آخر الأخبار

spot_img

هل من يؤيد السلام يخدم الحوثيين؟ ملاحظات نقدية عجولة على مقال الرفيق وسام محمد

صحيفة الثوري- كتابات

عيبان محمد السامعي

قرأت باهتمام مقال الرفيق العزيز وسام محمد والمعنون بـ: “أم المعارك أو ما تبقى من دعوات السلام” والمنشور في موقع صحيفة الثوري، ولا بأس من الاختلاف مع الرفيق وسام، فالاختلاف لا يفسد للود قضية كما يقال.

أولاً: كتب الرفيق وسام : “دعوات السلام وخطاب رفض الحرب لم يعد لهما اليوم أي قيمة تستدعي الاهتمام أو حتى مجرد الالتفات”، فلماذا إذن ينشغل به ويكتب مقال للرد على دعاة السلام.. أليس في ذلك تناقض كبير وصارخ؟؟

ثانياً: المقال يرتكز على إصدار الأحكام القيمية الجاهزة، ومحاكمة النوايا والضمائر، واللغة التي استخدمها فيها تعالي وفوقية وتسفيه للرأي الآخر ، لاحظ مثل تعبيرات “لم يعد لهما أي قيمة”، “عملية سحق”، “لكن البعض لا يتعلم بالعقل ولا تكفيه التجربة”، “هؤلاء كانت دعوات السلام ورفض الحرب بالنسبة لهم ليست أكثر من “بزنس””، ” لم تعد تمتلك أي تأثير ولا قيمة لما تردده”، “الدونكيشوتية المثيرة للشفقة”… إلخ وهذا يكشف حجم التعصب والضيق بقبول الآخر، فالكاتب السياسي ينبغي أن يترك مساحة للحوار والنقاش حول كل المواضيع، لا توجد أمور لا يمكن مناقشتها، كل القضايا والمواقف والآراء والأفكار والظواهر السياسية والحركات السياسية قابلة للنقاش والأخذ والرد.. وهنا ينبغي على الكاتب الحصيف التواضع وتجنب التعصب والفوقية والاستعلاء على الآخرين.

ثالثاً: القول بأن خطاب السلام ورفض الحرب قد فقدا قيمتها وباتا بدون تأثير، هذا حكم قطعي بات، لا يستند إلى أي مؤشرات أو احصائيات أو شواهد تؤكد صحته.. لهذا يبقى ما قاله الرفيق وسام بهذا الشأن مجرد فرضية قابلة للفحص والتدقيق إما لتأكيد صوابيتها أو بطلانها…

رابعاً: الادعاء بأن الرأي العام أصبح يدعو للحرب، كما يقول الرفيق وسام، فهذا أيضاً حكم ذاتي، ولم يورد المقال استطلاعاً واحداً أو دراسة ميدانية تثبت أن اليمنيين يفضلون الحرب أو أصبحوا “متقدمين على أكثر المتطرفين والداعين إلى الحرب”. حتى لو وجدت قطاعات شعبية تؤيد الحسم العسكري، وهي بلا شك موجودة، فهذا لا يثبت أن المجتمع اليمني كله يرفض السلام.

خامساً: القول بأنه “لا يوجد بديل عن الحرب”، الرفيق وسام هنا يبني مواقفه على ثنائية مضللة وزائفة، فالخيارات السياسية ليست محصورة في حرب شاملة أو سلام ساذج أو “استسلام” كما وصفه الرفيق وسام… بل هناك خيارات يمكن للعقل السياسي اليمني أن يفكر في خلقها.. والجميع مطالب بالتفكير في إيجاد مثل هذه الخيارات البديلة التي تخرج اليمن واليمنيين من هذه الثنائية..

سادساً: أرى أن موقف الرفيق وسام من تأييده المطلق للحرب، هو موقف سكوني، استاتيكي، جامد، يغفل قراءة الواقع ومتغيراته، فالحرب بدأت دفاعية مشروعة ضد تحالف الحوثيين وصالح في 2015، وهذا لا خلاف عليه، ولكن استمرارها لسنوات طويلة، ودخول فاعلين إقليميين، وظهور تشكيلات عسكرية وأمنية محلية ترتبط بولاءات لدول وجهات خارجية، وتغير أهداف الفاعلين، وتغير موازين القوى، وتحول مناطق كثيرة في البلاد إلى ساحات نفوذ إقليمي، وتشكل اقتصاد الحرب، ونشوء طبقة طفيلية تتغذى من الحرب وتعتاش عليها، وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وتكريس سلطات أمر واقع، وانهيار الاقتصاد الوطني، وتفاقم معاناة المواطنين من الفقر والجوع والبطالة وانتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة، والتهجير والنزوح، وقبل ذلك، في ظل مصادرة القرار الوطني، وخروج قرار السلم والحرب من يد اليمنيين إلى يد الإقليم، فهل نستطيع، بعد كل هذه التغيرات والتبدلات، أن نستمر في التأييد المطلق للحرب على طول الخط دون النظر في الوقائع الجديدة؟

