آخر الأخبار

spot_img

التعايش أساس الأمن والسلام

«صحيفة الثوري» – (رأي):

عبدالعالم عبدالجليل

يمثّل التعايش بين أبناء المجتمع الواحد ركيزة أساسية للأمن والاستقرار، وأحد الشروط الضرورية لبناء دولة تحترم مواطنيها وتصون حقوقهم وتكفل مشاركتهم في إدارة شؤونهم العامة. فالتنوع في الأفكار والانتماءات والاتجاهات السياسية حقيقة طبيعية في المجتمعات، وتكمن قوة الأوطان في قدرتها على إدارة هذا التنوع بالحوار والاحترام المتبادل، وتحويل الاختلاف إلى مصدر للإثراء والتطور، بدلًا من أن يصبح سببًا للصراع والانقسام.

إن رفض الآخر بسبب اختلافه في الرأي أو الفكر أو الانتماء يفتح أبواب الإقصاء والتعصب، ويحوّل التباين الطبيعي بين الناس إلى خصومة تهدد السلم الاجتماعي وتعرقل فرص الاستقرار. فقبول الآخر لا يعني التخلي عن المبادئ والقناعات، ولا يقتضي الاتفاق على جميع المواقف، بل يعني الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف والتعبير عن آرائهم والمشاركة في الحياة العامة، في إطار القانون واحترام الحقوق والحريات.

ومن هنا تبرز أهمية الديمقراطية والتعددية السياسية في تنظيم الحياة العامة؛ فالديمقراطية تضمن حق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبة من يتولى السلطة، بينما تتيح التعددية السياسية تداول الأفكار والبرامج، وتكفل للقوى السياسية المختلفة حق المشاركة السلمية والتنافس على أساس البرامج والرؤى. وبهذا يصبح الاختلاف وسيلة للإصلاح والتغيير، ويغدو الاحتكام إلى إرادة الشعب بديلًا عن فرض الإرادة بالقوة أو الاستئثار بالسلطة.

ولا يتحقق الأمن الحقيقي بإسكات الأصوات المخالفة أو احتكار القرار أو إقصاء القوى المختلفة، بل بإقامة العدل، وحماية الحقوق، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وبناء مؤسسات تحتكم إلى القانون وتخضع للمساءلة. فالأمن الذي يقوم على القهر يظل مهددًا بالاضطراب، أما الاستقرار القائم على العدالة والرضا المجتمعي واحترام إرادة المواطنين، فيمنح المجتمع قدرة أكبر على مواجهة التحديات وصون السلم الأهلي.

وفي اليمن، تزداد أهمية التعايش وقبول الآخر في ظل سنوات الصراع والانقسام وما خلّفته من معاناة إنسانية واجتماعية وسياسية. ويتطلب تجاوز هذه المرحلة ترسيخ ثقافة الحوار، ونبذ الإقصاء، والابتعاد عن منطق الغلبة، والعمل على بناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، والديمقراطية، والتعددية السياسية، واحترام الحقوق والحريات. فمستقبل اليمن يتوقف على قدرة أبنائه على إدارة اختلافاتهم بالوسائل السلمية، والاتفاق على قواعد وطنية تضمن للجميع حق المشاركة وتحفظ كرامة المواطن دون تمييز.

إن تحويل الاختلاف السياسي والفكري إلى عداوة دائمة يبدد فرص التفاهم، ويعمّق الانقسامات، ويجعل المصالح العامة رهينة للصراعات. أما الاعتراف المتبادل بالحقوق، واحترام التعدد، والالتزام بالحوار، فتفتح الطريق أمام التوافق على القضايا الوطنية، وتمنح العمل السياسي معناه بوصفه وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق تطلعاته، لا أداة للهيمنة والإقصاء.

فمن لا يقبل بالآخر لا يستطيع أن يؤسس أمنًا مستدامًا أو سلامًا راسخًا. فالأوطان لا تُبنى بإقصاء أبنائها، ولا تستقر باحتكار السلطة، وإنما تنهض بمشاركة مواطنيها على قدم المساواة، وباحترام حقهم في الاختلاف والتعبير والاختيار. والتعايش ليس تنازلًا عن المبادئ، بل اعتراف بحق الآخرين في الوجود والمشاركة؛ والديمقراطية ليست شعارًا، بل ممارسة تحترم إرادة الشعب؛ والتعددية السياسية ليست تهديدًا للوطن، بل ضمانة لتنوعه وتماسكه. بذلك يصبح الاختلاف قوةً للمجتمع، والتعايش أساسًا للاستقرار، والسلام أفقًا مشتركًا لجميع أبنائه.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img