آخر الأخبار

spot_img

الطب بين قداسة العلم وسلطة السوق.. (من السؤال العالمي إلى الواقع اليمني)

“صحيفة الثوري” – (تحليلات):

د. طارق عبدالرشيد

ليس ثمة ما يدعو إلى الخصومة مع الطب الحديث أو التقليل من منجزاته الكبرى؛ فالطب القائم على المنهج العلمي والتجربة والدليل واحد من أعظم ما أنجزته البشرية. وقد نجح خلال القرنين الماضيين في السيطرة على أمراض وأوبئة كانت تحصد الملايين، وطوّر اللقاحات والأدوية ووسائل التشخيص والجراحة والعناية المركزة، وأسهم بصورة جوهرية في خفض معدلات الوفيات، ورفع متوسط العمر، وتحسين نوعية الحياة.

لكن الاعتراف بهذه المنجزات لا ينبغي أن يقود إلى نتيجة أخرى، أقل علمية، هي منح المنظومة الطبية حصانة مطلقة من النقد؛ فالطب علم، والعلم لا تكتمل قيمته إلا بقدرته على مراجعة ذاته، وفحص ممارساته، والكشف عن مواطن الخلل فيها، والنظر كذلك في البيئة الاقتصادية والمؤسسية التي تتحرك داخلها المعرفة الطبية.

ومن هنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا.

من الطب بوصفه رسالة إلى الصحة بوصفها قطاعًا اقتصاديًا

شهد العالم، خصوصًا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تحولًا عميقًا في بنية الاقتصاد العالمي. فقد انتقلت الرأسمالية تدريجيًا من صورتها الصناعية التقليدية إلى مرحلة أكثر اندماجًا وعولمة، أصبحت فيها الشركات الكبرى عابرة للحدود، وتزايدت حركة رؤوس الأموال، واتسعت الأسواق، وأصبحت المعرفة والتكنولوجيا والملكية الفكرية أصولًا اقتصادية ذات قيمة هائلة.

وفي هذا السياق، لم يعد القطاع الصحي مجرد مجال خدمي تابع للدولة أو للمؤسسات الاجتماعية، بل أصبح أحد المكونات الكبرى للاقتصاد العالمي؛ تتداخل فيه صناعة الدواء، والتأمين الصحي، والمستشفيات، والمختبرات، والأجهزة الطبية، والبحث العلمي، والجامعات، وسلاسل التوزيع والتسويق.

وهنا لا تكمن المشكلة في وجود الربح بحد ذاته؛ فالربح يمكن أن يكون حافزًا للاستثمار والابتكار وتطوير الأدوية والتقنيات الطبية. وإنما تكمن المسألة في السؤال الأعمق:

ماذا يحدث عندما يصبح رأس المال قادرًا على التأثير في أولويات قطاع يفترض أن تكون غايته الأولى حماية صحة الإنسان؟

فالرأسمالية المعولمة لا تحتاج بالضرورة إلى تدخل مباشر في كل مؤسسة أو قرار حتى تمارس تأثيرها؛ إذ تكفي أحيانًا بنية الحوافز الاقتصادية لكي توجه الموارد تلقائيًا نحو المجالات الأكثر ربحية، وتمنح بعض الأبحاث والمنتجات والأفكار فرصًا أكبر من غيرها.

وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل تتساوى أولوية البحث عن علاج جذري للمرض مع أولوية تطوير علاج مستمر يحقق عائدًا مستدامًا؟ وهل تحظى الوقاية من المرض بالاستثمار نفسه الذي تحظى به صناعة علاجه؟ وهل يكون البحث العلمي مدفوعًا دائمًا بالحاجة الصحية، أم تتداخل معه قابلية النتائج للتحول إلى منتجات وأسواق؟

هذه ليست أسئلة ضد الطب، وإنما أسئلة عن اقتصاديات الطب.

حين يدخل رأس المال إلى إنتاج المعرفة

من أخطر التحولات التي صاحبت الرأسمالية المعولمة انتقال رأس المال من الاستثمار في الإنتاج المادي وحده إلى الاستثمار في المعرفة ذاتها.

والطب في قلب هذا التحول.

فالبحث الطبي الحديث يحتاج إلى تمويل ضخم، والتجارب السريرية باهظة التكلفة، وتطوير الأدوية يستغرق سنوات، وبراءات الاختراع تمنح أصحابها حقوقًا احتكارية لفترات محددة. ومن الطبيعي، في ظل هذه البيئة، أن تصبح الشركات الكبرى شريكًا رئيسيًا في تمويل البحث والتطوير.

