«صحيفة الثوري» – (رأي):
عبدالعالم عبدالجليل
يحمل شهر أكتوبر في الذاكرة الوطنية اليمنية دلالات تاريخية ونضالية عميقة، تتجسد في مناسبتين بارزتين؛ ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان ضد الاستعمار البريطاني، وذكرى تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني في الثالث عشر من أكتوبر عام 1978. وبين هاتين المحطتين تتصل حلقات من تاريخ النضال الوطني اليمني، من مقاومة الاستعمار وتحقيق الاستقلال إلى توحيد الكيانات السياسية ومواصلة العمل من أجل بناء الدولة وتحقيق تطلعات الشعب إلى الحرية والكرامة والتقدم.
اندلعت ثورة الرابع عشر من أكتوبر في مواجهة الإمبراطورية البريطانية، التي اشتهرت بوصفها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بعد أكثر من قرن وربع القرن من الاحتلال البريطاني لعدن، الذي بدأ عام 1839 وانتهى بالاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967. وخلال تلك المرحلة، اعتمد الاستعمار سياسة «فرّق تسد»، وعمل على تكريس التجزئة السياسية في الجنوب، الذي توزّع على أكثر من 23 كيانًا سياسيًا من سلطنات ومشيخات وإمارات، بما يخدم مصالحه ويعزز نفوذه ويحول دون تشكّل إرادة وطنية موحدة قادرة على إنهاء هيمنته.
وفي مواجهة هذا الواقع، فجّر اليمنيون ثورتهم بإرادة صلبة وتضحيات جسيمة، متحدين قوة استعمارية كبرى، ومؤمنين بحق شعبهم في الحرية وتقرير المصير. وقد اضطلعت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل بدور محوري في قيادة الكفاح المسلح وتنظيم النضال الوطني ضد الاستعمار، مستندة إلى تضحيات المناضلين وإرادة الجماهير وتطلعاتها إلى الاستقلال. وكانت الثورة شاهدًا على قدرة الشعوب على مواجهة الهيمنة مهما بلغت قوة الخصم، حتى تُوّج الكفاح الوطني بالاستقلال في الثلاثين من نوفمبر عام 1967، في انتصار شهد له العدو قبل الصديق، وعكس شجاعة الثوار وعدالة قضيتهم وصلابة إرادتهم.
لم تكن ثورة أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية مع الاستعمار، بل كانت تعبيرًا عن إرادة شعب رفض الهيمنة والتجزئة، وتطلع إلى التحرر وبناء وطن يمتلك قراره ويصون كرامة أبنائه. ومن هنا، فإن استحضار هذه الثورة يستدعي استحضار الدور التاريخي للجبهة القومية التي قادت الكفاح المسلح وأسهمت في تحقيق الاستقلال، ومهّدت تجربتها النضالية والسياسية الطريق أمام تحولات لاحقة في مسيرة الحركة الوطنية وبناء الدولة.
وفي الثالث عشر من أكتوبر عام 1978، تأسس الحزب الاشتراكي اليمني، في محطة مهمة من تطور الحركة الوطنية والسياسية اليمنية. ولم يكن الحزب كيانًا سياسيًا أوجدته الدولة أو ولد من رحم السلطة، بل جاء ثمرة مسار طويل من النضال والتطور الفكري والتنظيمي، تعود جذوره إلى حركة القوميين العرب في خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بتجربة الجبهة القومية وما ارتبط بها من كفاح مسلح ومقاومة للاستعمار، وصولًا إلى توحيد فصائل وتكوينات وطنية وسياسية في إطار تنظيمي جامع حمل اسم الحزب الاشتراكي اليمني.
وبهذا المعنى، يمثّل الحزب الاشتراكي اليمني امتدادًا سياسيًا وتنظيميًا لتراث الجبهة القومية ومسيرتها النضالية، وما تحمله تلك المسيرة من تضحيات في سبيل التحرر الوطني والاستقلال. وقد جاء تأسيسه في سياق تطور الحركة السياسية في جنوب اليمن، وما شهدته من تحولات في الرؤى والتنظيمات والمشروعات الاجتماعية والسياسية. ومن ثم، فإن فهم نشأة الحزب يقتضي النظر إلى جذوره التاريخية والنضالية، لا الاكتفاء بتاريخ تأسيسه الرسمي.
وامتد أثر هذا المسار الوطني إلى مرحلة توحيد السلطنات والمشيخات والإمارات التي كان الجنوب موزعًا بينها خلال الحقبة الاستعمارية، وإقامة جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي عُرفت لاحقًا باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بوصفها كيانًا سياسيًا موحدًا. وقد مثّل ذلك تحولًا تاريخيًا من واقع التجزئة السياسية إلى قيام دولة واحدة، ارتبط بنضال التحرر الوطني وما أعقبه من جهود لبناء مؤسسات الدولة وتوحيد الكيان السياسي للجنوب.
وهنا تتضح الصلة بين أكتوبر الثورة وأكتوبر الحزب؛ فثورة الرابع عشر من أكتوبر جسّدت إرادة التحرر ومقاومة الاستعمار، والجبهة القومية قادت الكفاح المسلح وأسهمت في تحقيق الاستقلال، ثم جاء تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني امتدادًا لمسار الحركة الوطنية وتطورها التنظيمي والسياسي. إنها محطات متتابعة في تاريخ اليمن، لكل منها سياقها وخصوصيتها، لكنها تلتقي في مسيرة النضال من أجل التحرر والاستقلال وتوحيد الكيان السياسي وبناء الدولة.
