صحيفة الثوري — رويترز
في يوم صيفي حار، يتجمع مستوطنون إسرائيليون للسباحة والترفيه في بركة مياه بأراضي الضفة الغربية المحتلة، بينما تجف الحقول الفلسطينية المجاورة تماماً، هذه البركة لم تكن سوى مسار مياه جرى تحويله قسراً بعد قطع شريان الري الذي اعتمدت عليه قرية “فصايل” في غور الأردن الخصب لعقود طويلة.
تجسد هذه الواقعة نمطاً متصاعداً لما يصفه مسؤولون وباحثون فلسطينيون بـ “الحرب الصامتة”، حيث تحول الاستيلاء على منابع المياه والعيون الطبيعية إلى أداة أساسية للتضييق على السكان وإجبارهم على الرحيل.
جفاف الحقول
في قرية فصايل، يقف المزارع الفلسطيني سعد نمر أمام صوباته الزراعية الخاوية التي كانت تعج سابقاً بإنتاج الباذنجان والكوسا والبطيخ، يقول نمر إن المستوطنين قطعوا خط الأنابيب الخاص بأرضه وأعادوا توجيهه لنشاطهم الترفيهي، مما حرمه من الزراعة لأشهر متواصلة وألحق به وبمواطنيه خسائر مالية فادحة.
ولم يتوقف الأمر عند قطع المياه، بل امتد لتهديد المزارعين بالاعتداء والضرب لمنعهم من الاقتراب من العين، رغم حيازة نمر لوثائق ملكية رسمية وسندات أراضٍ تعود لعام 1957 تتضمن العين والبركة، دون صدور أي تعليق من السلطات الإسرائيلية المعنية.
وفي المقابل، يعكس موقف المستوطنين توجه الاستيلاء؛ إذ أشار أحد المستوطنين المتواجدين في الموقع إلى أن التواجد الإسرائيلي الكثيف بات يرهب الفلسطينيين ويمنعهم من الاقتراب، مدعياً ملكية الأرض لليهود.
توظيف للآثار
لم ينفصل الاستيلاء على عين “فصايل” عن الدعم الحكومي الإسرائيلي الرسمي؛ إذ حوّل المستوطنون الموقع إلى معلم سياحي بدعم مالي أعلنه وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، بلغت قيمته 3 ملايين شيقل (نحو مليون دولار) تحت مسمى ترميم “برك هيرودس”.
من جهته، حذر علماء آثار إسرائيليون من منظمة “عيمق شفيه” الحقوقية من أن الاستخدام السياسي والترفيهي للآثار يخلق انطباعاً زائفاً بحصرية الهوية اليهودية للمنطقة، مؤكدين أن ملء البركة بالمياه يدمر الموقع الأثري ذاته.
تأثيرات على القطاعات الأخرى
تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن المستوطنين استهدفوا ما لا يقل عن 160 موقعاً للمياه والصرف الصحي في الضفة الغربية هذا العام ، وفي هذا السياق، أوضح الباحث الميداني فارس فقهاء أن المستوطنين سيطروا على نحو 95% من العيون الطبيعية في شمال غور الأردن.
ولا يقتصر التضييق على المناطق الزراعية، بل امتد ليشمل المناطق السياحية الترفيهية للفلسطينيين مثل “وادي الباذان” قرب نابلس، حيث أدى اقتحام المستوطنين للعيون الطبيعية هناك إلى ضرب حركة السياحة المحلية وإثارة الخوف بين الزوار.
سلطة المياه الفلسطينية
أشار مدير عام التخطيط بسلطة المياه، عادل ياسين، إلى أن استهداف منابع المياه يمثل “هجوماً صامتاً بلا أسلحة أو إطلاق نار”، مؤكداً أن خطورته تتجاوز الرصاص الحي؛ فالرصاصة قد تقتل فرداً، لكن قطع المياه يتسبب في قتل وتدمير مجتمعات بأكملها.
إن “استراتيجية التعطيش” ومصادرة عيون المياه لم تعد مجرد ممارسات فردية من المستوطنين، بل أضحت سياسة ممنهجة تحظى بغطاء رسمي لتوسيع الاستيطان.
ومع استمرار إغلاق منافذ العيش بوجه الفلسطينيين وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، يبقى الحرمان من قطرة الماء أحدث أدوات الصراع المعقد، ومؤشراً خطيراً على تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في الضفة الغربية.

