آخر الأخبار

spot_img

سلطة بلا دولة: كيف حوّل الحوثيون شمال اليمن إلى مجتمعٍ يدفع ولا يحصل على شيء؟

“صحيفة الثوري” – (تقرير خاص)

سام أبوأصبع

في مناطق سيطرة الجماعة، غابت الرواتب والخدمات والحريات، وبقيت أجهزة الجباية والتعبئة والعقاب تعمل بكامل طاقتها. نموذج حكم لا يشتري رضا المجتمع بالرفاه، ولا يبحث عن شرعية انتخابية، بل يعتمد على السيطرة الأمنية وإعادة توزيع الموارد لمصلحة الحرب والموالين.

في صنعاء، لا تحتاج سلطة الحوثيين إلى تقديم موازنة عامة كي تطالب التجار بدفع الضرائب، ولا إلى دفع رواتب الموظفين قبل أن تطلب منهم حضور فعالية دينية أو سياسية، ولا إلى إصلاح مدرسة قبل فرض رسوم جديدة على أولياء الأمور.

المعادلة التي استقرت خلال سنوات حكم الجماعة بسيطة وقاسية: المواطن مطالب بدفع الزكاة والضرائب والرسوم والمساهمات، فيما لا تُلزم السلطة نفسها بتوفير راتب أو تعليم مجاني أو رعاية صحية أو حتى مساحة آمنة للاعتراض.

هكذا نشأ في شمال اليمن نموذج سياسي نادر: سلطة تستحوذ على أدوات الدولة السيادية والمالية والأمنية، لكنها تتنصل من التزامات الدولة الاجتماعية. تجمع الإيرادات كما لو أنها حكومة مستقرة، وتدير الخدمات بمنطق الإغاثة والطوارئ، وتحكم المجتمع بأجهزة جماعة مسلحة.

لا توجد بيانات مالية شفافة تتيح معرفة الحجم الحقيقي لإيرادات الحوثيين أو أوجه إنفاقها. الجماعة لا تنشر موازنة عامة قابلة للمراجعة، ولا حسابات ختامية، ولا تخضع مؤسساتها الإيرادية لرقابة مستقلة. لكن تقارير دولية ودراسات اقتصادية ترسم صورة متماسكة: موارد تُجبى من مجتمع فقير، وخدمات تتدهور، ورواتب معلقة، وإنفاق متزايد على التعبئة العسكرية والفعاليات الأيديولوجية.

سبعون في المئة من السكان داخل اقتصاد مغلق

يعيش نحو 70 في المئة من سكان اليمن في المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، وفق تقديرات البنك الدولي. وهذه المناطق هي الأكثر كثافة سكانية، وتضم صنعاء والحديدة وإب وذمار وعمران وحجة وصعدة وأجزاء من تعز والبيضاء والجوف ومأرب.

يشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني انقسم عمليًا إلى منطقتين نقديتين وماليتين، وأن مناطق سيطرة الحوثيين تعاني نقصًا حادًا في السيولة وقيودًا على السحب والوصول إلى الأموال، ما يحد من الاستهلاك ويخنق نشاط الشركات. ويأتي ذلك ضمن انهيار أوسع؛ إذ تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي في اليمن بنحو 60 في المئة منذ عام 2015. البنك الدولي: آفاق الاقتصاد الكلي لليمن

لكن هذا الاقتصاد المنهك لا يعني أن أجهزة التحصيل توقفت. على العكس، أصبحت الضرائب المفروضة على السلع والأسواق والأنشطة التجارية، وفق مذكرة اقتصادية للبنك الدولي، المصدر الأساسي للريع في مناطق الحوثيين، ضمن منظومة تعيد توزيع الموارد عبر السلطات المحلية التابعة للجماعة. البنك الدولي: المذكرة الاقتصادية القُطرية لليمن

هذه المفارقة هي جوهر النظام الاقتصادي الحوثي: المجتمع فقير، لكن الجباية لا تتراجع؛ مؤسسات الدولة عاجزة عن دفع الرواتب، لكنها حاضرة عند تحصيل المال؛ الأسواق راكدة، بينما تتوسع الجهات التي تطالب التجار بالدفع.

الراتب المؤجل.. والجباية الحاضرة

منذ انقطاع الرواتب المنتظمة عن معظم موظفي الدولة في مناطق الحوثيين عام 2016، تحوّل مئات الآلاف من المدرسين والموظفين الإداريين والعاملين في قطاعات الصحة والخدمات إلى قوة عمل شبه مجانية.

