آخر الأخبار

spot_img

غياب الدولة وصناعة الانهيار

صحيفة الثوري – (رأي)

عبدالعالم عبدالجليل 

ما وصل إليه اليمن اليوم هو حصيلة تراكمات طويلة من غياب الدولة المؤسسية، والتخلف السياسي، وسوء إدارة الحكم، وتسلط قوى لم تدرك معنى الدولة ووظائفها، ولم تمتلك الرؤية والكفاءة اللازمتين لبناء مؤسسات تحمي المجتمع، وتدير شؤونه، وتحقق تطلعاته. فحين يتولى الحكمَ من تحكمه عقلية التسلط ومصالح النفوذ، وتغيب عنه الرؤية السياسية لبناء الدولة، يصبح الوطن رهينة القرارات العشوائية والحسابات الضيقة، وتتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للسيطرة عليه.

ما كان قائمًا لم يكن دولة بمؤسساتها وقوانينها ومقوماتها، بقدر ما كان سلطة حكم تشبه، في كثير من ممارساتها وآليات اشتغالها، منظومةً مغلقة تقوم على الترهيب والترغيب، وتستمد نفوذها من تحالفات قبلية وشبكات من المشايخ والمتنفذين والمنتفعين، ومن شراء الولاءات والذمم وتوزيع المصالح والمنافع لضمان استمرار السيطرة. وفي ظل هذه المنظومة، لم تكن الكفاءة معيارًا حاسمًا لتولي المسؤولية، ولا النزاهة أساسًا للعلاقة بين السلطة والمجتمع، ولا خدمة المواطنين مقياسًا للنجاح؛ بل غلبت القدرة على إرضاء مراكز النفوذ، وحماية المصالح المتبادلة، وتوسيع دائرة الولاءات، على معايير الكفاءة والاستحقاق.

لقد كانت إدارة الحكم أقرب إلى إدارة النفوذ منها إلى إدارة الدولة؛ مدارةٌ لا إدارة، وإرضاءٌ لا إنجاز، وشراءٌ للولاءات بدلًا من بناء الثقة، وتوزيعٌ للمنافع بدلًا من إقامة مؤسسات عادلة. وهكذا أُخضعت المصلحة العامة لحسابات ضيقة، وتحولت المسؤولية العامة إلى وسيلة للانتفاع، ووُظفت موارد المجتمع وإمكاناته في تثبيت موازين القوة، بدلًا من توجيهها نحو التنمية وتحسين حياة المواطنين.

وفي ظل هذا النهج، تراجعت قيمة القانون أمام نفوذ الأشخاص، وغلبت المحسوبية على معايير الكفاءة، وغابت المساءلة الفعلية خلف مظلة الحماية السياسية والقبلية. ولم يكن المواطن متساويًا في الحصول على حقوقه أمام مؤسسات مستقلة وفاعلة، بل أصبح في كثير من الأحيان أسيرًا لمراكز النفوذ، يبحث عن حقه عبر الوساطات والولاءات، بدلًا من الحصول عليه باعتباره حقًا أصيلًا تكفله القوانين.

إن أخطر ما تتركه هذه العقلية ليس الفقر والفساد وتدهور الخدمات فحسب، بل ترسيخ ثقافة الخضوع للقوي، والارتهان للمتنفذ، والبحث عن الحماية خارج القانون، على حساب المواطنة المتساوية. وحين تصبح الولاءات الشخصية والقبلية بديلًا عن المواطنة، وتتحول المصالح الخاصة إلى أساس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، تتراجع فرص بناء مؤسسات فاعلة، ويبتعد المجتمع عن نموذج الدولة التي تصون الحقوق، وتكفل تكافؤ الفرص، وتجعل المواطنين شركاء متساوين في وطن واحد.

ولم يكن تفاقم الفساد، واتساع دوائر الفقر والحرمان، وتراكم الأزمات والصراعات، سوى نتائج لمسار طويل غُلّبت فيه المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، وأُقصيت الكفاءات، وغاب المشروع الجاد لبناء الدولة المؤسسية، فيما ترسخت قوى لا تنظر إلى الحكم باعتباره مسؤولية عامة، بل امتيازًا ينبغي الحفاظ عليه. ومع غياب مؤسسات فاعلة تضبط ممارسة السلطة وتخضع القائمين عليها للمساءلة، أصبحت البلاد أكثر عرضة للصراعات والانقسامات، وغدا المواطنون هم من يدفعون الثمن الباهظ لسوء الحكم وغياب الرؤية الوطنية.

