آخر الأخبار

spot_img

من حرب 1994 إلى مشروع الدولة الاتحادية.. كيف حمل الاشتراكي القضية الجنوبية إلى طاولة الحل؟

صحيفة الثوري – تقرير

سام أبوأصبع — رئيس التحرير 

قبل أن تصبح القضية الجنوبية واحدة من أكثر ملفات اليمن تعقيدًا، كانت تتشكل في الأرض والوظيفة والثروة والمؤسسات التي تغيرت أوضاعها بعد حرب صيف 1994. وبينما كان آلاف العسكريين والمدنيين الجنوبيين يغادرون وظائفهم قسرًا، وتتسع قضايا الأراضي والممتلكات، كان الحزب الاشتراكي اليمني نفسه يخرج من الحرب مهزومًا، وقد فقد جانبًا كبيرًا من حضوره المؤسسي وممتلكاته في الجنوب.

بعد سنوات، خرجت هذه المظالم من الملفات المغلقة إلى الشارع. ومن جمعيات المتقاعدين والاحتجاجات الحقوقية تشكل الحراك الجنوبي، وانتقلت القضية من مطالب باستعادة الوظيفة والأرض إلى سؤال سياسي يتعلق بمكانة الجنوب ومستقبل الدولة.

في تلك اللحظة، وجد الاشتراكي نفسه أمام قضية ترتبط مباشرة بتجربته السياسية: فهو الحزب الذي حكم دولة الجنوب، وشريك تأسيس دولة الوحدة عام 1990، والطرف الذي هُزم في حرب 1994، ثم القوة السياسية التي ستقدم، بعد صعود الحراك، واحدة من أكثر رؤاها تفصيلًا للقضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013.

وبين تقرير «الحق في التجمع السلمي – اليمن 2008» الصادر عن المرصد اليمني لحقوق الإنسان، ووثائق الحزب المقدمة إلى مؤتمر الحوار، يمكن تتبع مسار القضية من المظلومية إلى الاحتجاج، ومن الاحتجاج إلى محاولة صياغة مشروع سياسي للحل.

1994.. حين تغيرت معادلة الوحدة

في قراءته التي قدمها إلى مؤتمر الحوار، لم يتعامل الحزب الاشتراكي مع القضية الجنوبية باعتبارها خلافًا إداريًا أو أزمة خدمات. أعاد جذورها السياسية إلى حرب صيف 1994 وما ترتب عليها، معتبرًا أن الحراك السلمي نشأ من الأوضاع التي آل إليها الجنوب بعد الحرب، وأنه الحركة الشعبية التي أعادت القضية الجنوبية إلى طاولة السياسة والنقاش.

وتتقاطع هذه القراءة السياسية مع ما سجله المرصد اليمني لحقوق الإنسان ميدانيًا قبل ذلك بخمس سنوات.

فالتقرير الحقوقي يشير إلى أن نتائج حرب 1994 شملت الاستيلاء على أراضٍ وممتلكات عامة وخاصة في المحافظات الجنوبية، وإبعاد أعداد كبيرة من المدنيين والعسكريين من وظائفهم، وأن المطالب الحقوقية خلال السنوات اللاحقة تركزت على استعادة الممتلكات والأراضي وإعادة المبعدين وتسوية أوضاعهم وتعويضهم.

هنا تلتقي الوثيقتان: واحدة ترصد المظلومية على الأرض، والأخرى تقدم قراءتها السياسية.

وبالنسبة إلى الاشتراكي، فإن حرب 1994 أخلّت بالصيغة السياسية التي قامت عليها الوحدة، وأنتجت واقعًا جديدًا جعل القضية الجنوبية، في رؤيته، أزمة بنيوية تستوجب تغييرًا في شكل الدولة ومضمونها، عوضًا عن الاكتفاء بمعالجات جزئية.

الحزب نفسه كان بين المتضررين

لم يكن الاشتراكي يقرأ آثار الحرب من خارجها.

فالمرصد اليمني لحقوق الإنسان يوثق الاستيلاء على 102 مقر وممتلكات للحزب الاشتراكي اليمني، و40 مقرًا لمنظمات تابعة لاتحاد الشباب الاشتراكي، إلى جانب 13 وحدة سكنية ومستودع تجاري.

كان ذلك جزءًا من تحول أوسع طال الجنوب بعد الحرب. فالحزب الذي دخل الوحدة طرفًا رئيسيًا في تأسيس الدولة الجديدة خرج من حرب 1994 وقد أصيبت بنيته التنظيمية والمؤسسية بضربة كبيرة، بينما كانت البيئة الاجتماعية المحيطة به تشهد تحولات موازية في الجيش والإدارة والأرض والاقتصاد.

