صحيفة الثوري – (رأي)
عيبان محمد السامعي
الحلقة الثانية
كنا في الحلقة السابقة من ردنا على مقالة الرفيق فهمي الموسومة بـ “الظالم دائماً يحدد وسيلة نضال المظلوم، والحرب ليست في كل الأحوال عبثية قذرة”، وهي مقالة كرسها الرفيق لنقد مقالتي المنشورة في جريدة النداء بعنوان: “حرب عبثية قذرة!”، قد أوردنا مجموعة من الملاحظات التوضيحية والنقدية، يمكن للقارئ أن يعود إليها، وسنواصل في السطور التالية تقديم المزيد من الملاحظات والايضاحات وذلك على النحو الآتي:
النقطة الثالثة: لماذا نوصف الحرب الحالية بالعبثية القذرة؟
هنا نأتي إلى بيت القصيد، ولبّ الموضوع، فالحرب – كما أوضحنا في الحلقة السابقة – بدأت بدافع شعبي دفاعي مشروع، لكنها تحولت بفعل تدخلات الإقليم، وتطاول أمدها، إلى حرب بالوكالة، تديرها أطراف إقليمية عبر وكلاء محليين؛ بهدف استنزاف اليمن واليمنيين.
وللإجابةً على السؤال السابق، نرى أن الحرب أصبحت عبثية قذرة، للأسباب والاعتبارات الآتية:
أولاً: لماذا الحرب عبثية؟ لأنها ابتعدت عن الهدف الذي سُوِّقَ للناس على أنها شُنّت من أجله، والمتمثل بإسقاط الانقلاب، واستعادة الدولة، واستكمال العملية الانتقالية، وبناء اليمن الاتحادي وفقاً لوثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام، بعد أكثر من 11 عاماً من اندلاع الحرب ما الذي تحقق من تلك الأهداف؟ لا شيء. فلا أُسقِطَ الانقلاب، ولا استُعيدت الدولة، ولا جرى استكمال العملية الانتقالية، ولا تم تطبيق مخرجات الحوار الوطني، بل الأدهى والأنكى أن يحدث النقيض من كل ذلك. فاليمن اليوم يعاني من انقسام سياسي ومؤسسي حاد وعميق، ويتجلى هذا الانقسام في وجود ما لا يقل عن ست مناطق “جيوسياسية” (أو أشبه بكانتونات تمتع بمزايا الحكم الذاتي)، تُدار من قِبل سلطات أمر واقع، وهذه المناطق هي:
- 1- المنطقة الشمالية الغربية التي يحكمها الحوثيون وحلفاؤهم، وتضمّ المحافظات الآتية: أمانة العاصمة، وصنعاء، وعمران، وصعدة، وحجة، وإب، وريمة، والمحويت، وذمار، بالإضافة إلى أجزاء من محافظات: الحديدة، وتعز، والبيضاء، ومأرب، والجوف، … إلخ.
- 2- تعز التي تخضع لهيمنة حزب الإصلاح؛ باستثناء الجزء الشرقي من المدينة والخاضع لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين).
- 3- مدينة المخا الساحلية والمناطق المحيطة بها التي تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي.
- 4- محافظة مأرب، التي يسيطر عليها تحالف قبلي وعسكري بقيادة سلطان العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي الذي تربطه علاقة وثيقة بحزب الإصلاح.
- 5- محافظات: عدن، ولحج، والضالع، وأبين، وسقطرى، وشبوة، وتسيطر عليها ألوية العمالقة وهي تشكيلات مسلحة جنوبية ذات خلفية سلفية تخضع لإمرة عبدالرحمن المحرمي عضو مجلس القيادة الرئاسي، بالإضافة إلى وجود نفوذ شعبي وسياسي وعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي في بعض المناطق، ولاسيما في الضالع ولحج وعدن.
- 6- حضرموت، ويهيمن عليها مؤتمر حضرموت الجامع وحلف قبائل حضرموت، وتشكيلات عسكرية بقيادة سالم الخنبشي عضو مجلس القيادة الرئاسي.