ومن الضروري، عند تشخيص جذور الحرب والمأساة التي يعيشها اليمنيون اليوم، التوقف أمام مسؤولية علي عبدالله صالح وأعوانه والقوى التي شاركته إدارة الحكم خلال المرحلة السابقة. فقد أخفقت تلك السلطة في بناء دولة مؤسسية حقيقية، وغلبت في ممارساتها توازنات المصالح وشبكات النفوذ والولاءات على متطلبات بناء المؤسسات وترسيخ المواطنة المتساوية. ورغم ما كان تحت تصرفها من إمكانات مادية وعسكرية ونفوذ سياسي واسع، لم تُترجم تلك الإمكانات إلى بناء دولة تقوم على القانون والمؤسسات، وتستطيع إدارة الخلافات واحتواء الأزمات. ومع تفاقم الأزمة السياسية، انتهى مسار تلك المرحلة إلى تسليم البلاد إلى الهاوية، وترك الشعب يواجه تداعيات الانهيار والصراع، وصولًا إلى الحرب والاقتتال وتعدد سلطات الأمر الواقع ومراكز القوة والنفوذ.

إن استحضار مسؤولية علي عبدالله صالح وأعوانه ليس استدعاءً للماضي لمجرد الإدانة، بل ضرورة لفهم جذور الأزمة وتفسير المسار الذي أوصل اليمن إلى واقعه الراهن. فالحرب لا يمكن فهمها بمعزل عن إخفاقات الحكم السابق، والسياسات والقرارات التي حالت دون بناء دولة مؤسسية قادرة على إدارة الخلافات بالوسائل السياسية. وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك إعفاء القوى التي أسهمت لاحقًا في اندلاع الحرب أو توسيع نطاقها من مسؤولياتها، بل يقتضي وضع الأحداث في سياقها السياسي والتاريخي، وتحديد مسؤولية كل طرف وفق دوره وموقعه؛ فكل من تولّى السلطة، من السابقين واللاحقين، سواء وصل إليها بطرق شرعية أم غير شرعية، وامتلك زمام الأمور والقدرة على توجيه مسار البلاد، ثم أسهم في إيصالها إلى الهاوية والحرب والدمار، أو يعمل على استمرار الحرب وإطالة أمدها، يتحمل المسؤولية عما حلّ باليمن وشعبه من مآسٍ ومعاناة.

إن الخروج من هذا الواقع لا يتحقق بتغيير الأشخاص مع الإبقاء على العقلية نفسها، ولا باستبدال مراكز النفوذ بأخرى، ولا بإعادة إنتاج منظومات المحاصصة والولاءات تحت مسميات جديدة. فالبلاد بحاجة إلى تحول حقيقي في مفهوم الحكم ووظيفته، وإلى بناء دولة مؤسسات حديثة تقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والكفاءة والنزاهة، والمساءلة والشفافية، وتكافؤ الفرص، والديمقراطية والتعددية السياسية، وصندوق الاقتراع بوصفه الطريق السلمي لتداول السلطة.

الدولة ليست حاكمًا يتصرف وفق أهوائه، ولا شبكة مصالح تحيط بمركز القرار، ولا تحالفًا من المتنفذين يتقاسمون النفوذ والمنافع؛ إنها مؤسسات وقوانين وحقوق وواجبات، وسلطة تستمد مشروعيتها من الشعب، وتخضع للمحاسبة، وتعمل من أجل الصالح العام. والحاكم ليس سيدًا على المواطنين، بل مسؤول أمامهم، ومهمته إدارة شؤونهم وتحقيق مصالحهم، لا إخضاعهم أو شراء ولاءاتهم أو استغلال حاجاتهم لإحكام السيطرة عليهم.

لقد دفع اليمنيون أثمانًا باهظة نتيجة غياب الدولة المؤسسية، وسوء الحكم، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية. ولن يكون تجاوز هذا الإرث ممكنًا ما لم يُعترف بجذور الأزمة، وتُرفض ثقافة الاستبداد والفساد والمحسوبية، ويُفتح الطريق أمام مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطنة، ويضع الإنسان وكرامته وحقوقه في صدارة الأولويات.

فالأوطان لا تُبنى بشراء الولاءات، ولا تُدار بترهيب المواطنين وترغيبهم، ولا تُحمى بتضخيم نفوذ الأشخاص والجماعات؛ إنما تُبنى بمؤسسات قوية، وحكم رشيد، وقانون يسري على الجميع، وإرادة سياسية تؤمن بأن الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها، وأن المسؤولية العامة تكليف لخدمة الناس، لا امتياز للاستعلاء عليهم.

إن غياب الدولة المؤسسية هو أحد الجذور الأساسية للمأساة اليمنية، والتخلف السياسي وسوء الحكم من أبرز أسباب تفاقمها، وبناء دولة المؤسسات هو الطريق الضروري للخروج منها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img