صحيفة الثوري – تحليلات
تحليل — سام ابواصبع
لا يمكن قراءة تجديد المملكة العربية السعودية دعوتها إلى تنفيذ قراري مجلس الأمن 2216 و2722 بمعزل عن التحولات التي تشهدها المنطقة. فالتوقيت يمنح هذا الموقف بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود التذكير بالمرجعيات الدولية، ويعكس إعادة ترتيب للأولويات في مقاربة الملف اليمني، عبر الربط بين استعادة الدولة اليمنية وحماية أمن الملاحة في البحر الأحمر.
على امتداد السنوات الماضية، انصرف الاهتمام الإقليمي والدولي إلى احتواء الحرب، وتهدئة الجبهات، وفتح مسارات التفاوض مع جماعة الحوثي، أملاً في الوصول إلى تسوية تقلل من كلفة الصراع الإنسانية والسياسية. ومع مرور الوقت، تراجع حضور القرار 2216 في الخطاب السياسي، رغم أنه ظل المرجعية الدولية الوحيدة التي تحدد بوضوح طبيعة الأزمة ومتطلبات معالجتها.
اليوم، تعيد الرياض وضع القرارين في إطار واحد؛ فالقرار 2216 يؤكد استعادة مؤسسات الدولة، وانسحاب الحوثيين من المناطق التي يسيطرون عليها، وتسليم الأسلحة الثقيلة للدولة، بينما يركز القرار 2722 على حماية الملاحة الدولية ووقف الهجمات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر.
إن الجمع بين القرارين يعكس إدراكًا بأن أمن البحر الأحمر يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة السلطة القائمة في أجزاء واسعة من اليمن، وباستمرار وجود قوة عسكرية تمتلك ترسانة صاروخية ومسيّرات خارج مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم تظل مرتبطة بمعالجة الأسباب التي أنتجت هذا التهديد، وليس بالاكتفاء باحتواء نتائجه.
ويكتسب هذا الربط أهمية إضافية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. فالعمليات التي تنفذها جماعة الحوثي ضد الملاحة الدولية يصعب فصلها عن ارتباطها العضوي بالمحور الإيراني، الذي لطالما استخدم ساحات نفوذه الإقليمية كورقة ضغط في مواجهة خصومه. ومع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران، برز البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما إحدى ساحات توسيع دائرة الصراع، ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، عبر تهديد حركة التجارة العالمية وإرباك أحد أكثر الممرات البحرية حساسية.
هذا الارتباط يجعل من الصعب التعامل مع التصعيد الحوثي باعتباره قرارًا يمنيًا خالصًا. فالجماعة، بحكم بنيتها الفكرية والعسكرية وتحالفاتها، تتحرك ضمن مشروع إقليمي أوسع، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع اعتبارات تتجاوز حدود اليمن، وهو ما يفسر انتقالها المستمر من الصراع الداخلي إلى استهداف المصالح الدولية كلما تصاعدت المواجهة التي يخوضها المحور الإيراني.
لقد أثبتت التجربة الممتدة منذ انقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر/أيلول 2014 أن الرهان على تحول الجماعة إلى شريك في السلام لم يجد ما يسنده في الواقع. ففي كل مرحلة كانت المبادرات السياسية تتقدم، وكانت الجماعة ترد بتوسيع دائرة الحرب، أو فرض وقائع جديدة بقوة السلاح، أو نقل المواجهة إلى ساحات أخرى.
والمفارقة أن الحوثيين لم يتركوا مجالًا طويلًا للأوهام. فعندما ساد الاعتقاد بإمكانية ترويض الجماعة عبر التفاهمات السياسية، جاءت ممارساتها لتؤكد أن مشروعها يقوم على منطق القوة المسلحة، وأن استمرار الصراع ليس نتيجة ظرف طارئ، بل جزء أصيل من بنيته الفكرية والسياسية. ولهذا لم يكن اليمن، بالنسبة إلى هذا المشروع، سوى ساحة مفتوحة لإدامة الحرب، وربطها بأجندة إقليمية تتجاوز مصالح اليمنيين وتطلعاتهم إلى الدولة والاستقرار.
ومن هنا، فإن استدعاء القرارين 2216 و2722 يتجاوز إعادة التذكير بمرجعيات الأمم المتحدة؛ فهو يعيد الأزمة إلى أصلها الحقيقي: انقلاب مسلح أطاح بالدولة، وجماعة مرتبطة بالمحور الإيراني تستخدم الجغرافيا اليمنية كورقة في صراعات إقليمية، وتهدد أمن البحر الأحمر كلما اقتضت حسابات ذلك المحور تخفيف الضغوط الواقعة عليه أو توسيع ساحات المواجهة.
ولذلك، فإن استقرار اليمن وأمن البحر الأحمر ليسا مسارين منفصلين، وإنما وجهان لقضية واحدة. فحماية الملاحة الدولية تبدأ من استعادة الدولة اليمنية لسيادتها واحتكارها للسلاح، كما أن أي تسوية تتجاوز هذه الحقيقة، أو تتعامل مع الأمر الواقع باعتباره أساسًا للسلام، لن تنتج سوى هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل العودة إلى القرارين 2216 و2722 بداية مراجعة حقيقية للمقاربة الدولية تجاه اليمن، أم أنها مجرد إعادة تأكيد على مرجعيات قائمة؟ الإجابة ستحددها التطورات المقبلة، غير أن المؤكد هو أن استدعاء القرارين في هذا التوقيت يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الطريق إلى أمن البحر الأحمر يمر عبر صنعاء، وأن العودة إلى جوهر الأزمة اليمنية أصبحت شرطًا لا غنى عنه لأي سلام مستدام.