وأصبح لكل منطقة من هذه المناطق ترتيبات وإجراءات سياسية وأمنية وعسكرية خاصة بها، فهي أشبه بـ”إقطاعيات” أو “كانتونات” تديرها سلطات متعددة، بأجندة مختلفة، ذات ارتباطات بدول وجهات إقليمية، تتلقى منها الدعم المالي والتسليحي واللوجستي، متجاوزةً في ذلك الأطر الرسمية، والدستور والقوانين الوطنية.
الأمر الآخر أنها – أي الحرب – تحولت من وسيلة دفاعية لمقاومة الانقلاب (تحالف الحوثي – صالح) إلى “حرب دائمة”، وبلا أفق واضح لنهايتها. بل إن إطالة أمد الحرب واستمرارها صار هدفاً بحد ذاته لبعض القوى، فثمة قوى استفادت وتستفيد من استمرار الحرب، وحولتها إلى مشروع استثماري لجني الأموال والمكاسب، والحصول على السلاح، وتعزيز النفوذ، وتهميش المجتمع، وتغييب سيادة القانون. فهذه القوى وجدت في الحرب وحالة الفوضى التي نجمت عنها مناخاً ملائماً لتحقيق مصالحها على حساب اليمن واليمنيين، وبالتالي ترى في أي مساعي لوقف الحرب تهديداً لمصالحها ولوجودها، لهذا السبب تعمل بكل ما تدخره من جهد من أجل إدامتها وإطالة أمدها.
نخلص إلى القول: إن المشكلة الأساسية لا تكمن في أن الحرب لم تحقق انتصاراً خاطفاً أو سريعاً على الانقلابيين، بل لأنها ابتعدت كثيراً عن الأهداف التي وُضعت لها، ولهذا وصفناها بأنها عبثية!
ثانياً: لماذا أصبحت الحرب قذرة؟
الإجابة على هذا السؤال يقتضي منا الانتقال من مناقشة مسألة جدوى الحرب إلى مساءلة بُعدها الأخلاقي.
عندما نوصف الحرب بأنها “قذرة”، فهذا لا يعني بأننا نوصم طرف أو أطراف معينة بالقذارة، بل نقصد أن الحرب نفسها قد شابتها ممارسات قذرة، وتتجسد تلك الممارسات في الآتي:
1- الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي ارتكبتها أطراف النزاع المسلح، وتشمل: عمليات القتل والإعدامات خارج القانون، والاختطافات والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وإنشاء سجون خاصة، وممارسة التعذيب الجسدي، والعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، واستهداف الأعيان والمنشآت المدنية واستخدامها للأغراض العسكرية، وتدمير البنية التحتية، ومصادرة المجال العام، وقمع الحريات العامة، وإقلاق السكينة العامة، وترويع المواطنين المسالمين، وتهميش الأحزاب السياسية، وتقييد النشاط المدني، ونهب الممتلكات العامة والخاصة، وفرض الجبايات، وممارسة الفساد المالي والإداري بصور فاضحة وفجة، واستغلال المنصب الحكومي في تحقيق أغراض خاصة، كالإثراء غير المشروع، وغسيل الأموال، والمحسوبية، وتعيين الأقارب والأزلام، وإقصاء الكوادر الكفؤة والنزيهة… وغيرها من الممارسات التي تكرست وتعمقت واستفحلت بفعل الحرب.
ولا يتوقف الأمر عند هذا المستوى، بل يتعداه إلى استخدام الحرب كأداة تجويع وسياسة إفقار، ويتجلى ذلك من خلال حرمان المواطنين من الخدمات العامة: الغذاء، والماء، والكهرباء، والأمن، والصحة، والتعليم، والغاز المنزلي، وقطع المرتبات، وإغلاق الطرق، والتلاعب بالعملة، والغلاء الفاحش، وخصخصة الخدمات العامة، وفرض الجبايات التعسفية، … إلخ.
