آخر الأخبار

spot_img

أذون الخزانة في اليمن: بين استعادة أدوات السياسة النقدية واختبار نتائجها

“صحيفة الثوري” – (إقتصاد):

د. طارق عبدالرشيد

أعلن البنك المركزي عن طرح أول مزاد تنافسي لأذون خزانة لمدة سنة واحدة، بقيمة ابتدائية تبلغ ثلاثين مليار ريال قابلة للزيادة، وبعائد سنوي لا يتجاوز (20%). وقد تبدو هذه الخطوة، للوهلة الأولى، مجرد وسيلة لتمويل احتياجات الخزانة العامة، غير أن قراءتها في سياق السياسة النقدية قد تقود إلى دلالات أعمق، لا سيما إذا وُضعت في إطار القرارات التي سبقتها، وفي ضوء البيئة النقدية التي تعمل فيها السلطة النقدية.

فالسياسات النقدية لا تُقرأ عادة من خلال قرار منفرد، وإنما من خلال ترابط الأدوات وتسلسلها. ومن هذا المنظور، قد يكون مزاد أذون الخزانة امتداداً لمسار بدأ بقرار البنك المركزي القاضي بتحديد حد أدنى للعائد على الودائع المصرفية بنسبة (18%). فإذا كان القرار الأول قد استهدف استعادة جزء من السيولة المكتنزة خارج الجهاز المصرفي وإعادتها إلى البنوك، فإن القرار الحالي قد يمثل خطوة لاحقة لقياس نتائج تلك السياسة، وفي الوقت ذاته توفير منفذ استثماري للسيولة التي قد تكون عادت إلى الجهاز المصرفي بفعل ارتفاع العائد على الودائع.

ولا يعني ذلك الجزم بأن هذا هو الهدف المباشر أو المعلن للمزاد، وإنما يمثل قراءة تحليلية تبدو أكثر اتساقاً مع تسلسل الأدوات المستخدمة خلال الفترة الأخيرة، ومع منطق السياسة النقدية في الانتقال من مرحلة جذب السيولة إلى مرحلة إعادة توظيفها.

منطق السياسة النقدية… من جمع السيولة إلى توظيفها

عندما تُرفع أسعار الفائدة على الودائع أو يُفرض حد أدنى مرتفع للعائد عليها، فإن تكلفة الأموال بالنسبة للبنوك ترتفع تلقائياً. وإذا نجحت هذه السياسة في جذب ودائع جديدة، فإن البنوك تصبح أمام تحدٍ آخر يتمثل في إعادة توظيف تلك الأموال بعائد يغطي تكلفة الودائع والاحتياطيات القانونية والمصاريف التشغيلية.

وفي ظل محدودية فرص الإقراض بأسعار عالية، أو ارتفاع مخاطر التمويل، يصبح البحث عن أدوات استثمار منخفضة المخاطر أمراً طبيعياً من منظور إدارة السيولة المصرفية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى أذون الخزانة بوصفها أداة توفر للبنوك التقليدية وعاءً استثمارياً آمناً، وفي الوقت نفسه تمنح البنك المركزي فرصة لقياس مدى استجابة السوق لإجراءات السياسة النقدية السابقة.

وبذلك، قد يؤدي المزاد أكثر من وظيفة في آن واحد؛ فهو لا يمثل مجرد أداة للاقتراض الحكومي، وإنما قد يشكل أيضاً أداة لاستطلاع السوق، وقياس أثر السياسة النقدية، وإعادة تفعيل أدواتها تدريجياً.

حجم الإصدار… ماذا يكشف؟

يثير حجم الإصدار المعلن، والبالغ ثلاثين مليار ريال، تساؤلات مشروعة حول الهدف الرئيس من العملية.

فإذا كان المقصود تمويل جانب من الإنفاق العام، فإن هذا الحجم يبدو محدود الأثر مقارنة بالاحتياجات التمويلية المعتادة، لاسيما وأن أجل الاستحقاق البالغ سنة كاملة لا يوحي بوجود احتياج مالي طارئ أو قصير الأجل.

أما إذا كان الهدف امتصاص السيولة، فإن القيمة المعلنة تبدو أيضاً محدودة قياساً بحجم الكتلة النقدية والسيولة المتداولة، بما يجعل قدرتها على إحداث أثر نقدي واسع النطاق أمراً محدوداً من الناحية العملية.

غير أن الصورة تختلف إذا قُرئ القرار باعتباره امتداداً لسياسة بدأت بتحديد الحد الأدنى الإلزامي لسعر الفائدة على الودائع. ففي هذه الحالة قد لا يكون الهدف سحب أكبر قدر ممكن من السيولة، وإنما اختبار استجابة السوق، وقياس حجم الأموال التي أصبحت متاحة داخل الجهاز المصرفي، قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة أو استخدام أدوات إضافية. وعندئذٍ يصبح المزاد أقرب إلى أداة لقياس نتائج السياسة النقدية، أكثر من كونه أداة تستهدف بذاتها إحداث تحول واسع في المؤشرات النقدية.

