آخر الأخبار

spot_img

بل هي حرب عبثية قذرة، والشرعية ليست شيكاً على بياض. (الحلقة الثالثة والأخيرة)

“صحيفة الثوري” – (رأي):

عيبان محمد السامعي

كنا في الحلقتين السابقتين من ردنا على مقالة الرفيق فهمي محمد، المعنونة بـ”الظالمُ دائمًا يحدد وسيلة نضال المظلوم، والحرب ليست في كل الأحوال عبثية قذرة!”، قد ركزنا على تحليل مسار الحرب ونتائجها وتداعياتها على الإنسان والمجتمع والدولة. وتوصلنا إلى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة مسلحة تدور رحاها في جبهات القتال، بل تحولت إلى بنية متكاملة وشاملة تعيد إنتاج الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وهنا تكمن خطورتها الحقيقية. ومن ناحية ثانية، فإن تقييم مسار الحرب بعد انقضاء 11 عاماً من لحظة اندلاعها، يبين أنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة، وفي مقدمتها استعادة الدولة، بل إن الحرب نفسها قد أفضت إلى عكس ما رُسم لها من أهداف؛ فبدلاً من استعادة الدولة، فإنها قد أسهمت في مزيد من تفكيكها، وتحولت الحرب من صراع على الدولة إلى صراع داخل الدولة نفسها، وحول مواردها ومؤسساتها ومراكز النفوذ فيها. ويمكن للقارئ المهتم العودة إلى الحلقتين السابقتين للاطلاع على مزيد من التفاصيل.

أما في هذه الحلقة، فسنحاول التركيز على الخيارات البديلة للحرب، ومدى نجاعتها.

النقطة الخامسة: هل السلام هو “استسلام للحوثية” و”تسليم” بواقع الانقلاب؟

بنى الرفيق فهمي مقالته على ثنائية حادة، مؤداها: إما خوض الحرب حتى “الحسم”، وإما “الاستسلام للانقلاب”، و”التطبيع مع المشروع الطائفي”. كما أنه يخلط بين “وقف الحرب” و”تكريس الانقلاب”، ولا أتفق معه في ذلك. فوقف الحرب لا يعني الاعتراف بشرعية الانقلاب، ولا يعني التسليم بمشروع الحوثيين أو القبول بشروطهم، بل إن وقف الحرب، بصيغتها الحالية وما أنتجته من تعقيدات ونتائج كارثية على مستوى الدولة والمجتمع، كما أوضحنا ذلك بالتفصيل في الحلقتين السابقتين، يمثل حاجة وطنية ماسة لوقف نزيف الدم اليمني المُراق، ووقف التدهور المستمر، والتخفيف من المعاناة الإنسانية التي يتجرعها الفقراء والملايين من اليمنيين، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفتح مسارات للحوار السياسي، ومنح الأدوات والوسائل السلمية فرصة لحل الصراع والأزمة الوطنية القائمة.

من المؤسف أن يجري اتهام كل من يدعو إلى حقن الدم اليمني، ويطالب بوقف الحرب، ويدعو إلى الاحتكام إلى العقل والمنطق والحوار، بأنه “يدعو إلى التسليم للحوثيين” أو “الاستسلام لشروطهم” أو “التطبيع مع مشروعهم الطائفي”. وقد أصبحت هذه التهم رائجة، ويرددها كثيرون في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتؤدي وظيفة سياسية، تتمثل في ترهيب كل من يحمل رؤية مغايرة تجاه الصراع، وثنيه عن التعبير عن وجهة نظره، وصولاً إلى محاولة إسكات صوته الداعي إلى الحوار والسلام. “فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، و”لا شرعية تعلو فوق شرعية البندقية”! هذا المنطق أحادي وخطير، ويتناقض مع قيم ومبادئ الحرية والديمقراطية والجمهورية والعدالة التي ننشدها.

إن الدعوة إلى وقف الحرب لا تعني “الاستسلام للحوثيين” أو “التسليم بشروطهم”، كما أن رفض الانقلاب لا يعني التسليم بأن الحرب المفتوحة هي “خيار الضرورة” أو “الطريق الوحيد” لإسقاطه.