ولهذا يصعب فصل تطور موقف الاشتراكي من القضية الجنوبية عن تجربته المباشرة مع نتائج الحرب.

لكن ما بدأ بنتائج حرب تعرض لها حزب سياسي سرعان ما اتسع إلى قضية مجتمع.

23 ألف مبعد.. المظلومية تخرج إلى الشارع

يقدر تقرير المرصد عدد المدنيين والعسكريين المبعدين من وظائفهم بنحو 23 ألف شخص من مؤسسات الدولة المختلفة، وفي مقدمتها المؤسسات العسكرية والأمنية.

ومع تعثر المعالجات، بدأ المتضررون بتنظيم أنفسهم.

ظهرت جمعيات المتقاعدين العسكريين، ثم جمعيات للعاطلين عن العمل وشهداء ومناضلي الثورة، وتطورت آليات التنسيق بينها وصولًا إلى تشكيل أطر لتنسيق الفعاليات المدنية والسياسية.

وبحلول 2008، كان التحول واضحًا.

فمن أصل 623 تجمعًا سلميًا رصدها المرصد خلال ذلك العام، ارتبطت 246 فعالية بالقضية الجنوبية.

وبدأت المظاهرات والاعتصامات والمهرجانات تتجاوز المطالب القطاعية لتلتف، بحسب التقرير، حول قضية الجنوب والتعبير عنها.

الاشتراكي يعترف بالحراك كحامل سياسي

كان أحد التحولات المهمة في موقف الحزب هو الاعتراف بالحراك الجنوبي بوصفه تعبيرًا سياسيًا عن القضية.

ففي رؤيته المقدمة إلى مؤتمر الحوار، ربط الاشتراكي ظهور الحراك بالأوضاع التي أنتجتها مرحلة ما بعد 1994، ورأى أنه اكتسب هويته السياسية من كونه الحركة الشعبية التي وضعت القضية الجنوبية على طاولة النقاش.

وهذا الموقف له دلالة سياسية مهمة: الحزب، على الرغم من تاريخه وحضوره السابق في الجنوب، لم يؤسس رؤيته على ادعاء احتكار تمثيل القضية.

وفي تصريحات للأمين العام للحزب آنذاك ياسين سعيد نعمان خلال فترة الحوار، وُصف الحراك الجنوبي بأنه حامل لمشروع سياسي وطني، مع التأكيد على ضرورة سماع صوته وفتح الحوار أمام المشاريع السياسية المختلفة.

كانت تلك محاولة لإعادة تعريف وظيفة الحزب: الانتقال من حزب ارتبط تاريخيًا بدولة الجنوب إلى قوة سياسية تسعى لحمل قضيتها داخل عملية سياسية وطنية.

القمع يعمق الأزمة

في المقابل، كانت المواجهة الأمنية للاحتجاجات تزيد اتساع الفجوة.

وثق تقرير المرصد تعرض 85 تجمعًا سلميًا للقمع خلال 2008، واستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والهراوات في عدد من الحالات، ما أسفر، وفق التقرير، عن مقتل سبعة مواطنين وإصابة 75 آخرين.

كما وثق اعتقال 860 شخصًا بسبب ممارسة حق التجمع السلمي، وكان معظم المعتقلين في المحافظات الجنوبية؛ 402 في عدن و230 في لحج و124 في الضالع.

ومع استمرار الأرض والمبعدين والمتقاعدين ملفات مفتوحة، كانت القضية تنتقل تدريجيًا من المطالبة بإصلاح نتائج الحرب إلى التشكيك في البنية السياسية التي أنتجتها.

وهذه تحديدًا هي النقطة التي ستظهر لاحقًا في رؤية الاشتراكي للحل: المشكلة بنيوية، وبالتالي ينبغي أن يكون الحل بنيويًا.

من معالجة المظالم إلى إعادة صياغة الدولة

حين وصل مؤتمر الحوار الوطني إلى مناقشة الحلول والضمانات عام 2013، قدم الاشتراكي رؤيته على قاعدة أن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في منح مناصب عليا لشخصيات جنوبية، أو توسيع صلاحيات الحكم المحلي مع بقاء بنية المركز كما هي.

رأى الحزب أن الحل العادل يتطلب إعادة الجنوب إلى موقع الندية في المعادلة الوطنية وإحداث تحولات تمس شكل الدولة ومضمونها.

وهنا انتقل الاشتراكي من تشخيص المظلومية إلى تقديم مشروع سياسي.

دولة اتحادية.. والجنوب كيان موحد

كان خيار الدولة الاتحادية جوهر الحل الذي قدمه الحزب.