تقول اليونيسف في تقريرها السنوي لعام 2025 إن رواتب المعلمين ما زالت غير مدفوعة، وإن الفقر واستهداف المدارس يضاعفان اضطراب العملية التعليمية. وكانت المنظمة قد قدرت في خطة الاستجابة لعام 2025 أن رواتب ما يقارب 200 ألف معلم لم تُدفع منذ عام 2023، ضمن أزمة تعليمية تشمل البلاد، لكنها تتركز بصورة كبيرة في المحافظات الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية. نداء اليونيسف الإنساني لليمن

تقدم الجماعة نفسها باعتبارها غير مسؤولة عن دفع الرواتب، وتحيل الملف إلى الحكومة المعترف بها دوليًا والسعودية وعائدات النفط. لكن هذا الخطاب يتجاهل أنها تسيطر على المؤسسات الإيرادية في مناطقها، وتفرض الضرائب والجمارك والزكاة والرسوم على الاتصالات والوقود والأنشطة التجارية.

وقدّر فريق خبراء الأمم المتحدة سابقًا أن الجماعة جمعت في عام 2019 أكثر من 1.8 مليار دولار من الضرائب وإيرادات أخرى. كما وثق الفريق تحصيل إيرادات كبيرة من واردات الوقود عبر ميناء الحديدة، رغم أن ترتيبات اتفاق ستوكهولم ربطت تلك الإيرادات بالمساهمة في دفع رواتب الموظفين.

غياب البيانات الحديثة والمستقلة يجعل تحديد إيرادات الجماعة الحالية أمرًا صعبًا. إلا أن استمرار حركة الاستيراد والتحصيل الجمركي والضريبي، بالتوازي مع غياب الرواتب، يكشف أن المسألة تتعلق بأولويات توزيع الموارد بقدر ما تتعلق بندرتها.

الموظف هنا لا يتلقى أجرًا ثابتًا، لكنه يدفع ضريبة المبيعات داخل سعر السلعة، ورسوم الخدمات العامة، وأجور النقل، وكلفة الكهرباء التجارية، ومساهمات المدرسة، وما يُطلب منه في المناسبات الدينية وحملات التعبئة.

بكلمات أخرى: أوقفت السلطة أهم التزاماتها المالية تجاه المجتمع، بينما أبقت التزامات المجتمع المالية تجاهها قائمة.

الزكاة: من فريضة اجتماعية إلى مؤسسة سلطة

في عام 2018 أنشأ الحوثيون هيئة مستقلة للزكاة، وسحبوا صلاحيات التحصيل والتوزيع من السلطات المحلية. وبعد ذلك بعامين، أقروا لائحة تنفيذية أعادت تفسير قانون الزكاة وفرضت «الخُمس» بنسبة 20 في المئة على أنشطة مرتبطة بالموارد الطبيعية، مع تخصيص جانب منه لمن تصنفهم الجماعة ضمن «بني هاشم».

يرى مركز صنعاء للدراسات أن هذه التغييرات لم تكن إجراءً ماليًا فحسب، بل جزءًا من بناء اقتصاد سياسي ذي تراتبية مذهبية، يمنح امتيازات لفئة محددة، ويحول الزكاة إلى مورد تديره مؤسسة موازية تخضع مباشرة لقيادة الجماعة. مركز صنعاء: الضرائب والحكم ونظام الخُمس

ويُنتزع مورد الزكاة في بلد يحتاج ملايين سكانه إلى المساعدة، من دون أن يملك دافعوها وسيلة مستقلة لمعرفة حجم الأموال المحصلة أو معايير توزيعها أو حصة الفقراء منها.

هذا التحول يحمل دلالة سياسية أعمق: فبدل أن تكون الزكاة أداة للتكافل وتقليل الفقر، أصبحت جزءًا من هندسة الولاء. الجهة نفسها التي تحدد من يدفع، تقرر من يستحق، وتملك المعلومات التفصيلية عن التجار والمزارعين والأسر المحتاجة.

وهكذا يجتمع المال والنفوذ الاجتماعي والقدرة على العقاب في يد مؤسسة واحدة.

اقتصاد المناسبات

لا تقتصر الجباية على الضرائب والزكاة والرسوم القانونية أو شبه القانونية. فقد تطورت حول المناسبات الدينية والسياسية شبكة موسمية من «المساهمات» المفروضة على التجار والمصارف والشركات والمدارس والأحياء السكنية.

تقيم الجماعة أكثر من عشرين مناسبة سنوية ذات طابع ديني أو مذهبي أو تعبوي، وفق توثيق مركز صنعاء. وتشمل هذه المناسبات المولد النبوي، ويوم الولاية، وعاشوراء، وذكرى مقتل حسين الحوثي، و«يوم الصرخة»، وأسابيع مرتبطة بالحرب والتعبئة.