إن موقفنا من الحركة الحوثية واضح، ولا يمكن لأحد المزايدة عليه، وقد أعلنا وكتبنا ذلك بوضوح، وللمهتم أن يعود إلى كتابنا المعنون بـ”إشكالات الواقع اليمني…”، الصادر عام 2023، وكتابنا الآخر: “الحرب في اليمن: تصدع الدولة وتشظي الهوية الوطنية..”، الصادر مطلع هذا العام. بالإضافة إلى مقالاتنا المنشورة في العديد من المواقع، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: موقع الحوار المتمدن، وموقع الاشتراكي نت، وموقع الحرف 28، وصحيفة الثوري، وصحيفة النداء، وموقع المواطن، وغيرها من المواقع. إننا نرفض مشروع الحوثية القائم على القوة القهرية، والادعاء بالأحقية الإلهية في الحكم، والممارسات الشنيعة التي ترتكبها بحق المواطنين في مناطق سيطرتها، كما أننا نرفض في الوقت ذاته أي مشروع سياسي يتعارض مع الدستور، ومع مبادئ المواطنة المتساوية، والدولة المدنية الديمقراطية. غير أن رفض هذا المشروع لا يعني أن الحرب المفتوحة التي بلا أفق سياسي هي الخيار الوحيد لإسقاطه؛ فرفض المشروع الطائفي للحوثية شيء، والجزم بأن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لمواجهته شيء آخر.

يقول الرفيق فهمي إن الحركة الحوثية “لن تقبل السلام وبناء الدولة الديمقراطية إلا مكرهة، إذا كُسرت عسكرياً”. وهذه مسألة شائكة؛ لأنها تحول القضية من البحث في كيفية تحقيق سلام مستدام إلى التركيز على كيفية “كسر الخصم وهزيمته عسكرياً”.

ثم إذا سلمنا جدلاً بصحة هذه الفرضية، فثمة أسئلة جوهرية تظل قائمة: هل يمكن فعلاً “كسر الخصم” أو “هزيمته عسكرياً”؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن هي القوة القادرة على تحقيق ذلك؟

هذه الأسئلة لا يقدم الرفيق فهمي إجابات عنها، بل يضع فرضية وكأنها قابلة للتحقق بشكل آلي. ثم إذا كنا قد أهدرنا أكثر من 11 عاماً في الحرب، ولم يتم خلالها “كسر الخصم” أو “هزيمته عسكرياً”، فكم من الأعوام الأخرى التي نحتاج إليها حتى يتحقق هذا الهدف؟ وكم من الدماء والدمار ينبغي أن ندفعه ثمناً له؟

وإذا كانت سنوات الحرب العجاف قد أهلكت الحرث والنسل، وتسببت بمقتل ما يزيد على (377) ألفاً من اليمنيين، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، وجعلت اليمن إحدى أسوأ بؤر الجوع في العالم، إذ يعاني (83%) من السكان من انعدام الأمن الغذائي، إلى جانب الانهيار الاقتصادي، وتدمير مؤسسات الدولة والبنية التحتية، فكم هي الكلفة الإنسانية التي ينبغي للشعب اليمني أن يتجرعها لكي يتحقق “كسر الخصم” و”النصر العسكري”؟!

الأمر الآخر، القول بأن الحرب هي “الطريق الوحيد لتحقيق السلام وبناء الدولة الديمقراطية”، هو أيضاً افتراض لا يوجد ما يدعم صحته. فلو عدنا إلى الحروب التي شهدتها اليمن طوال تاريخها المعاصر، فلا نكاد نعثر على دليل واحد يؤيد صحة هذا الافتراض.

بل إن بناء الدولة وتحقيق السلام لا يتحققان بمجرد “هزيمة الخصم عسكرياً”، فالحركات المسلحة لا تختفي بمجرد “كسرها” أو “هزيمتها عسكرياً”، لأنها قد تتحول إلى جماعة أشد عنفاً وتطرفاً من ذي قبل، وقد تلجأ إلى حرب العصابات وأساليب أخرى من العنف؛ لذلك فإن “الكسر العسكري” لا يمثل استراتيجية بحد ذاته لبناء الدولة وتحقيق السلام.