إن الوفاء للشهداء لا يكتمل باستحضار أسمائهم وتضحياتهم وحدها، بل يتجسد في صون القيم التي ناضلوا من أجلها، وتجديد الالتزام بالحرية والعدالة والمساواة، والدفاع عن الحقوق والحريات العامة، والعمل من أجل بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية، وتحترم المواطنة المتساوية وسيادة القانون. كما يتطلب الوفاء للتجارب الوطنية قراءة تاريخها بوعي ومسؤولية، واستخلاص دروسها، ومراجعة مساراتها، والاستفادة من نجاحاتها وإخفاقاتها بما يعزز القدرة على مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
ويعيش اليمن اليوم مرحلة بالغة الصعوبة في ظل الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية، وما خلّفته سنوات الصراع من معاناة إنسانية وخسائر واسعة وتراجع في فرص الحياة الكريمة. وفي هذا الواقع، تكتسب ذكرى أكتوبر أهمية تتجاوز الاحتفاء بالماضي، لتصبح مناسبة لتجديد الالتزام بقضايا الوطن والمواطن، والتمسك بالأمل في إنهاء الحرب، والعمل من أجل بناء دولة مدنية حديثة تتسع لجميع اليمنيين، وتصون حقوقهم وحرياتهم، وتضمن مشاركتهم في الحياة العامة دون تمييز أو إقصاء.
إننا ما زلنا متمسكين بهذا الحلم الوطني، رغم الانكسارات والانتكاسات وقسوة الظروف، ومؤمنين بأن بناء الدولة المدنية الحديثة ضرورة وطنية للخروج من دوامة الصراع والانقسام. دولة يكون الشعب فيها صاحب السلطة ومصدرها، وتُحترم إرادته، وتُحسم المنافسة السياسية عبر صناديق الاقتراع، وتُصان فيها الديمقراطية والتعددية السياسية، ويخضع الجميع للقانون، وتكون السلطة مسؤولية لخدمة المواطنين، لا وسيلة للهيمنة عليهم.
إن الدولة التي ننشدها ليست امتيازًا لفئة، ولا مشروعًا يحتكر الوطن باسم حزب أو جماعة، بل إطار وطني جامع لجميع اليمنيين على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، يقوم على المواطنة المتساوية، ويحترم التنوع، ويكفل الحقوق والحريات، ويتيح التداول السلمي للسلطة. فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالهيمنة، وإنما بإرادة المواطنين ومشاركتهم، وبحياة سياسية تعددية تتيح التنافس السلمي وتداول المسؤولية على أساس الإرادة الشعبية.
وتفرض ذكرى أكتوبر على القوى السياسية مسؤولية تجديد دورها الوطني، والاقتراب من هموم المواطنين وتطلعاتهم، وتقديم رؤى واقعية لمعالجة الأزمات، وتعزيز العمل السياسي السلمي في مواجهة العنف والانقسام. فالتاريخ يمنح التجارب رصيدها، لكن الحاضر هو الميدان الذي تُختبر فيه المبادئ، وتظهر فيه قدرة القوى السياسية على تحويل شعاراتها إلى مواقف وممارسات وبرامج تستجيب لاحتياجات المجتمع وتطلعاته.
ستظل ثورة الرابع عشر من أكتوبر مصدر إلهام للأحرار والأجيال المتعاقبة، بما جسّدته من إرادة للتحرر ومقاومة الاستعمار، وستظل ذكرى تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني مناسبة لاستحضار تجربة سياسية وطنية، والوفاء لجذورها النضالية الممتدة من حركة القوميين العرب إلى الجبهة القومية ثم إلى الحزب الاشتراكي اليمني. وبين الذكريين تتجدد المسؤولية الوطنية في تحويل دروس الماضي إلى عمل في الحاضر، وتوجيه الجهود نحو إنهاء الحرب وبناء الدولة وصون كرامة الإنسان اليمني وحقوقه.
وفي هذه المناسبة، تحية إجلال وإكبار لشهداء ثورة الرابع عشر من أكتوبر، ولمناضلي الجبهة القومية الذين خاضوا الكفاح المسلح وواجهوا الاستعمار بإرادة لا تلين، ولشهداء الحزب الاشتراكي اليمني ومناضليه وكوادره وأعضائه وأنصاره، ولكل الرفاق الذين ظلوا متمسكين بمبادئهم رغم الانكسارات والانتكاسات والظروف الصعبة التي مر بها الحزب والوطن، ولكل من لا يزال يؤمن بأن اليمن يستحق مستقبلًا أفضل، وأن الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه أي مشروع وطني جاد.
إن الوفاء لأكتوبر الثورة وأكتوبر الحزب لا يكون باستعادة الذكريات وحدها، بل بصون معانيها وتجديد رسالتها، والعمل من أجل وطن حر، ودولة مدنية حديثة تقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية، ومجتمع تتوافر فيه العدالة والمساواة، ويعيش أبناؤه بأمن وكرامة، بعيدًا عن الاستبداد والعنف والإقصاء.
كل عام وأنتم أحرار، وكل عام وأنتم بخير وعزة وكرامة، وكل عام واليمنيون أكثر تمسكًا بحلم بناء الدولة المدنية الحديثة، وأكثر إيمانًا بحقهم في وطن يتسع لجميع أبنائه.


