آخر الأخبار

spot_img

الوحدة في عامها السادس والثلاثين: جثة سياسية أم ضرورة لم يغادرها التاريخ؟

صحيفة الثوري – كتابات

سام أبوأصبع

في الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، يعود السؤال الوطني الكبير ليطرق أبواب الضمير اليمني كيف يمكن استعادة الفكرة النبيلة للوحدة من بين ركام الحروب، وضجيج الصراعات، وأخطاء السياسة التي أثقلت كاهل الوطن وأرهقت الإنسان؟ وهل ما تزال الوحدة قادرة على استعادة مكانها في الوجدان الشعبي بعد سنوات طويلة من التعثرات والانكسارات، أم أن صورة المشروع في نظر كثيرين وصلت إلى مرحلة من الإنهاك جعلتها تبدو أقرب إلى جثة سياسية أنهكتها الصراعات وسوء الإدارة؟ فالمشاريع الوطنية الكبرى لا تستعيد حياتها عبر الاحتفالات الموسمية أو عبر الرقص المحموم فوق جراحاتها المفتوحة، وإنما عبر مراجعة شجاعة تعترف بالأخطاء وتبحث بصدق عن الأسباب التي أوصلت الحلم الكبير إلى هذا المآل.

وربما تكمن المعضلة اليمنية اليوم في أن سؤال الوحدة لم يعد يدور حول الماضي بقدر ما يتعلق بالمستقبل. فبعد ستة وثلاثين عاماً، لم يعد النقاش محصوراً في الاحتفاء بالحدث أو استدعاء رمزيته التاريخية، وإنما في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: هل تحولت الوحدة في الوعي العام إلى جثة سياسية فقدت قدرتها على الإلهام واستنفدت أسباب بقائها، أم أنها ما تزال ضرورة تاريخية مؤجلة، فرضتها الجغرافيا وتشابك المصالح ووحدة المصير اليمني؟

ذلك أن الأفكار الكبرى لا تُقاس بلحظات تعثرها، كما أن الأزمات القاسية لا تكفي وحدها لإصدار الأحكام النهائية. فبعض المشاريع تتعرض لانكسارات عميقة حين تُدار خارج شروطها المؤسسة، غير أن الحاجة إليها تظل قائمة ما دامت أسباب وجودها حاضرة. والسؤال الحقيقي لا يتعلق ببقاء الوحدة أو زوالها بقدر ما يتعلق بالشكل الذي يمكن أن تستعيد به معناها وعدالتها وثقة الناس بها.

مثّلت الوحدة اليمنية بالنسبة للحزب الاشتراكي اليمني مشروعاً حضارياً وتاريخياً تجاوز الحسابات الضيقة، وجسّدت تعبيراً عميقاً عن إرادة شعبية طال انتظارها، وحلماً وطنياً استقر في وجدان اليمنيين شمالاً وجنوباً. ولهذا جاء توقيع اتفاقية الوحدة بين الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام بوصفه لحظة تاريخية فارقة أرادت لليمن الانتقال من التشظي إلى الدولة، ومن الجغرافيا المنقسمة إلى الوطن الجامع.

غير أن المشاريع الوطنية الكبرى تفقد توازنها حين تبتعد عن الأسس التي قامت عليها. وقد دفعت الوحدة اليمنية ثمناً باهظاً عندما تعرضت روح الشراكة المؤسسة لها لاختلالات عميقة أضعفت الثقة الوطنية، وأنتجت شعوراً متزايداً بالإقصاء وعدم التوازن، وهو ما أدى إلى تراكم أزمات سياسية ووطنية امتدت آثارها إلى مجمل المشهد اليمني.

ومن هنا، تبرز القضية الجنوبية بوصفها قضية وطنية محورية ترتبط بمستقبل الدولة اليمنية نفسها. فالقضية تجاوزت إطار المطالب الحقوقية والإدارية، وأصبحت تعبيراً عن مسار سياسي وإنساني تشكّل عبر سنوات طويلة من الاختلالات والتجارب المعقدة التي تركت آثاراً عميقة في الوعي الجمعي الجنوبي.

والتعاطي المسؤول مع هذه القضية يقتضي مغادرة أساليب الإنكار والمعالجات الشكلية، والانتقال إلى مقاربة وطنية شجاعة تؤمن بأن بناء السلام يبدأ من الاعتراف بالحقائق، وأن استعادة الثقة تحتاج إلى إجراءات عملية واضحة تعيد الاعتبار للشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.

إن حل القضية الجنوبية يتطلب رؤية وطنية شاملة تقوم على الإنصاف السياسي، ورد المظالم، وجبر الضرر، وضمان شراكة عادلة في السلطة والثروة، وبناء دولة مؤسسات حديثة تكفل الحقوق وتصون الحريات، وتمنح جميع اليمنيين شعوراً متساوياً بالانتماء والمشاركة. كما أن أي تسوية جادة تستوجب حواراً وطنياً مسؤولاً يضع القضية الجنوبية في مركز النقاش الوطني باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لأي استقرار مستقبلي.

ظل الحزب الاشتراكي اليمني، على امتداد مسيرته، منحازاً إلى مشروع الدولة المدنية الديمقراطية وإلى فكرة التوافق الوطني الواسع، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الشراكة قاعدة لاستقرار الوطن واستمراره.

واليوم، وفي ظل التحولات التي تمر بها البلاد، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة المعنى الحقيقي للوحدة؛ بوصفها مشروعاً متجدداً للعدالة والشراكة والسلام. فالوحدة التي حلم بها اليمنيون ارتبطت بمشروع دولة حديثة يشعر فيها المواطن أن كرامته مصونة، وأن حقوقه محمية بقوة القانون والمؤسسات.

وفي هذه الذكرى، تبدو الحاجة أكبر إلى شجاعة المراجعة. فالأوطان تُصان بالقدرة على الاعتراف بما حدث، وبفهم الأسباب التي قادت الأحلام الكبرى إلى التعثر.

لقد أثبتت السنوات أن الأزمات الوطنية لا تختفي بالتأجيل، وأن القضايا العادلة تحتفظ بحضورها مهما تأخر الإنصاف. والقضية الجنوبية، بوصفها قضية سياسية ووطنية بامتياز، تحتاج إلى مشروع جديد يقوم على العدالة والشراكة والضمانات الحقيقية.

أما اليمن الذي حلم به شركاء الوحدة ذات يوم، فما يزال مشروعاً مؤجلاً أكثر من كونه مشروعاً مكتمل الملامح؛ مشروع دولة تتسع للجميع، يشعر فيها كل مواطن أن الوطن يتسع له بقدر ما يتسع لغيره. وتلك مسؤولية وطنية تتجاوز حدود اللحظة السياسية، وتمتد إلى مسؤولية جيل كامل أمام التاريخ.