ومن المفيد هنا الاستشهاد بما كتبه الدكتور سمير عبدالرحمن شميري في كتابه المهم (مجتمع كسيح ونخب متوحشة)، حيث يسلط الضوء على “حرب الخدمات”، أي كيف تحولت الخدمات الأساسية إلى أداة حرب ضد المواطنين. ويصف كيف استخدمت القوى المتنفذة الكهرباء والماء كسلاح لإذلال الناس وتكسير عزيمتهم. ويستعرض أسباب انقطاع الكهرباء (نهب الوقود، فساد المؤسسة، الاعتداءات على المحطات) وأسباب أزمة المياه (الفساد، البناء العشوائي، احتراق المحولات، سرقة المضخات). ويخلص إلى أن مشكلة الكهرباء والماء هي مشكلة سياسية إدارية في الأساس، يراد لها أن تستمر بدون حلول.
وبالرغم من أن جُلّ أطراف النزاع قد مارست أشكالاً مختلفة من هذه الممارسات القذرة، فإن الموضوعية والإنصاف يقتضيان القول بوجود تفاوت في درجة ارتكاب هذه الممارسات بين الأطراف المتنازعة، إذ تقوم جماعة الحوثيين بهذه الممارسات بصورة أكبر وأفظع، ولكن هذا الاختلاف هنا هو اختلاف في الدرجة لا في النوع، وهو لا يمنح صك براءة للأطراف الأخرى، لاسيما الحكومة الشرعية التي تقول بأنها المسؤولة عن جميع اليمنيين، فالأولى بها أن تجسد هذا المعنى في سلوكها وممارساتها، وأن تقدم نموذجاً مغايراً، غير أن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال، فقد عجزت هذه الحكومة عن تقديم نموذج دولة جاذب لليمنيين، يحظى بثقتهم، ويوفر لهم الخدمات الأساسية من الغذاء والأمن، وهو ما جعلها، (أي الحكومة) جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
2- أنها حرب تقوم على سياسة “ضرب الفقراء بالفقراء”! وهذا ما كتبناه في مقالتنا المعنونة بـ “حرب عبثية قذرة” والمنشورة في صحيفة النداء بتاريخ 11 أغسطس الجاري، وهنا جوهر المسألة كلها، فأنا عندما أتناول موضوع الحرب أضع البُعد الإنساني في المقام الأول، والسؤال الأساسي الذي يهمني هو: من يقاتل؟ ومن يموت؟ ومن يربح؟
الفقراء هم من يقاتلون، يتم دفعهم إلى جبهات القتال ليقتلوا بعضهم بعضاً، في كلتا ضفتي الصراع. فمن يقاتلون دفاعاً عن الشرعية جلهم من الفقراء، ومن يقاتلون في صفوف الحوثيين جلهم من الفقراء. هؤلاء الفقراء عندما يذهبون إلى جبهات القتال ويعودون جثامين أو جرحى ومعاقين، في الوقت الذي يجني أمراء الحرب وتجارها – من كلتا الضفتين (الشرعية والحوثية) – المكاسب والمصالح غير المشروعة، عندها تتحول الحرب إلى وسيلة قذرة، لأنها تستثمر بدم الفقراء من أجل مصالح أمراء الحرب وتجارها، الذين يحصلون من وراءها على النفوذ، والأموال، والأسلحة، ويسيطرون على الموارد، ويبنون شبكات مصالح انتفاعية، ويمارسون التهريب وغسيل الأموال والنهب، ويتحولون إلى طبقة مترفة على حساب دماء الفقراء، وأوجاع الأمهات الثكالى وأنّات الأطفال اليتامى..!