السوق المصرفية المستهدفة

تظل أذون الخزانة أداة تستهدف بصورة رئيسة البنوك التقليدية، في حين شهد القطاع المصرفي اليمني خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في العمل المصرفي الإسلامي، الذي لا يتعامل بطبيعته مع أدوات الدين القائمة على الفائدة.

وهذا الواقع يضيق تلقائياً قاعدة الطلب المحتملة على الإصدار، ويجعل أثره المباشر محصوراً في شريحة محددة من المؤسسات المصرفية، الأمر الذي قد يحد من قدرته على التأثير في مجمل السوق النقدية، مقارنة بما يمكن أن تحققه أدوات مالية تتسع قاعدة المشاركين فيها.

تحليل المفاضلة… ماذا يكسب البنك المركزي؟ وماذا قد يخسر؟

وهنا تبرز المفاضلة التي تواجه أي سلطة نقدية عند استخدام أدوات العائد المرتفع.

فمن جهة، قد يسهم ارتفاع سعر الفائدة في جذب المدخرات إلى الجهاز المصرفي، واستعادة جزء من السيولة الخارجة عن الدورة المصرفية، وتعزيز قدرة البنوك على تعبئة الموارد المالية، كما يوفر لها وعاءً استثمارياً خالياً من المخاطر وكامل السيولة –وفق القانون– إذا ما أُتيحت أذون الخزانة بعائد مناسب.

لكن من جهة أخرى، فإن ارتفاع الحد الأدنى الإلزامي على الودائع؛ يرفع العائد المرجعي الخالي من المخاطر في الاقتصاد، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة التمويل على القطاع الخاص، وزيادة كلفة رأس المال، وتراجع الجدوى الاقتصادية للاستثمارات، بما قد ينعكس سلباً على معدلات التوظيف والتشغيل والنمو الاقتصادي.

كما أن ارتفاع تكلفة التمويل قد ينتقل، في بعض القطاعات، إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما يجعل السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة بين استهداف الاستقرار النقدي والمحافظة على النشاط الاقتصادي. وتزداد حساسية هذه المفاضلة في الاقتصادات التي تعاني أصلاً من ضعف الاستثمار، أو محدودية الأسواق المالية، أو اختلالات هيكلية تؤثر في آلية انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.

بين الأداة والبيئة النقدية

تكشف التجارب الدولية أن فاعلية أدوات السوق المفتوحة لا تعتمد على الأداة وحدها، بل على البيئة المؤسسية والنقدية التي تعمل فيها.

وفي الحالة اليمنية، تواجه السياسة النقدية تحديات استثنائية، في مقدمتها انقسام المؤسسات النقدية، وضعف عمق السوق المالية، وخروج جزء معتبر من السيولة خارج الجهاز المصرفي، إضافة إلى محدودية الأدوات المتاحة للتدخل مقارنة بما هو متاح للبنوك المركزية في الظروف الاعتيادية.

وفي مثل هذه الظروف، قد تلجأ السلطة النقدية إلى استخدام الأدوات المتاحة بصورة تدريجية، حتى وإن كان أثرها المباشر محدوداً، بهدف إعادة بناء آليات السياسة النقدية، واختبار فاعلية أدواتها، واستعادة حضورها المؤسسي في السوق النقدية.

الشفافية… شرط لنجاح السياسة

وبصرف النظر عن الغاية النهائية للمزاد، فإن الشفافية تظل ركناً أساسياً في نجاح أي سياسة نقدية.

فكلما كانت أهداف القرار ومبرراته الاقتصادية أكثر وضوحاً، ازدادت قدرة الأسواق والمؤسسات المالية على تفسيره بصورة صحيحة، وانخفضت مساحة التأويل، وتعززت الثقة في توجهات السلطة النقدية.

ولذلك، فإن توضيح ما إذا كان المزاد يستهدف تمويل الخزانة العامة، أو إدارة السيولة، أو اختبار نتائج السياسات النقدية السابقة، أو الجمع بين هذه الأهداف وفق أولويات محددة، من شأنه أن يعزز فهم الأسواق للقرار، ويرفع من كفاءة انتقال أثره إلى الاقتصاد.

خلاصة

ربما لا يكون السؤال الرئيس هو: هل سينجح المزاد في بيع ثلاثين مليار ريال؟ بل لعل السؤال الأهم هو: ما الذي يريد البنك المركزي أن يعرفه من هذا المزاد؟

فإذا كان القرار يمثل امتداداً لسياسة بدأت برفع الحد الأدنى للعائد على الودائع، فإن المزاد يصبح في الوقت ذاته أداة لقياس استجابة السوق، واختبار حجم السيولة التي عادت إلى الجهاز المصرفي، وتوفير منفذ استثماري للبنوك، إلى جانب كونه أداة من أدوات الدين العام.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بإتمام المزاد وحده، وإنما بقدرة البنك المركزي على إدارة المفاضلة الدقيقة بين استقطاب السيولة والمحافظة على النشاط الاقتصادي، وعلى تحويل هذه الإجراءات إلى سياسة نقدية متكاملة تتسم بالوضوح والاتساق، وتراعي خصوصية الاقتصاد اليمني، وتسهم تدريجياً في استعادة الثقة بالقطاع المالي وتعزيز الاستقرار النقدي.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img