لكن الشراكة بين رأس المال والعلم، على أهميتها، تخلق سؤالًا لا يجوز تجاهله: هل يؤثر مصدر التمويل في اتجاه البحث؟

ليس بالضرورة أن يحدث ذلك عبر تدخل مباشر أو توجيه صريح؛ فقد يحدث بطريقة أكثر هدوءًا، من خلال تحديد المجالات التي تتوافر لها فرص التمويل، والأبحاث التي يمكن أن تتحول نتائجها إلى منتجات، والأمراض التي تمثل أسواقًا واسعة، والتقنيات التي يمكن حمايتها بالملكية الفكرية.

وبذلك قد لا يكون رأس المال هو الذي يكتب البحث العلمي، لكنه يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يؤثر في ما الذي يستحق أن يُبحث.

وهذه مسألة تختلف جذريًا عن القول إن هناك مؤامرة تدير الطب العالمي.

من «نظرية المؤامرة» إلى نظرية الحوافز

ليس من المنهج العلمي أن نقول إن شركات الدواء تصنع الأمراض عمدًا ثم تبيع علاجها؛ فهذا ادعاء بالغ الخطورة يحتاج إلى أدلة استثنائية، ولا يجوز تحويله إلى حقيقة لمجرد اتساقه ظاهريًا مع بعض المصالح الاقتصادية.

لكن رفض هذه الفرضية لا يعني رفض السؤال الاقتصادي.

فثمة فرق كبير بين أن نقول إن هناك جهة تتآمر لتصنيع المرض، وبين أن نقول إن النظام الاقتصادي قد ينتج حوافز تجعل استمرار العلاج أكثر قابلية للاستثمار من الوقاية، وتجعل إدارة المرض أكثر ربحية من إزالة بعض أسبابه البنيوية.

والثاني لا يحتاج إلى مؤامرة.

يكفي أن يكون هناك سوق، ومستثمر، ورأس مال يبحث عن العائد.

فهذه إحدى آليات الرأسمالية: ليس من الضروري أن يتفق جميع الفاعلين على نتيجة معينة حتى تنتجها السوق؛ فقد تدفعهم حوافزهم الفردية، كل من موقعه، إلى الاتجاه نفسه.

من الانتصار على الأوبئة إلى اقتصاد الأمراض المزمنة

وهنا ينبغي التمييز بين مرحلتين تاريخيتين.

لقد حقق الطب، في مراحل مبكرة من تطوره الحديث، انتصارات عظيمة على أمراض معدية وأوبئة كانت ترفع الوفيات بصورة هائلة. وكان تطوير اللقاحات وبرامج التحصين والصحة العامة والمياه النظيفة ومكافحة الأوبئة من أعظم الإنجازات الإنسانية في التاريخ الحديث.

ويظل القضاء على الجدري مثالًا بالغ الدلالة؛ إذ أثبت أن العلم، حين تتقدم فيه المصلحة الصحية العامة، قادر على القضاء على مرض كان من أشد فتكًا بالبشر.

لكن المشهد الصحي العالمي تغير بصورة كبيرة في العقود اللاحقة؛ إذ أصبح العبء الأكبر من المرض مرتبطًا بدرجة متزايدة بالأمراض غير المعدية والمزمنة، مثل أمراض القلب والسكري والسمنة وبعض أنواع السرطان وأمراض الجهاز التنفسي.

وهذه الأمراض لا يمكن اختزالها في العامل الدوائي، ولا يجوز تفسيرها بمنطق المؤامرة؛ فهي نتاج شبكة شديدة التعقيد من العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية والاقتصادية والاجتماعية.

لكن هذه الشبكة نفسها تفتح بابًا مهمًا للنقاش الاقتصادي.

فأنماط الغذاء والاستهلاك، وأساليب الحياة، والتسويق التجاري، والبيئة الحضرية، ومستوى النشاط البدني، كلها عوامل تتأثر بدرجات مختلفة ببنية الاقتصاد الحديث.

ومن هنا يظهر السؤال:

هل نعالج المرض فقط بعد وقوعه، أم نبحث أيضًا في النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يسهم في إنتاج بيئة تزيد احتمالات وقوعه؟

إن هذا السؤال لا يضع صناعة الدواء في قفص الاتهام، لكنه يضع المنظومة الاقتصادية بأكملها أمام مسؤوليتها.

