“صحيفة الثوري” – (ثقافة وفنون):
د. طارق عبدالرشيد
ليست كل الإعلانات عابرةً تنتهي بانتهاء وقت بثها؛ فبعضها يتحول إلى ذاكرة، وبعضها يصبح وثيقةً فنيةً واجتماعيةً تختصر روح مرحلة كاملة. والفرق بين إعلانٍ يعيش وآخر يُنسى ليس في حجم الإنفاق عليه، ولا في شهرة من يظهر فيه، وإنما في الفكرة التي يحملها، والكلمة التي تصوغه، والغاية التي ينطلق منها.
ومن أجمل ما بقي في الذاكرة اليمنية إعلان القطن اليمني، الذي جاء احتفاءً بافتتاح مشغل غزل القطن، فكان أكثر من مادة ترويجية لمنتج؛ بل كان لوحةً وطنيةً اجتمع فيها الشعر واللحن والصورة والعمل والإنتاج.
وتروي الرواية أن سلطان لحج، آنذاك، عام 1954، اتصل صباح افتتاح المشغل بالشاعر والفنان الكبير عبدالله هادي سبيت، وطلب منه أن يشارك بقصيدة في هذه المناسبة، فاستجاب الشاعر وكتب كلماته وهو في طريقه إلى موقع الاحتفال. وكأن القصيدة وُلدت من حرارة اللحظة، ومن إحساسٍ بأن هناك حدثاً يستحق أن يُخلَّد.
كان الحماس يحيط بالمشروع من مختلف الجهات؛ فالمصنع، في فلسفة ذلك الزمن، كان ملكاً عاماً، يُنظر إليه بوصفه إنجازاً للشعب. لذلك لم يكن غريباً أن يقدِّم المسؤول المناسبة باعتزاز، وأن يقدِّم الشاعر أجمل ما لديه، وأن يسخِّر الفنان صوته ولحنه، وأن يعمل العامل وهو يشعر بأن جهده يضيف لبنةً في بناء وطنه.
ومن هنا جاءت روعة “بانجناه”، فلم تكن أغنيةً عن القطن فقط، بل عن قيمة الأرض والإنسان والعمل. يقول الشاعر:
«”لا بالمطرز بتله لا ولا المخمل”»
فالأقمشة المستوردة، مهما بلغت من جمال، لا تملك مكانة ما يصنعه الوطن بأيدي أبنائه. ثم يمضي في الاحتفاء بالقطن اليمني:
«”بانجنى الذهب الأبيض
لا يدوَّل ولا يأرَض
عاده لا دول بيّض”»
ليصبح القطن في الأغنية رمزاً للثروة الوطنية، لا مجرد محصولٍ زراعي.
وتزداد الصورة جمالاً حين تتكامل عناصر المشهد: قطن يمني، ومصنع وطني، وأيدٍ يمنية تغزل وتنتج، وفن يمني يحتفي بهذا كله. إعلانٌ واحد استطاع أن يجمع الإنسان والأرض والعمل والهوية في دقائق قليلة، وأن يجعل من الترويج لمنتج رسالة انتماء.
إن المقارنة مع حاضر الإعلان ليست مقارنةً بين زمنين فقط، بل بين طريقتين في فهم الرسالة. فحين يغيب المعنى، ويصبح الإعلان مجرد استعراضٍ للوجوه أو ترويجاً سريعاً بلا مسؤولية، فإنه يفقد قدرته على الإقناع، وربما يتحول إلى أثرٍ سلبي على صاحبه. أما الإعلان الذي يحترم عقل المتلقي، ويستند إلى قيمةٍ حقيقية، فإنه يبقى حتى بعد مرور العقود.
ولعل سر الحنين إلى أمثال هذه الأعمال ليس الحنين إلى الماضي لذاته، وإنما إلى زمنٍ كانت فيه الكلمة تُحترم، والفن يُقدَّر، والعمل يُحتفى به، وكان الإعلان قادراً على أن يكون مرآةً للوطن، لا مجرد نافذة للبيع.
لهذا ظلت “بانجناه” خالدة؛ لأنها لم تغنِّ عن القطن وحده، ولم تكن مجرد لحنٍ عابرٍ لافتتاح مصنع، بل غنّت عن الإنسان والأرض والعمل والهوية. غنّت عن لحظةٍ كان فيها المنتج الوطني يحمل معنى الانتماء، وكانت الكلمة والفن والإنتاج تلتقي لتصنع صورةً من أجمل صور الوعي الوطني.
ولهذا بقيت، بعد عقود، لا لأنها أعلنت عن سلعة، بل لأنها عبّرت عن قيمة، وجسّدت إحساساً، وحفظت في ذاكرتنا مشهداً كان فيه الوطن حاضراً في كل تفصيل.