3- ومن الممارسات التي تكشف الوجه القذر للحرب: التحريض على القتل والكراهية والانتقام بين أبناء الوطن الواحد، والإمعان في تمزيق النسيج الاجتماعي، وتجريف الهُوية الوطنية، وإعادة تصنيف أفراد المجتمع على أسس طائفية ومناطقية وقبلية وقروية وأسرية.. ويتم ذلك عبر التعبئة الاجتماعية، والبروبجندا الحربية، والتي تتجسد في أنماط متعددة من الخطاب، كالخطاب السياسي الذي يصدر عن بعض أطراف الصراع، والخطاب الإعلامي الصادر عن وسائل الإعلام التابعة للأطراف المتصارعة، والخطاب الديني الذي يتجسد في الفتاوى الدينية والخطب المسجدية، التي تضفي على الحرب طابع القداسة الدينية، بحسبانها “جهاداً في سبيل الله”، و”دفاعاً عن العقيدة الإسلامية”. كما لجأت أطراف الصراع المختلفة إلى توظيف الخطاب الديني لتبرير ممارساتها وإقصاء خصومها وتجريدهم من الشرعية. ويسهم ذلك في نقل الصراع من المجال السياسي إلى المجال الديني، ما يحوّل الخلاف في الرأي إلى مسألة كفر أو ردّة، ويجعل الخصم هدفاً مباحاً، ما يعقّد المشهد السياسي ويقوّض فرص الوصول إلى حلول سلمية، ويُسهم في إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها الوطنية، فضلاً عن تقويض ما تبقّى من مؤسسات الدولة عبر إحلال الفتوى الدينية في اليمن محل القضاء والقانون.
وبات هذا الخطاب بأنواعه المختلفة (السياسي، والإعلامي، والديني) يؤدي وظيفة أيديولوجية واجتماعية، تتمثل في تصنيف الآخرين وإقصاءهم معنوياً ومادياً. فالفرد لا يُعود يُرى بكونه مواطناً، أو جاراً، أو صديقاً، أو زميلاً، بل بوصفه “شمالياً” أو “جنوبياً”، “سنياً” أو “شيعياً”، “زيدياً” أو “شافعياً”، “هاشمياً” أو “قحطانياً”، “حوثياً” أو “داعشياً”، “رافضياً” أو “ناصبياً”، “وهابياً” أو “صفوياً – مجوسياً”، “عميلاً” أو “إرهابياً”، … إلخ وبهذا تصبح الحرب بمثابة أداة تطهير فُصامي، عبر توكيدها هُوية إقصائية لجزء من المجتمع ضدّ الجزء الآخر، أي أنها تعيد إنتاج الهُوية على أساس “نحن” ضد “هم” أو “الأنا” في مقابل “الآخر”. وهنا تبلغ الحرب ذروة خطورتها، فهي تتحول من مواجهة مسلحة إلى بيئة صراعية “هوبزية” شاملة ومنتشرة في مسامات الجسم الاجتماعي كله، وتقوم على مبدأ “حرب الجميع ضد الجميع”، و”القوي يأكل الضعيف”.
النقطة الرابعة: هل الحرب حققت أهدافها؟ وهل يمكن المراهنة على النخبة الحاكمة في استعادة الدولة؟*
من المعلوم أن الحرب بدأت في مطلع 2015، وهي مستمرة حتى يوم الناس هذا، أي أنها أكلت من عمر اليمنيين 11 عاماً ونيف، بعد كل هذه السنوات، وهذا العمر المهدر والمبدد، نتساءل هل حققت الحرب أهدافها المعلنة؟ لا أظن ذلك، وربما يوافقني في هذا الرأي الكثيرون.
إذا كنا قد احتجنا 11 عاماً من حرب أكلت الأخضر واليابس، ولم يتحقق من أهدافها شيء، فكم سنحتاج لكي تتحقق أهدافها؟ وهل يمكن المراهنة على خيار ثبت فشله للاستمرار فيه دونما مساءلة أو نقد جاد وشجاع؟
إنني أرى أن من العبث المراهنة على الحرب بصيغتها الحالية وبشكلها الحالي كخيار لتحقيق هدف استعادة الدولة وتطبيق مخرجات الحوار الوطني الشامل. بل إنني أرى أن الحرب نفسها أصبحت جزءاً من المشكلة، فالحرب بدأت باعتبارها وسيلة لاستعادة الدولة، لكنها أصبحت، مع مرور الوقت، أحد أسباب انهيار الدولة. وهنا تكمن المفارقة الصارخة: الحرب التي شُنّت تحت مبرر الدفاع عن الدولة واستعادتها هاهي قد أسهمت في إضعاف الدولة نفسها، بل انهيارها. ويتضح ذلك من خلال: عجزها عن القيام بوظائفها الرئيسة، واحتكار العنف، ووجود جيوش وفصائل مسلحة متعددة، ذات ارتباطات بأجندة ومشاريع خارجية، وتعدد مراكز القرار، وتآكل السلطة المركزية، وصعود القوى المحلية، وسيطرة الميليشيات المسلحة على مناطق واسعة من البلاد.