الرأسمالية المعولمة واقتصاد الصحة

لقد جعلت العولمة من السوق الصحية سوقًا عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة. فالدواء يُكتشف في دولة، ويُموّل بحثه في دولة أخرى، وتُسجل براءة اختراعه في منظومة دولية، ويُنتج في بلد ثالث، ويسوّق على نطاق عالمي، بينما يدفع ثمنه في النهاية المريض.

وهكذا أصبح المريض جزءًا من سلسلة اقتصادية عابرة للحدود.

وهذه السلسلة يمكن أن تنتج فوائد هائلة: نقل التكنولوجيا، وتوسيع الوصول إلى الأدوية، وتسريع الابتكار، وتمويل أبحاث لم تكن لتتم لولا استثمارات القطاع الخاص.

لكنها في الوقت ذاته تجعل الصحة معرضة بصورة أكبر لمنطق السوق العالمي.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «المحددات التجارية للصحة»؛ أي دراسة الكيفية التي تؤثر بها الأنشطة التجارية والسياسات الاقتصادية والتسويقية في السلوك الصحي وفي توزيع المخاطر الصحية.

فالسؤال لم يعد فقط: من يعالج المريض؟

بل أيضًا: من يؤثر في البيئة التي جعلت المريض مريضًا؟ ومن يحدد أولويات البحث؟ ومن يملك المعرفة؟ ومن يملك السوق؟

الجامعة ليست خارج المعادلة

وإذا كان رأس المال قد أصبح طرفًا رئيسيًا في البحث الطبي، فإن الجامعة لا يمكن أن تبقى خارج هذا التحول.

فالجامعة الحديثة تحتاج إلى تمويل، والبحث العلمي يحتاج إلى مختبرات وتجارب ومعدات، وهذه كلها تحتاج إلى موارد. ومع تزايد الاعتماد على التمويل الخاص، يصبح من المشروع البحث في طبيعة العلاقة بين الجامعات والشركات، وفي الحدود التي ينبغي أن تفصل بين التعاون العلمي المشروع والتأثير في استقلالية البحث والتعليم.

لا يعني ذلك أن الجامعات تحولت إلى أدوات للشركات، ولا أن الباحثين فقدوا استقلالهم؛ فمثل هذا التعميم غير علمي.

لكن السؤال المؤسسي يبقى قائمًا:

من يحدد أجندة البحث عندما يصبح جزء مهم من تمويله مرتبطًا بجهات لها مصالح اقتصادية مباشرة؟

وهذا سؤال ينبغي أن يُطرح لا على الجامعات وحدها، وإنما على النظام العلمي كله.

التسويق الدوائي: حين يصبح العلم جزءًا من السوق

ومن أبرز التحولات التي رافقت نمو صناعة الدواء، اتساع منظومة التسويق والترويج الطبي.

فالشركة لا تكتفي بإنتاج الدواء؛ بل تحتاج إلى تعريف الأطباء به، وإقناع المؤسسات الصحية باستخدامه، والوصول إلى المرضى والمستهلكين، وبناء سوق للمنتج.

وهنا تتقاطع المعرفة الطبية مع أدوات التسويق الحديثة.

ولا يعني ذلك أن كل تسويق دوائي تضليل، ولا أن كل علاقة بين الشركة والطبيب علاقة فاسدة. لكن وجود مصالح مالية مباشرة يجعل الشفافية والإفصاح عن تضارب المصالح ضرورة علمية وأخلاقية، لا ترفًا تنظيميًا.

فالطبيب الذي يتخذ قرارًا علاجيًا يجب أن يستند إلى الدليل الطبي، لا إلى قوة الحملة التسويقية.

والباحث الذي يختار موضوع بحثه يجب أن يكون قادرًا على تبرير اختياره علميًا، لا فقط بقابليته للتحول إلى منتج.

والجامعة التي تدرّس الطب يجب أن تحافظ على استقلالها المعرفي، حتى عندما تتعاون مع القطاع الخاص.

لا نحتاج إلى مؤامرة لكي نحتاج إلى إصلاح

ربما تكون أكثر الأخطاء المنهجية شيوعًا في هذا النقاش هي وضع المسألة بين خيارين فقط:

إما أن نقول إن الطب الحديث منظومة مثالية لا تشوبها شائبة، وإما أن نقول إن الطب مؤامرة كبرى.

والحقيقة أكثر تعقيدًا.

فالطب يمكن أن يكون علمًا عظيمًا، وأن يضم في الوقت نفسه مؤسسات تخضع لضغوط تجارية. ويمكن للطبيب أن يكون مخلصًا لمهنته، وأن يتأثر بصورة غير مباشرة ببيئة تسويقية واسعة. ويمكن للشركة أن تنتج دواءً ينقذ ملايين البشر، وأن يكون هدفها في الوقت ذاته تحقيق الربح.