ثم إن التعامي عن مآلات الحرب وما سببته من كوارث إنسانية واجتماعية واقتصادية ونفسية بحق الإنسان اليمني، واعتبارها – كما كتب الرفيق وسام – “بمثابة اتجاه إجباري” هو تجاهل لحجم المأساة التي أنتجتها هذه الحرب العبثية المجنونة وآثارها الممتدة. “الإنسان هو أثمن رأسمال” كما قال ماركس، فإذا كانت الحرب قد أدت إلى تدمير الإنسان وسحق كرامته وآدميته، فبأي منطق نصر على تمجيدها، ونتعامل منها وكأنها خيار الضرورة والحتمية التاريخية؟

ونود هنا أن نشير إلى بعض الاحصائيات التي تكشف جانباً من حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب الجحيمية في اليمن، فقد تسببت بمقتل (377) ألف من اليمنيين، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين؛ أطفالًا، ونساءً، ورجالًا، ومسنّين، وسحقت الملايين من أفراد المجتمع معيشيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وأحدثت خرابًا ماديًا هائلًا طال البنى التحتية، وشروخًا غائرةً في نسق العلاقات والقيم الاجتماعية والثقافية.

وتصنف تقارير دولية اليمنَ ضمن أسوأ بؤر الجوع في العالم ، وأن 83% من إجمالي السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن (21.9) مليون يمني يفتقرون إلى الرعاية الصحية الأساسية، وأن (4.2) مليون طفل وطفلة (من 5 إلى 17 عامًا) لا يلتحقون بالمدارس، وغيرها من المؤشرات والاحصائيات التي تكشف حجم المأساة، وفواجعها… إن تجاهل هذه الكلفة الإنسانية الباهظة، والتعصب المفرط لخيار الحرب واعتبارها “خيار الضرورة” لا يقيم وزناً للإنسان الذي يفترض أن يكون الغاية، بل ويحوله إلى مجرد وقود لصراع لا ينتهي، وقود لحرب عبثية يجني من ورائها نخب متسلطة وفاسدة مكاسب ومصالح غير مشروعة على حساب كرامة اليمنيين وحريتهم ومستقبل أبنائهم..

سابعاً: الرفيق وسام يستخدم مفهوم السلام بطريقة تعسفية، فهو يقرن بين السلام والاستسلام، وكأنهما شيئاً واحداً، دون أن يخبرنا كيف توصل إلى هذه القناعة التي لا محيد عنها! كذلك قوله بأن “دعوات السلام وخطاب رفض الحرب لم يعد لهما أي قيمة” بالرغم من اللغة المتعالية التي تبدو واضحة في هذه العبارة إلا أنه يقول بأن العودة إلى تناول موضوع السلام “لا تخلو من فائدة”، وهذا تناقض كبير، فإذا كان خطاب السلام بلا قيمة فعلاً، فلماذا يحتاج إلى دراسة؟؟

ثامناً: الرفيق وسام اتهم دعاة السلام بأنهم يخدمون جماعة الحوثيين الانقلابية، حيث كتب “دعوات السلام ورفض الحرب… كانت تقدم خدمة جليلة للطرف الذي أضرم النار بعد أن استحوذ على سلاح الدولة”، وكتب أيضاً: “موقف كان يقدم خدمة للحوثيين”، الرفيق وسام هنا لم يتعامل مع الداعين للسلام بأن لديهم رؤية مختلفة للصراع يمكن مناقشتها، بل وضعها مباشرة في خانة المواقف التي تخدم الحوثيين. هنا بالضبط تظهر النزعة المكارثية في مقال الرفيق وسام، فالرفيق وسام ينقل الاختلاف في الآراء ووجهات النظر إلى التشكيك في المخالفين له في الرأي واتهامهم بأنهم يخدمون الخصم.

إن استخدام هذا الأسلوب الاتهامي والتخويني ضد كل من يقول بوجوب وقف الحرب العبثية.. هو أمر يبعث على الحزن والأسى، لأن الخلاف حول الحرب والسلام ينبغي أن يبقى في إطار الاختلاف المشروع في وجهات النظر، لا أن يتحول إلى محاكمة للنوايا، واختبار للولاء، أو الطعن في وطنية الآخرين.. فالمنطق الذي يقوم على مبدأ إما أن تكون معي وتسلم بكل ما أقول أو أنت تخدم عدوي، منطق متطرف، لا يشجع على الحوار ولا على التفكير النقدي، ولا يفتح الباب أمام تعدد الرؤى والمواقف التي هي أساس الممارسة الديمقراطية وجوهر الحرية، وقيم الجمهورية.
هذه ملاحظات نقدية سريعة وعجولة.. وهو ما سمح به وقتي المزدحم بالكثير من الانشغالات، ويمكن العودة لمناقشة الموضوع مرة أخرى بصورة أكثر تفصيلاً وعمقاً.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img