وقبل هذا، وبعده، وجود مجلس رئاسي برؤوس متعددة وبمشاريع متناقضة، فمن المعلوم أن مجلس القيادة الرئاسي قد أعلن عن تشكيله في 7 أبريل 2022 بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، جاء ذلك بعد ضغوطات سعودية على الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، الذي أُجبر على نقل صلاحياته كرئيس للجمهورية إلى مجلس قيادة رئاسي مُؤلَّف من 8 أعضاء، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم (ما يزيد على 4 سنوات)، فإن واقع المجلس يشير إلى أنه يعاني من اختلالات بنيوية وأزمات مستمرة تحدُّ من قدرته على أداء وظائفه بوصفه السلطة التنفيذية العليا للبلاد، فالمجلس يعاني من تعدد مراكز السلطة والقرار، وغياب القيادة الموحدة، بسبب التناقضات البنيوية التي تكتنفه، فلا توجد لدى المجلس رؤية سياسية واضحة موحدة لمستقبل الدولة اليمنية، ولا لائحة داخلية منظمة لأعماله، وتحدد مهام أعضاءه وصلاحياتهم، ناهيك عن كون أعضاءه يمثلون مشاريع سياسية متباينة بل متناقضة، ويستند كل عضو فيه إلى قوى سياسية وتشكيلات عسكرية، وعصبية قبلية وجهوية ومناطقية، وآلة إعلامية، وداعم إقليمي. يؤدي هذا التباين والتناقض إلى إفراغ المجلس من وظيفته الأساسية، وتحوله إلى ائتلاف هلامي هش، أكثر من كونه مؤسسة رئاسية سيادية وطنية متجانسة، منوط بها قيادة الدولة والمشهد الوطني نحو التطلعات المنشودة.
بل الأنكى من ذلك أن تصل الخلافات البينية في المجلس إلى حد المهاترات والاشتباك الكلامي والضخ الإعلامي، وهناك وقائع كثيرة حصلت بين رشاد العليمي وأبو زرعة المحرمي، وكذلك بين رشاد العليمي وطارق صالح، وقد نشرتها الصحافة في أكثر من مناسبة. ناهيك عن الخلافات العميقة التي عانى منها المجلس والتي تجسدت في اشتباكات مسلحة في ديسمبر 2025 ويناير 2026 بين قوات درع الوطن وبعض التشكيلات العسكرية الموالية لرشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي والمسنودة بدعم عسكري مباشر من السعودية، وبين قوات المجلس الانتقالي الموالية لعيدروس الزبيدي عضو المجلس، وبالرغم من انتصار الطرف الأول على الطرف الثاني، وإقصاء عيدروس الزبيدي من المشهد السياسي، إلا أن المنظومة الحاكمة فشلت في معالجة تداعيات تلك المواجهات المؤسفة، فلم تعمل على معالجة الانقسام السياسي، وترميم التصدعات الاجتماعية في الجنوب، ولم تقم بدورها في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وهو ما يزيد من حدة السخط الشعبي، والوضع مرشح للانفجار في أية لحظة.
مجلس قيادة بهذه التركيبة، وبهذا الأداء، وفي ظل تبعيته المطلقة للسعودية، وما يكتنفه من تناقضات واختلالات، هل يعقل لمجلس كهذا أن يكون محل رهان لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها؟؟
سأترك الإجابة على هذا السؤال للقارئ اللبيب..
