“صحيفة الثوري” – (رأي):
د. طارق عبدالرشيد *
من بين الأفكار التي استوقفتني قبل نحو عقدين من الزمن، خلال متابعتي للحوارات الفكرية والسياسية التي أجراها الإعلامي محمد كريشان مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، تلك الفكرة التي تبدو اليوم أكثر حضوراً وواقعية من أي وقت مضى، ومفادها أن القوى الكبرى لا تنظر إلى استقرار جوارها الجغرافي باعتباره مسألة أخلاقية أو سياسية مجردة، بل باعتباره مصلحة استراتيجية عليا تتصل مباشرة بأمنها واستقرارها وازدهارها الاقتصادي.
لقد أدركت أوروبا، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أن إعادة بناء السلام والازدهار داخل حدودها لا يمكن أن تتحقق بصورة مستدامة إذا كانت البيئات الجغرافية المحيطة بها تعيش حالة من الفوضى والاضطراب المزمن. ومن هنا، تشكلت تدريجياً قناعة استراتيجية مفادها أن أمن أوروبا لا يبدأ من حدودها السياسية، بل من استقرار فضائها الجيوسياسي المحيط، وفي مقدمته المجال العربي الممتد من شرق المتوسط إلى شمال أفريقيا.
غير أن اختزال هذه الرؤية في بعدها الأمني وحده يفضي إلى قراءة قاصرة. فالدول الكبرى، وفي مقدمتها الدول الأوروبية، لم تكن تنظر إلى استقرار المجال العربي باعتباره ضرورة أمنية فحسب، بل باعتباره أيضاً شرطاً أساسياً لاستقرارها الاقتصادي. ذلك أن الاقتصاد الحديث، بخلاف الاقتصادات التقليدية، يقوم على استقرار الأسواق، وأمن سلاسل الإمداد، واستدامة تدفقات الطاقة، وسلامة طرق التجارة، وضمان بيئات استثمارية قابلة للتنبؤ.
ولذلك، فإن أي اضطراب سياسي أو أمني في المجال العربي، وخاصة في المناطق المتاخمة لأوروبا، لا يُنتج أزمة إقليمية فحسب، بل ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة، وأنماط الاستثمار، والاستقرار الاجتماعي داخل الدول الصناعية الكبرى نفسها.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية، بدءاً من أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالتحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، ووصولاً إلى تداعيات الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، أن تكلفة عدم الاستقرار أصبحت أعلى بكثير من تكلفة الاستثمار في الاستقرار ذاته. فالهجرة غير النظامية، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الطاقة، واتساع رقعة الصراعات، ليست سوى تعبيرات مختلفة عن حقيقة واحدة: أن الفوضى في الأطراف تتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى أزمة في المراكز.
ومن هذا المنظور، يمكن إعادة قراءة كثير من السياسات الغربية تجاه المنطقة العربية، ليس فقط باعتبارها سياسات نفوذ أو تنافس جيوسياسي، وإنما أيضاً باعتبارها محاولات لإدارة المجال الاقتصادي الحيوي الذي تعتمد عليه الاقتصادات الكبرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالعالم المعاصر لم يعد يسمح بالفصل بين الأمن والاقتصاد؛ إذ أصبح الاستقرار السياسي شرطاً للاستقرار الاقتصادي، وأصبح الاستقرار الاقتصادي بدوره أحد أهم شروط الأمن والاستقرار السياسي.
وفي ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة، وما يشهده العالم من تنافس متصاعد على الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والأسواق، يبدو أن النظام الدولي يتجه، بصورة تدريجية، من سياسات إدارة الفوضى إلى سياسات إدارة الاستقرار؛ ليس لأن القوى الكبرى أصبحت أقل سعياً إلى النفوذ، وإنما لأنها أصبحت أكثر إدراكاً بأن النفوذ المستدام لا يمكن أن يُبنى فوق بيئات منهارة أو اقتصادات متداعية.
ومن هنا، فإن استقرار المجال العربي المحاذي لأوروبا لم يعد يمثل مطلباً عربياً فحسب، ولا حتى ضرورة أمنية أوروبية فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاقتصاد والجغرافيا. ولعل هذه الحقيقة تفسر لماذا باتت التنمية الاقتصادية، وتعزيز المؤسسات، وحماية الممرات التجارية، وضمان أمن الطاقة، تحتل مكانة لا تقل أهمية عن الاعتبارات العسكرية والأمنية التقليدية في الاستراتيجيات الدولية المعاصرة.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم الذي تعلمته القوى الكبرى من تجارب العقود الماضية هو أن الاستقرار لم يعد مجرد نتيجة للقوة، بل أصبح، في ذاته، أحد أهم مصادر القوة.
* نشر المقال بصفحته في الفيسبوك قبل شهر وتحديداً في 2 يوليو 2026م، وتعيد “الثوري” نشره بعد ما شهده يوم أمس الجمعة 31 يوليو من موجة الهجرة الجماعية من المغرب نحو إسبانيا، وهو محاولة لقراءة العلاقة بين استقرار الجوار العربي والمصالح الأمنية والاقتصادية لأوروبا.

