آخر الأخبار

spot_img

الأكاديميون اليمنيون في المنافي: خسارة وطن أم فرصة إنقاذ؟

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

في كل الحروب الطويلة والصراعات الدموية غالباً لا تسقط المدن وحدها، بل تسقط معها الجامعات كأهم المؤسسات أيضاً، وتهاجر العقول قبل أن تهاجر أجساد الكتل البشرية كنازحين.

واليمن التي أنهكتها سنوات الصراع والانقسام والانهيار الاقتصادي، لم تخسر فقط البنية التحتية والبيوت وهياكل المؤسسات، بل خسرت أحد أهم مواردها الاستراتيجية: الأكاديميين والباحثين والأطباء بتراكم خبراتهم، الذين وجدوا أنفسهم في المنافي موزعين بين العواصم العربية والغربية، مجبرين على حمل حقائب العلم وذاكرة الوطن معاً. فالجسد بالنسبة لهم ليس حقيبة سفر، ولكنه حقل للمعركة التي لم تنتهِ بعد.

في الحقيقة، لم تعد الجامعات اليمنية خلال سنوات الحرب بيئات مستقرة للإنتاج العلمي والمعرفي، فقد تعرضت المؤسسات الأكاديمية إلى أزمات متلاحقة تمثلت في تدهور الأوضاع الاقتصادية لأعضاء هيئة التدريس بسبب انقطاع الرواتب وتآكل العملة، وضعف التمويل البحثي، وعمليات التجريف والإحلال القسرية وما رافقها من استقطابات سياسية وحزبية حادة، وبالتالي خروج المنظومة عن مبدأ الحيادية، وهجرة الكفاءات والكوادر، وتراجع التصنيف الأكاديمي للجامعات.

وأمام كل هذه الظروف، وجد كثير من الأكاديميين أنفسهم أمام خيارين قاسيين: إما البقاء مكبلين داخل منظومة منهكة ومُنهِكة للكادر نفسه، أو البحث عن فرص خارج وعاء الوطن.

حقاً، لقد تحولت الجامعات اليمنية إلى جزر معزولة، وأصبح الأستاذ الجامعي يواجه طاحونة الجوع والعوز، فيما تتقاسم المليشيات السلطة والثروة والخراب. وهكذا بدأت قوافل العقول بالرحيل، لا لأن أصحابها فقدوا انتماءهم الوطني، بل لأن الوطن نفسه أصبح عاجزاً عن حماية علمائه وكوادره.

إن شبكة الفساد، وكتائب الموت، وجنرالات الحرب في اليمن، لم تكتفِ بسرقة النفط والغاز والرواتب ومربعات المدن، بل سرقت أخطر ثروة على الإطلاق: العقل اليمني.

إنها الحرب وتداعياتها التي تطرد ورثة الأنبياء من معابد المعرفة، وتدفع حراس الضوء إلى منافي الأرض للسباحة على اليابسة.

فحين يهاجر الأكاديمي اليمني لا يغادر فرداً عادياً وطنه، بل تهاجر مكتبة، ويرحل مختبر، ويغيب مقترح لبحث علمي، وتتسرب خبرة تدريس، وتُطفأ نافذة نور كانت تطل منها الأجيال على العالم. وهكذا فإن البلاد التي تقمع وتقتل معلميها بصور مختلفة تتحول إلى سجن كبير تحرسه ثكنات عسكرية.

في اليمن لم تعد المنافي مجرد جغرافيا، لقد أصبحت وطناً مؤقتاً للعقول، ومقابر مؤجلة للأحلام، وساحات انتظار طويلة ومملة لأساتذة حملوا طباشيرهم بألم، كما يحمل المنفيون مفاتيح بيوتهم القديمة على أمل العودة إليها.

للأسف، لقد تحولت الجامعات إلى خرائب مخيفة، وتحول بعض أمراء الحرب إلى أوصياء على المعرفة وقراصنة يديرون المؤسسات التعليمية بعجرفة، بينما غادر المعلمون وأساتذة الجامعات مقاعدهم، لأن غول الجوع ونزيف الكرامة قد حاصر حياتهم من الجهات الأربع.

نعم، لقد جلس أمراء الحرب وشركاؤهم فوق ركام الجامعات، بينما ظل الأكاديميون في المنافي يحملون معهم آلاف المحاضرات ومفاتيح مختبرات البحث العلمي المغلقة، ينتظرون يوم الخلاص لليمن الكبير وساعة العودة الكبرى لتعود معها أنفاس المدن.

أيها السلطويون الطارئون، والساسة الفاسدون، وتجار الحرب المتخمون، إن الأستاذ الجامعي الذي يحمل حقيبته نحو المنفى مكرهاً ومجبراً لا يغادر وحده، بل تخرج معه ألف محاضرة، وألف تجربة، وعشرات الأبحاث، وآلاف الأحلام المؤجلة. وكل طائرة أقلعت بأكاديمي، وكل سفينة أبحرت بتكنوقراطي يمني، كانت تحمل جزءاً من روح الوطن، ومن مستقبل البلاد إلى سماء أخرى.

على الرغم من أن المنفى ليس دائماً لعنة، بل طوق نجاة، وليس جحيماً، بل أحياناً يصبح الخلوة الكبرى التي يخرج منها العارف أكثر اشتعالاً وأكثر إبداعاً.

لقد غادر كثير من الأكاديميين والأطباء والمهندسين اليمنيين أوطانهم إلى العالم الآخر، حاملين جراح البلاد كرسائل سرية، ينثرونها في كليات الجامعات، وبروتوكولات المختبرات، والمستشفيات، والمؤتمرات العلمية، ومراكز الأبحاث. لقد صار بعضهم رهبان معرفة في مدن بعيدة، يدرسون الآخرين بينما قلوبهم معلقة بسبورة قديمة في جامعة صنعاء، وفي معمل متهالك في جامعة تعز، وقاعة بلا تكييف في جامعة عدن، ومنصة بلا جهاز عرض في جامعة إب.

إنهم الأكاديميون المبدئيون الملتزمون الذين فقدوا زوايا المكان، لكنهم لم يفقدوا اليمن كقبلة، واليمن كجينات أصيلة، واليمن كهوية نعتز بها.

لذلك، أيها الأكاديمي والباحث اليمني في المنافي، لستَ جباناً ولستَ خائناً كما يسوق لذلك البعض، لأنك نجوت، ولست غريباً لأن الحدود ابتلعت خطاك، بل أنت قطعة من الروح اليمنية المهاجرة، وجزء أصيل من قيم اليمن ومن العقل الذي لم تستطع الحرب الملعونة مصادرته واغتياله.

وفي المقام الثوري، لا تكون العودة دائماً إلى المكان، بل إلى الرسالة النبيلة، وإلى الحقيقة التي ننتصر لها.

فربما لا يعود جميع الأكاديميين إلى الجامعات المنهارة معنوياً من الداخل، لكنهم يستطيعون أن يعودوا إلى اليمن عبر إنتاج المعرفة، والبحث العلمي الأصيل، وطرق التعليم والابتكار، وبناء الجسور بين الداخل والمنفى.

وفي نهاية هذا المقال، يطرح كل ذلك النزيف الأكاديمي اليمني سؤالاً جوهرياً:

هل تمثل هجرة الأكاديميين اليمنيين خسارة وطنية خالصة، أم أنها قد تتحول إلى فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img