نأتي الآن إلى تناول المؤسسة الثانية التي يُراهن عليها في استعادة الدولة، وهي المؤسسة العسكرية والأمنية. فهذه المؤسسة تعاني، هي الأخرى، من اختلالات بنيوية كبيرة وعميقة، تتمثل في حالة الانقسام، وتعدد الولاءات. فمن المعلوم أن هناك تشكيلات عسكرية متعددة تنتشر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، بعضها مرتبط بوزارتي الدفاع والداخلية، وبعضها نشأت خارج البناء الهيكلي والمؤسسي والقانوني للمؤسسة العسكرية والأمنية، واستمرت كذلك حتى وقتنا الراهن، فضلاً عن وجود تشكيلات أخرى مرتبطة بقوى سياسية ومناطقية وقبلية مختلفة.
فمثلاً لدينا تشكيلات عسكرية تتبع أبو زرعة المحرمي عضو مجلس القيادة الرئاسي، وهي ألوية العمالقة، وتنتشر في الساحل الغربي لتعز وبعض المحافظات الجنوبية، وهذه الألوية ذات خلفية سلفية، وكانت إلى وقت قريب ترتبط بالإمارات تمويلاً وتسليحاً حتى مطلع هذا العام تحول ارتباطها إلى السعودية.
قوات درع الوطن، وهذه القوات ترتبط بالسعودية مباشرة من ناحية التمويل والتسليح.
قوات طارق صالح وقوات المجلس الانتقالي وترتبطان بالإمارات تمويلاً وتسليحاً، … إلخ.
في حين قوات المناطق العسكرية الأولى والثانية والثالثة والرابعة ترتبط بوزارة الدفاع مع وجود نفوذ لحزب الإصلاح وبعض الجهات القبلية والمناطقية فيها وبشكل متفاوت.
في ظل وجود جيش مشرذم بهذا الشكل، متعدد الولاءات، ولا يخضع لمراكز قرار موحد، فضلاً عن اختلاف الخلفيات الأيديولوجية لهذه التشكيلات، وعدم وجود عقيدة قتالية وطنية موحدة، بالإضافة إلى وجود مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن الجوانب المشار إليها سلفاً، وتتمثل بالتوجيه المعنوي والخطاب التعبوي الذي تتلقاه هذه القوات. فمن الملاحظ أن التوجيه المعنوي وبدلاً من أن يقوم على ترسيخ مفهوم الدولة والمواطنة والدستور والقانون، وعلى تعريف الصراع في اليمن باعتباره صراع سياسي – وطني يتمحور حول انهاء الانقلاب، واستعادة الدولة والدفاع عن النظام الجمهوري، نجد أن بعض التشكيلات العسكرية تستند في خطابها التعبوي على خطاب ذات طابع ديني – سلفي، يقدم الصراع بشكل مختلف عن الطابع الوطني، إذ يتم تعبئة الجنود التابعين لتلك التشكيلات بأن الحرب الدائرة في البلاد هي جهاد في سبيل الله، ودفاع عن السنة والجماعة، ضد الشيعة الروافض، والصفويين، والمجوس، …إلخ. وهناك تشكيلات أخرى يقوم الخطاب التعبوي فيها على أسس مناطقية أو حزبية.
في ظل هذا الوضع لم تعد المؤسسة العسكرية منقسمة على مستوى البناء الهيكلي – المؤسسي فحسب، بل منقسمة أيضاً على مستوى الوعي والرؤية للعدو وللدولة وللمجتمع. وتتفاقم خطورة هذا الأمر مع وجود تناقض في الولاءات داخل هذه التشكيلات، فهناك من يقدم ولاءه للحزب على الولاء للوطن، وهناك من يضع ولاءه للقائد الفلاني أو ولاءه للقبيلة الفلانية أو المنطقة العلانية في مرتبة أعلى من الولاء للدولة وللدستور. فهل يمكن الرهان على جيش بهذه التركيبة في إنهاء الانقلاب، واستعادة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها وفقاً لمخرجات الحوار الوطني؟؟!