ولا تتوقف التكلفة عند الأموال التي تُدفع مباشرة. يُطلب من أصحاب المتاجر شراء الأقمشة والأضواء واللافتات، وطلاء واجهات محالهم، والمساهمة في تمويل الفعاليات ونقل المشاركين إليها.

وثق مركز صنعاء استخدام عقال الأحياء في توزيع مظاريف جمع التبرعات، مستفيدين من دورهم في توزيع الغاز والمساعدات. كما أشار إلى تعرض الممتنعين عن المشاركة للمضايقة أو الاحتجاز، وإلى إجبار جهات وأعمال تجارية على دفع مبالغ كبيرة رغم وصف السلطات تلك المساهمات بأنها طوعية. مركز صنعاء: الاحتفال الإجباري بالمشقة

والنتيجة أن الاحتفال يتحول إلى ضريبة، والزينة إلى إعلان ولاء، والحشد إلى اختبار طاعة.

في هذا النموذج، لا يكفي أن يمتنع المواطن عن معارضة السلطة؛ عليه أن يثبت قبوله بها عبر المال والحضور والمشاركة العلنية.

خدمات يدفعها المواطن مرتين

أدى انقطاع الرواتب وتراجع تمويل المؤسسات إلى نقل كلفة التعليم والصحة والكهرباء والمياه تدريجيًا إلى المواطنين والمنظمات الدولية.

تطلب مدارس حكومية من أولياء الأمور مساهمات لتغطية أجور المعلمين والنفقات التشغيلية. وتعمل مستشفيات ومراكز صحية بإمكانات محدودة، فيما يتحمل المرضى تكلفة الأدوية والفحوصات والمستلزمات. أما الكهرباء العامة، فقد حلّت مكانها في مناطق عديدة شبكات تجارية مرتفعة الكلفة أو منظومات شمسية اشتراها السكان بأنفسهم.

وبحلول مطلع 2026، كان 40 في المئة من مرافق اليمن الصحية يعمل جزئيًا أو متوقفًا تمامًا، فيما يواجه 49 في المئة من السكان انعدامًا شديدًا في الأمن الغذائي، وفق اليونيسف. وهذه أرقام على مستوى البلاد، ولا توفر وكالات الأمم المتحدة تفصيلًا حديثًا كاملًا لكل منطقة؛ لكنها تعكس البيئة الإنسانية التي يعيش ضمنها معظم سكان مناطق الحوثيين. اليونيسف: أزمة اليمن بالأرقام

هنا يظهر شكل آخر من أشكال التنصل: المواطن يدفع الضرائب والرسوم للسلطة، ثم يدفع مرة أخرى للحصول على الخدمة التي كان يفترض أن تمولها تلك الإيرادات. وإذا عجز، تتدخل منظمة إغاثية، فتستفيد السلطة من بقاء الخدمة من دون تحمل تكلفتها.

لكن حتى هذا البديل يتعرض للتآكل. فقد أدت حملات الاعتقال التي طالت العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات المحلية والدولية إلى تعليق أو تقييد أنشطة إنسانية داخل مناطق الحوثيين.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن الجماعة كانت تحتجز، حتى مطلع يناير 2026، ما لا يقل عن 69 موظفًا أمميًا، إضافة إلى عشرات العاملين في المجتمع المدني. وأسهمت الاعتقالات في تعطيل المساعدات وزيادة المخاطر على المحتاجين إليها. هيومن رايتس ووتش: اعتقالات الحوثيين تعطل الإغاثة

بذلك تخلت الجماعة عن تقديم الخدمات، ثم ضيقت المساحة على الجهات التي كانت تسد جزءًا من الفراغ.

لا رفاه مقابل الطاعة

عادة ما تحاول الأنظمة السلطوية بناء صفقة ضمنية مع المجتمع: الاستقرار أو الخدمات أو الدعم الاقتصادي مقابل التخلي عن المشاركة السياسية. لكن حكم الحوثيين لا يقدم حتى هذه الصفقة.

لا توجد كهرباء عامة مستقرة، ولا رواتب منتظمة، ولا تعليم مجاني فعلي، ولا حماية اجتماعية شاملة، ولا حرية سياسية. ولا يحظى المواطن مقابل الضرائب والامتثال إلا بإمكانية تجنب العقاب مؤقتًا.

إنه نظام لا يحتاج إلى شراء الرضا العام ما دام يملك القدرة على منع تحوله إلى احتجاج منظم.