لا تناقض ضروري بين الأمرين.

المشكلة تبدأ عندما يختل التوازن، ويتحول الربح من وسيلة لتمويل الابتكار إلى معيار لتحديد الأولويات الصحية.

الإنسان أولًا

إن الدفاع الحقيقي عن الطب لا يكون بتحصينه ضد النقد، وإنما بحمايته من كل ما يمكن أن يضعف استقلاله العلمي.

ولا يكون الدفاع عن العلم بإسكات الأسئلة الصعبة، بل بإتاحة المجال لها.

ولا تكون مواجهة الطب الزائف بالعودة إلى الخرافة، وإنما بتقديم طب أكثر شفافية، وأكثر استقلالًا، وأكثر اهتمامًا بالوقاية، وأشد حرصًا على الإفصاح عن تضارب المصالح.

فنحن لا نحتاج إلى العودة إلى الطب البدائي، ولا إلى الارتماء في أحضان الوهم، ولا إلى إنكار الإنجازات الهائلة التي حققها الطب الحديث.

لكننا في الوقت نفسه لا نحتاج إلى تقديس السوق.

فالطب علم، لكنه يعمل داخل اقتصاد.

والدواء علاج، لكنه أصبح أيضًا سلعة.

والجامعة مؤسسة معرفة، لكنها تعمل داخل منظومة تمويل.

والشركة قد تكون شريكًا في إنقاذ حياة الإنسان، لكنها تظل شركة تبحث عن الربح.

ومن هنا تحديدًا يجب أن يبدأ النقاش.

ليس السؤال: هل الطب علم أم تجارة؟

بل السؤال الأكثر نضجًا هو:

كيف نضمن ألا تتحول التجارة إلى قوة تحدد اتجاه العلم، وألا يتحول المرض إلى مجرد سوق، وألا يصبح الإنسان في النهاية مجرد مستهلك داخل منظومة صحية عالمية هائلة؟

من السؤال العالمي إلى الواقع اليمني

ولعل أهمية هذا النقاش لا تتوقف عند حدوده النظرية؛ إذ تكتسب المسألة في بلدان العالم الثالث، ومنها اليمن، بعدًا أكثر إلحاحًا في ظل ضعف مؤسسات الرقابة، واتساع السوق الصحية والدوائية، ومحدودية قدرة المواطن على التحقق والاختيار.

وفي اليمن، حيث تستشري الأمراض المزمنة والمكلفة، وتتكرر الحاجة إلى العلاج والفحوصات والأدوية، تُستنزف موارد معتبرة من الأسر والمجتمع في الإنفاق الصحي، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف في سوق تتداخل فيها المصالح التجارية والخدمات الطبية والإعلانات ومصادر المعلومات المختلفة.

ومن هنا لا تبدو الحاجة إلى هذا النقاش ترفًا فكريًا، ولا دعوة إلى التشكيك في الطب أو العاملين فيه، وإنما محاولة لفهم جانب من واقع صحي واقتصادي يمس حياة الناس مباشرة. فالمطلوب ليس أكثر من بيئة صحية يكون فيها الدليل العلمي فوق الدعاية، والشفافية فوق تضارب المصالح، والرقابة فوق نفوذ السوق، والوقاية جزءًا أصيلًا من السياسة الصحية.

ولذلك فإن طرح هذه القضية في الفضاء الإعلامي اليمني ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة لأشخاص أو مؤسسات، وإنما إلى نقاش عام حول سؤال أكثر جوهرية:

من يحمي صحة المواطن عندما تصبح الصحة سوقًا، ويصبح المرض عبئًا اقتصاديًا مستدامًا، بينما تظل أدوات الرقابة أضعف من حجم السوق؟

إن طرح هذا السؤال ليس دعوة إلى الخصومة مع الطب، وإنما دفاع عنه؛ لأن الطب لا يستعيد ثقة الناس بالتقديس، وإنما بالعلم المستقل، والدليل القابل للتحقق، والرقابة الفاعلة، والشفافية.

فإذا كانت الرأسمالية قد جعلت من الصحة قطاعًا اقتصاديًا عالميًا، فإن مسؤولية الدولة والمجتمع أن يضمنا ألا يصبح المرض نفسه سوقًا للربح، وأن يبقى الإنسان، في نهاية هذه المعادلة، غايتها لا سلعتها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img