وأكدت اللجنة المركزية للاشتراكي في يونيو 2013 خيار دولة اتحادية يبقى فيها الجنوب كيانًا موحدًا، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن تقسيم الجنوب إلى أقاليم متعددة يحمل مخاطر على وحدته السياسية والجغرافية.

ووفق رؤية الحزب، كان المطلوب إعادة صياغة الوحدة في شكل ومضمون جديدين بعد فشل الصيغة السابقة، على نحو يحافظ على كيان سياسي واحد ويعيد بناء العلاقة بين الجنوب والشمال على قاعدة جديدة.

وهذه النقطة أساسية في فهم مشروع الاشتراكي: الحفاظ على وحدة الجنوب داخل دولة اتحادية، مع إعادة تأسيس العلاقة الوطنية على الشراكة والندية بدل مركزية الغلبة.

المناصفة كمرحلة لاستعادة التوازن

ولأن الحزب رأى أن الخلل لم يكن قانونيًا فقط وإنما في ميزان القوة السياسي أيضًا، اقترح مرحلة انتقالية ثانية مدتها ثلاث سنوات.

وخلالها، تقوم المعادلة السياسية على المناصفة بين الجنوب والشمال: مجلس نيابي منتخب بمقاعد مناصفة، وحكومة انتقالية مناصفة، وكذلك المؤسسات السيادية ودواوين الوزارات. وكان الهدف المعلن وضع الجنوب في مستوى الندية وتمكين ممثليه المنتخبين من التفاوض بشأن شكل الدولة الاتحادية الجديدة.

كما اقترحت الرؤية نقل الصلاحيات والمسؤوليات إلى المحافظات تمهيدًا لبناء الدولة الاتحادية، مع ضمان عدم حدوث فراغ سياسي أو أمني أو خدمي أثناء الانتقال.

وبذلك لم تكن المناصفة في رؤية الحزب غاية دائمة بحد ذاتها، وإنما أداة انتقالية لإعادة التوازن السياسي قبل الانتقال إلى الدولة الجديدة.

الأرض والوظيفة والحقوق جزء من الحل

الأهم أن رؤية الاشتراكي لم تفصل التسوية الدستورية عن المظالم التي صنعت القضية.

فخارطة الطريق التي قدمها الحزب تضمنت معالجة القضايا العالقة في الجنوب والمرتبطة مباشرة بحقوق المواطنين، وتنفيذ الإجراءات الواردة في النقاط العشرين والنقاط الإحدى عشرة الخاصة ببناء الثقة ومعالجة آثار الصراع.

وهنا يعود التقرير السياسي إلى نقطة البداية التي سجلها المرصد عام 2008: الأرض، الوظيفة، المتقاعدون، المبعدون والحقوق.

فالحل، وفق هذه المقاربة، لا يكتمل بتغيير شكل الدولة إذا ظلت المظالم التي أنتجت القضية دون معالجة.

القضية الجنوبية مفتاح للحل الوطني

في مؤتمر الحوار، لم يتعامل الاشتراكي مع القضية الجنوبية باعتبارها شأنًا محليًا يمكن تأجيله إلى ما بعد معالجة بقية أزمات اليمن.

جعلها في قلب تصور إعادة بناء الدولة.

وكان فريق القضية الجنوبية نفسه قد وضع القضية في مقدمة موضوعات الحوار، فيما انتهت العملية إلى نقاشات طويلة بشأن الحلول والضمانات وشكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة. وتشير وثائق المؤتمر إلى أن الفريق المصغر للقضية الجنوبية عقد 32 اجتماعًا بين سبتمبر وديسمبر 2013 للوصول إلى رؤية توافقية.

وبالنسبة إلى الاشتراكي، ارتبط استقرار البلاد بحل عادل للقضية يحقق الشراكة الندية والمتساوية للجنوب في دولة مدنية اتحادية.

من رؤية 2013 إلى سؤال 2026

مرت منذ ذلك الحين تحولات هائلة.

اندلعت الحرب، وانقسمت مؤسسات الدولة، وتغيرت موازين القوى، وصعدت قوى جنوبية جديدة، وأصبحت القضية الجنوبية تتحرك في سياق سياسي وعسكري وإقليمي أكثر تعقيدًا مما كان قائمًا خلال مؤتمر الحوار.

ولهذا لا يمكن التعامل مع رؤية 2013 باعتبارها وصفة جامدة تستعاد بعد ثلاثة عشر عامًا.

لكن أهميتها بالنسبة إلى الاشتراكي اليوم تكمن في المنهج السياسي الذي قامت عليه: الاعتراف بأن القضية سياسية وعادلة؛ الاعتراف بالحراك وتعدد حوامل القضية؛ رفض الحلول الشكلية؛ معالجة آثار حرب 1994؛ الحفاظ على وحدة الجنوب؛ إعادة بناء العلاقة الوطنية على الندية؛ تمكين الجنوبيين من إدارة شؤونهم ومواردهم؛ وربط الحل بتغيير بنية الدولة وتوزيع السلطة والثروة.