في ختام هذه الحلقة يمكن أن نستخلص الآتي:
1- لم تعد الحرب مجرد وسيلة أو خيار اضطراري لتحقيق أهداف سياسية تتمثل بإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، بل تحولت إلى بنية تعيد إنتاج الواقع السياسي والاجتماعي، فبدلاً من أن تكون وسيلة يتم التحكم بها من قبل قيادة الدولة أو النخبة الحاكمة، إذا بها تتحول إلى طريقة تعيد إنتاج النظام السياسي، والنظام الاقتصادي والاجتماعي اليمني، فهي تعيد تشكيل المؤسسات والقوى والمصالح وشبكة الولاءات، بل وتعمل على إعادة تشكيل البناء الاجتماعي والطبقي للمجتمع اليمني، من خلال إنتاج طبقة طفيلية جديدة متربحة ومستفيدة من الحرب، تتسم بالثراء الفاحش واحتياز المصالح والمكاسب غير المشروعة، في مقابل إفقار الغالبية الكاسحة من المجتمع اليمني، وسحق الطبقة الوسطى، إذ تشير تقارير دولية إلى أن نسبة الفقر في اليمن تجاوزت (82%)، بفعل الحرب.
2- بعد انقضاء 11 عاماً من الحرب، لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة والمشار إليها سلفاً، وهذا يفرض سؤالاً لا يمكن القفز عليه: إذا كانت 11 عاماً من الحرب الجحيمية قد عجزت عن تحقيق أهدافها، فما الذي يسوغ الإصرار على التمسك بهذا الخيار الذي ثبت فشله؟ ألا يستلزم هذا إجراء مراجعة جادة وشجاعة حول الحرب وجدواها ونتائجها ومآلاتها، وبالتالي التفكير الجاد في خلق بدائل أخرى لحل الأزمة الوطنية؟
إن الإصرار على انتهاج خيار أثبتت التجربة فشله، لا يمثل تمسكاً بالمبادئ الوطنية كما يُروَّج، بل يسهم في إعادة إنتاج الفشل، وتعميق المعاناة الإنسانية، وتفاقم الأوضاع الكارثية على كل المستويات.
3- تكمن المفارقة الكبرى والصارخة في أن الحرب التي قامت باسم الدولة قد أسهمت في تفكيكها، فقد تحولت الحرب من صراع على الدولة، إلى صراع داخل الدولة نفسها، وحول مواردها ومراكز النفوذ فيها، وتعدد القوى والمشاريع والولاءات المتناقضة داخل منظومة الحكم، حيث لكل واحدةٍ من تلك القوى مصالحها وحساباتها الخاصة وارتباطاتها الإقليمية، وبالتالي لم تعد القضية مجرد استعادة الدولة التي جرى الانقلاب عليها في 2014، بل أصبحت إعادة إنتاج دولة متآكلة، يجري الإمعان في تفكيكها، وتفتيتها بين قوى ومراكز نافذة.
4- إن المراهنة على الحرب بصيغتها الحالية، وعلى النخبة الحاكمة بتركيبتها القائمة، لاستعادة الدولة، تبدو مراهنة على نفس الأدوات التي أسهمت في إضعاف الدولة وتفكيكها. فبعد أكثر من 11 عاماً من الحرب لم تعد القضية كيف تستمر الحرب حتى تحقق أهدافها؟ بل أصبحت القضية الأكثر إلحاحاً هي إجراء مراجعة وطنية جادة وشجاعة لمسار الحرب، ومآلاتها الجحيمية على الإنسان والمجتمع والدولة. لذلك فإن المراجعة الصادقة والجادة لمسار الحرب ومآلاتها ليست ترفاً، ولا هي تطبيع مع الانقلاب، ولا هي تخلي عن الأهداف الوطنية، بل أصبحت شرطاً لإنقاذ تلك الأهداف نفسها، فالاستمرار في خيار ثبت فشله لا يعد تمسكاً بالمبادئ، بل هو إصرار على إعادة إنتاج الفشل. وإذا كانت الحرب قد بدأت بوصفها وسيلة لاستعادة الدولة، فإن الخطورة تكمن في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح استمرار الحرب أهم من الهدف الذي قامت من أجله، لذلك تفرض الحاجة الوطنية إلى إعادة تدوير زوايا التفكير، والبحث في خيارات ومسارات بديلة تحقق الأهداف الوطنية المنشودة.
يتبع … الحلقة الثالثة..

