آخر الأخبار

spot_img

وطن جريح ومسؤولية لا تسقط

صحيفة الثوري – (رأي)

عبدالعالم عبدالجليل 

إن لنا وطناً جريحاً، بل ومغدوراً به من بعض أبنائه؛ وطناً مستلباً ومنكوباً، أنهكته الحرب، وأثقلته صراعات القوى وسلطات الأمر الواقع، وتنازعته مشاريع ومصالح تتجاوز في كثير من الأحيان مصلحة الإنسان والوطن.

منذ اندلاع الحرب، واليمنيون يدفعون أثماناً باهظة من حياتهم وأمنهم ومعيشتهم ومستقبل أبنائهم. ومع امتداد الصراع، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى واقع يطال المجتمع والاقتصاد والتعليم والخدمات والنسيج الاجتماعي، ويعمّق الانقسام ويؤجل بناء الدولة والمؤسسات التي ينشدها اليمنيون.

إن خصوم الأوطان لا يعتمدون على القوة وحدها؛ فالمكر السياسي، وتوظيف الخلافات، وصناعة التضليل، واستثمار الانقسام، كلها أدوات قادرة على إنهاك مجتمع كامل وإبقائه في دائرة الصراع. وقد تكون أخطر لحظات الحرب تلك التي يفقد فيها المجتمع قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصلحة الوطنية والحسابات الضيقة.

وإذا كان لأعداء الوطن خصوماً محترفين، بل منحرفين، وضليعين في الكذب والمكر والخديعة، فإن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما يجدون أمامهم مجتمعاً غافلاً، أو متبلداً، أو مستعداً لتصديق ما يُلقى إليه دون تمحيص. فالمعلومة في زمن الحرب ليست تفصيلاً هامشياً؛ إنها جزء من الصراع، والوعي ليس ترفاً، بل ضرورة لحماية المجتمع من التضليل والاستغلال.

لكن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي أيضاً أن نعترف بأن أخطار الوطن لا تأتي كلها من الخارج. فالحرب تطول عندما يجد الانقسام بيئة حاضنة، وعندما تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات مفتوحة، وعندما يصبح الولاء للأشخاص والجماعات أقوى من الولاء للوطن، وعندما يُستبدل التفكير بالمواقف الجاهزة، ويصبح التعصب عائقاً أمام رؤية الحقيقة.

واليمن اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الصراع، بل إلى الخروج من دوائره وبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات، وتحمي الحقوق والحريات، وتستند إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، بحيث تكون السلطة خادمة للمواطن لا متسلطة عليه، ويكون الشعب صاحب السلطة ومصدرها.

إن إنهاء الحرب لا يعني فقط توقف أصوات السلاح، وإنما يعني أيضاً معالجة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة ومستمرة، وإعادة بناء الحياة السياسية والاجتماعية على أسس وطنية، وإغلاق الطريق أمام تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراع والنفوذ.

لقد دفع اليمنيون ثمناً ثقيلاً، ولا يزالون يدفعون. وكلما طال أمد الحرب، اتسعت الفجوة بين ما يعيشه الناس وما يستحقونه، وأصبح المستقبل نفسه ضحية لصراع لم يعد مقبولاً أن يستمر بمنطق الأمر الواقع.

ومن هنا، فإن استعادة الوعي تسبق كثيراً من الخطوات الأخرى. فالوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، ولا تُبنى الأوطان بالشعارات، وإنما بوعي المواطنين، وبقدرتهم على إدراك مصالحهم الحقيقية، ورفض تحويلهم إلى وقود لصراعات لا تنتهي.

التاريخ لا يحاسب الشعوب على ما تعرضت له فقط، بل يحاسبها أيضاً على مواقفها وهي تدرك الخطر، وعلى ما سكتت عنه، وعلى الفرص التي أضاعتها، وعلى الأخطاء التي أصرت على تكرارها.

وسيحاسبنا التاريخ إذا ظللنا أسرى الغفلة والتبلد والتيه، فيما وطننا ينزف، وحربه تطول، ومستقبله يتآكل.

وعلى الشعب بأكمله أن يستشعر حجم الخطر، وأن يقف صفاً واحداً في مواجهة كل من يهدد بلده ويعبث بأمنه ومستقبله، وأن يتجاوز خلافاته وانقساماته، ويجعل المصلحة الوطنية العليا فوق كل الحسابات الضيقة.

لكن التاريخ لم يُكتب بعد في صفحته الأخيرة.

ولا يزال أمام اليمنيين ما يمكن فعله: أن يستعيدوا وعيهم، وأن يجعلوا الوطن فوق الجماعة، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وأن يفتحوا الطريق أمام إنهاء الحرب وبناء الدولة الديمقراطية التعددية، دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.

فالوطن الجريح لا يحتاج إلى مزيد من المتفرجين، وإنما يحتاج إلى وعي يرفض الخديعة، وعقل يميز بين الحقيقة والوهم، وإرادة وطنية تدرك أن استمرار الحرب ليس قدراً أبدياً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن يعيش الحرب أن يُستلب وعي أبنائه قبل أن تُستلب أرضه؛ ولذلك فإن معركة الوعي اليوم ليست أقل أهمية من معركة إنهاء الحرب، لأن بناء المستقبل يبدأ من إنسان يعرف وطنه، ويدرك مصالحه، ويرفض أن يكون أداة في صراع الآخرين.

فإذا استعاد اليمنيون وعيهم، امتلكوا القدرة على كسر دوائر الحرب، وفتح الطريق أمام وطن يستعيد عافيته، ودولة تُبنى بإرادة أبنائها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img