وهذه المرتكزات تمنح الحزب أساسًا يمكن تطويره في ضوء الواقع الجديد.

الاشتراكي.. استعادة القضية من بوابة مشروعها الاجتماعي

التحدي أمام الحزب الاشتراكي اليوم يتجاوز إثبات علاقته التاريخية بالقضية الجنوبية. هذه العلاقة تثبتها الوقائع: حكم الجنوب، وصنع الوحدة شريكًا، ودفع ثمن حرب 1994، وتعرضت مؤسساته وممتلكاته للاستيلاء، ثم شارك في نقل القضية إلى طاولة الحوار وقدم رؤية مكتوبة لجذورها وحلولها.

التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الرصيد إلى وظيفة سياسية حاضرة.

وهنا يمتلك الاشتراكي مساحة تميزه عن مشاريع تركز أساسًا على هوية الدولة أو حدودها: أن يعيد إلى القضية مضمونها الاجتماعي الذي انطلقت منه.

فالسؤال الجنوبي اليوم لا يتعلق فقط بما سيكون عليه اسم الدولة أو شكلها. يتعلق أيضًا بمن يملك الثروة، وكيف توزع عائدات النفط والغاز والموانئ، ومن يدير الأرض، وكيف تُبنى مؤسسات لا تعيد إنتاج الإقصاء، وما الضمانات التي تمنع تحول أي سلطة جديدة إلى مركز جديد للنفوذ والاحتكار.

إن جذور القضية التي وثقها تقرير 2008 تقول إن الظلم يمكن أن يعيد إنتاج نفسه تحت أي شكل سياسي إذا لم تتغير علاقات السلطة والثروة.

ومن هنا يستطيع الاشتراكي تطوير مشروعه: قضية جنوبية عادلة تحمل معها مشروعًا للديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتعيد الاعتبار للعمل والحقوق والخدمات والملكية العامة والفئات الفقيرة والمتوسطة، إلى جانب حق المجتمع في إدارة موارده والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار.

استعادة الدور.. لا احتكار التمثيل

تمنح تجربة الحزب الطويلة درسًا آخر: القضية الجنوبية أصبحت أكبر من أي حزب أو مكون منفرد.

ولهذا فإن استعادة الاشتراكي لدوره لا تحتاج إلى ادعاء احتكار تمثيلها، وإنما إلى العودة كحامل سياسي فاعل لمشروع حلها؛ منفتح على مختلف القوى الجنوبية، وقادر في الوقت نفسه على مخاطبة المجال الوطني والإقليمي والدولي.

وهذه ربما أهم ميزة سياسية يستطيع الحزب استعادتها.

فبفضل موقعه التاريخي كحزب جنوبي الجذور ووطني الامتداد، يستطيع أن يعمل في المساحة التي تربط عدالة القضية الجنوبية بضرورة الحل الوطني الشامل، وأن يدفع نحو تسوية تحمي حق الجنوب وإرادة أبنائه، وتحول دون إنتاج دورة جديدة من الحروب والانقسامات.

في عام 2008، كانت الأرقام تسجل صعود المظلومية: 23 ألف مبعد، ومئات الاحتجاجات والاعتقالات، وأراضٍ وممتلكات متنازع عليها. وبعد خمس سنوات، حمل الاشتراكي إلى مؤتمر الحوار إجابة سياسية تقوم على تغيير بنية الدولة، والندية، والمناصفة الانتقالية، والدولة الاتحادية، وبقاء الجنوب موحدًا، ومعالجة الحقوق وآثار الحرب.

واليوم، بعد حرب أخرى وتحولات أكثر قسوة، تبدو أمام الحزب مهمة جديدة: تحديث تلك الإجابة دون التخلي عن جوهرها.

أن يعود الاشتراكي إلى القضية الجنوبية من حيث بدأت: من الناس وحقوقهم، وأن يحملها إلى حيث ينبغي أن تصل: حل سياسي عادل يصون إرادة الجنوبيين، ويعيد بناء الشراكة على الندية، ويضمن إدارة عادلة للسلطة والثروة، ويؤسس لدولة ديمقراطية تحمي المجتمع من عودة الاستبداد والإقصاء تحت أي راية.

بهذا المعنى، فإن استعادة الحزب لدوره في القضية الجنوبية لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما استعادة قدرته على تحويل المظلومية إلى برنامج، والحقوق إلى سياسة، والقضية إلى مشروع للمستقبل.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img