وتظل المسلّمة بأن الشعر الجيد هو في كل الأشكال، والرديء يوجد في كل الأشكال، حقيقةً تثبط الصراع الشكلي.

الشاعر محيي الدين جرمة استوعب كل ذلك، فأخلص للتفعيلة والنثر، ويكتب الشعر بمداد الحداثة والتجريب ومواكبة المستجدات العامة.

الشاعر محيي الدين جرمة شاعر متميز، غزير الإنتاج والاطلاع والتواصل. يكتب قصيدة التفعيلة باقتدار وتمكن، ويكتب القصيدة النثرية بتجريب ودربة وتمكن. ولست أدري إن كتب القصيدة العمودية، لكنني أزعم أنه يتقنها، وله صولات وجولات في الصحف الأدبية والمهرجانات، وله علاقة واسعة مع الشعراء العرب.

عرفته من خلال الصفحة الثقافية في جريدة «الثورة»، إبان كان المحرر محمد جسار وفؤاد عبدالقادر، وأخيراً محمد القعود. والتقيته شخصياً بعد الوحدة في العاصمة صنعاء مرات عديدة، وهو شخصية اجتماعية، مهذب ودمث الأخلاق وودود، وذو حس مرهف، خجول إلى حد ما.

وعرفته في مدينة عدن في مؤتمر اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين الخامس تقريباً، ووجدت أنه مخلص لكتاباته وتنقيحها، وحريص على سلامة اللغة عبر لابتوبه الذي لا يفارقه كظله.

الشاعر محيي الدين جرمة، أو محي جرمه كما يحب أن ينادى، شاعر هام في مسيرة الشعر العربي منذ ثمانينيات القرن المنصرم وحتى الآن، ملك سكته الخاصة شعراً ونثراً. فثمة سلاسة وانسياب وجمال مكثف في قصائده التفعيلية التي سأتناول إحدى مجموعاته التي تنتمي للتفعيلة، حيث تظهر مهارته كرسام بفرشاة اللغة، وعازف على ناي التفعيلة، وشاعر ماهر ومتقن، ذي تجربة طويلة ومراس لا يتوقف، وخيال واسع لا ينضب.

يتحدث محيي في ديوانه عن تلاحم حضاري، حيث تلوح مأرب، وتلوح البترا ومطار دمشق، ويستحضر عبق التاريخ في قصائد كتبها بإتقان ودربة وبمداد قلبه، وهو يعمل على اندغام الذات بالموضوع، والخيال بالواقع، في رسم لوحات حية للمكان والزمان اللذين برزوا بلغته الشاعرية الفذة.

الاستعارات والتشبيهات اتكأ عليها، مع بقية المحسنات، في رسم عالمه الشعري بكل جمال وسلاسة وعذوبة. محيي، بجسده النحيل وقلقه المكتوم، يكتنف داخله عوالم شتى، فهو شاعر يعيد هندسة الأشياء، ويعيد ترتيب العالم، وينفخ من روحه في الكلمات حيوات ودلالات شتى. إنه بارع وصانع ماهر، ويعد من أهم الأصوات في العقود الثلاثة الأخيرة في اليمن.

أعتقد أن الحرب الراهنة في اليمن ظلمت الشعراء كثيراً، فلم يعد ثمة تواصل، ولا أمسيات، ولا مهرجانات، ولا دور نشر، ولا مرتبات، ولا جرائد. فمنهم من سكت، ومنهم من أصر على خلق الحي من الميت، هذا الواقع اليباب والبور. ومحيي، كاسمه، واصل الكتابة والتواصل مع أهم المجلات الأدبية العربية، من حوارات ومستجدات، فلم يهادن الواقع ويعلن الاستسلام، بل ظل كما هو، عصياً على التهميش والعويل.

بعد انقطاع لمدة 20 عاماً، سررت عندما هاتفني حين فقدت أغراضي في باص أثناء تنقلي بين تعز وإب، ومهاتفته أشعرتني بالسعادة.

تحضر مفردات الطبيعة كمعادلات موضوعية ورمزية وسيكولوجية في الديوان. والملاحظ أن مفردة «الظل» هي أكثر المفردات استخداماً، تعقبها «الريح» و«الماء». وبين القصيدة والأخرى يستخدم الشاعر مفردات حديثة من التقنيات ويوظفها شعرياً، كما كان يفعل الشعر الميتافيزيقي الإنجليزي. وأظن أن الشاعر محيي الدين استخدمها بعفوية، كما تولد عادة القصائد بمخاضها الطبيعي، دون حسابات منطقية مسبقة.

وديوانه يجمع ما يربو على 20 قصيدة، وكلها تنتمي للشعر الحديث (شعر التفعيلة)، وقد تحررت من الاتكاء الإيقاعي على القوافي، عدا ثلاث قصائد في نهاية الديوان كانت نفس القافية هي خاتمة المقاطع، لتعني التجلي الموسيقي بعد الانسياب المترقرق للصور والأخيلة والإيقاع.

ويجمع الديوان بين الحركة والسكون، وبين التأمل والفعل، وبين الرؤية ذات المغزى وبين العاطفة، في سياق شعري عذب وجميل. إنه يجمع بين النفس الرومانسي وبين الإمعان التأملي الواقعي بطريقة سحرية، تنتقل عبر الأحقاب من استخدام طوبة التاريخ إلى استخدام أوضار الراهن في بناء المداميك الشعرية لقصائد الديوان، حيث كان يعنون معظم قصائده بجمل تحمل ذات فعل حركي، يعكس قلق الشاعر العربي المعاصر في شتات الوطن المتشظي بين القطرية وبين أحلام عودة المجد وعبق التاريخ.

إن الحضور الباهت للفكرة يقوي الصورة الشعرية المتخيلة، والتي تعطي سلسلة متعددة من التأويلات الموضوعية الفكرية، لأنها تجنبت التقريرية والمباشرة، وسمحت للمتلقي أن يركب بساط الرمز ويحللها حسب ثقافته وعلاقته بالمقروء الشعري.

فالقصيدة ومض وجودي، وتعبير عن لحظة اتقاد انفعالي سيكولوجي، ليتكاتف الشعور واللاشعور، والوعي واللاوعي، في رسم لوحة لغوية لتحديد موقف لحظي، عبر مراس ديدن الكتابة وإخماد جمرة الاتقاد الانفعالي للسيكولوجية في لحظة خلق النص واختمار معطياته.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img