الجماعة لا تعتمد على الشعبية وحدها أو على كفاءة الإدارة لتجديد سلطتها. أدوات بقائها موجودة في المشرفين الأمنيين، وعقال الأحياء، وأجهزة الاستخبارات، والمحاكم، والسجون، وشبكات التعبئة، والسيطرة على المدارس والمساجد ووسائل الإعلام.

وقد وثقت منظمات حقوقية الاعتقال التعسفي والإخفاء والتعذيب واستهداف الصحفيين والناشطين ومنتقدي الجماعة. وخلص تقرير لهيومن رايتس ووتش عام 2025 إلى أن الانتهاكات ضد الصحفيين، وفي مقدمتها الاعتقال والإخفاء والتعذيب، قوضت حرية التعبير ودفعت كثيرين إلى مغادرة البلاد أو فرض رقابة ذاتية على ما يكتبونه. هيومن رايتس ووتش: الصحفيون تحت الاعتداء

كما تفرض سلطات الحوثيين قيود «المَحرَم» على حركة النساء، بما يشمل العاملات في المجال الإنساني، وفق توثيق حقوقي مستقل. هيومن رايتس ووتش: القيود على حركة النساء

هذه ليست انتهاكات جانبية منفصلة عن الاقتصاد. القمع هو الذي يجعل النظام الجبائي ممكنًا؛ فالتاجر الذي لا يستطيع الاعتراض يدفع، والموظف الذي يخشى فقدان عمله يحضر الفعالية، والأسرة التي تعتمد على عاقل الحارة للحصول على الغاز أو المساعدة تفكر مرتين قبل رفض طلباته.

دولة في التحصيل.. جماعة في الإنفاق

تكشف تجربة الحوثيين عن تقسيم متعمد لوظائف السلطة.

عندما يتعلق الأمر بالمال، تتصرف الجماعة كدولة مركزية: تحصي الأنشطة، وتراقب التجار، وتفرض الرسوم، وتجمع الزكاة، وتسيطر على الجمارك والاتصالات والموانئ والمؤسسات العامة.

وعندما يتعلق الأمر بالحقوق، تتصرف كسلطة حرب: تلقي مسؤولية الرواتب والخدمات على خصومها، وتربط الأزمة الاقتصادية بالحصار والصراع الخارجي، وتترك المواطنين يعتمدون على أسرهم وتحويلات أقاربهم والمنظمات الإنسانية.

لا يمكن إنكار أثر الحرب والانقسام المالي وتراجع المساعدات والعقوبات والتوتر في البحر الأحمر على معيشة اليمنيين. كما تتحمل الحكومة المعترف بها دوليًا مسؤولية كبيرة عن الانهيار الاقتصادي في مناطقها. لكن تلك العوامل لا تفسر وحدها اتساع أجهزة الجباية في مناطق الحوثيين، ولا غياب الشفافية، ولا توجيه موارد إلى التعبئة والفعاليات في الوقت الذي تبقى فيه الرواتب والخدمات معلقة.

المشكلة، في جوهرها، أن الموارد لا تمر عبر عقد اجتماعي واضح. المواطن لا يعرف مقدار ما جُمع باسمه، ولا أين أُنفق، ولا يستطيع مساءلة من جمعه، ولا اختيار سلطة بديلة عبر الانتخابات.

مجتمع محاصر بين الفقر والخوف

بعد أكثر من عقد على سيطرتها على صنعاء، لم تعد جماعة الحوثيين مجرد حركة مسلحة تدير منطقة حرب مؤقتة. إنها سلطة أمر واقع تتحكم في حياة ملايين اليمنيين، وتعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والمجال العام وفق أولوياتها.

لكنها ما زالت تطالب بحقوق الدولة من دون قبول واجباتها.

تأخذ الضريبة ولا تقدم الحساب. تجمع الزكاة ولا تكشف مصارفها. تستدعي الموظف إلى الحشد ولا تدفع راتبه. تفرض على المدرسة خطابها، ثم تترك الأسرة تدفع أجور المعلمين. تتحدث باسم الفقراء، بينما تنقل إليهم كلفة الحكم والحرب والاحتفال.

لقد أنتج هذا النظام مجتمعًا يعيش بلا رفاه وبلا حرية: مواطن يموّل سلطة لا يستطيع محاسبتها، ويشتري خدمات كان يفترض أن يحصل عليها، ويصمت كي يحمي نفسه وأسرته.

في مناطق سيطرة الحوثيين، لم تختفِ الدولة تمامًا؛ اختفى جانبها الذي يخدم الناس. أما الدولة التي تجبي وتراقب وتعاقب وتحشد، فهي أكثر حضورًا من أي وقت مضى.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img