ثم، إذا افترضنا جدلاً أن الشرعية تمكنت من “كسر الخصم وهزيمته عسكرياً”، فما الذي يضمن أن البلاد ستسير بعد ذلك في طريق الاستقرار والنماء؟ وما الذي يضمن بقاء اليمن كياناً سياسياً موحداً؟ في ظل وجود تشكيلات عسكرية وميليشيات مسلحة ومراكز قوى نافذة داخل معسكر الشرعية نفسه، تفرض سيطرتها على مناطق واسعة في البلاد، وفي ظل وجود نخبة حاكمة منقسمة على ذاتها، وفي ظل وجود مشاريع سياسية متناقضة مع منطق الدولة تتصدر المشهد في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

إذن، الأزمة الوطنية أعقد بكثير من مجرد تحقيق “حسم عسكري” أو “هزيمة الخصم عسكرياً”، إنها أزمة دولة تنهار، ومجتمع يتشظى، ووطن يتداعى أمام أعيننا!

ثم، إن الحديث عن إمكانية “هزيمة طرف” و”انتصار طرف” آخر، يظل حديثاً قاصراً عن فهم الحرب الأهلية وتداعياتها. ففي الحرب الأهلية لا يوجد منتصر أو مهزوم، فالكل فيها مهزوم، حتى المنتصر فيها مهزوم!

لأن ما يخسره الجميع هو الوطن…!

حتى الطرف الذي يحقق “انتصاراً” ويكسب المعركة سيجد نفسه أمام بلد مُدمّر بفعل الحرب، واقتصاد مُنهار، ومجتمع ممزق، وأجيال محُطّمة دفعت ثمناً باهظاً لحرب لم يكن لها فيها ناقة ولا جمل!

بلى، قد يخرج طرفٌ ما من هذه الحرب أقوى من خصمه، لكنه لن يخرج منتصراً على الفقر، ولا على الخوف، ولا على الدمار، ولا على تداعيات الانقسام الاجتماعي والنفسي الذي خلفته الحرب.

وفي المقابل، قد يخسر طرفٌ ما الحرب، لكنه لا يدفع وحده الثمن؛ فالجميع سيدفع الثمن، والجميع سيكابد المزيد من الفواجع والآلام والدماء والدموع!

فهل نرتقي إلى مستوى الخطر الذي يهدد وطننا ووجودنا؟

هل نتملك الشجاعة للتفكير بطريقة مغايرة للسائد، ونجنب وطننا وشعبنا المزيد من المعاناة والألم؟

هل نتملك الشجاعة للانخراط في حوار يمني – يمني على أرض يمنية، لمناقشة القضايا محل الصراع بروح وطنية صادقة، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والحسابات الضيقة… حوار وطني شامل وجاد يفضي إلى سلام عادل وشامل ومستدام؟

إن هذه الأسئلة وغيرها ليست من قبيل الترف أو لزوم ما لا يلزم، بل تقع في صميم القضية الوطنية، وبها يتحدد مصيرنا كشعب، وككيان سياسي، وكأمة بين الأمم.

النقطة السادسة: عن السلام الذي ننشده

مفهوم السلام في أكثر تعريفاته الشائعة هو نقيض الحرب والعنف والنزاع، وهو ما يُعرف بـ”السلام السلبي”. أما “السلام الإيجابي”، فيعني حالة الاستقرار والاتفاق والانسجام والعدل الاجتماعي.

والسلام هو الحالة الطبيعية التي ينبغي أن تسود المجتمع الإنساني، فمبرر وجود المجتمع الإنساني، كما يقول ابن خلدون، هو التعاون من أجل تحصيل المعاش. أما العنف والحروب، فهي حالات استثنائية وغير طبيعية؛ لأنها تتسبب في تدمير مقومات الحياة الإنسانية، وتطغى فيها النزعات الحيوانية المتوحشة والافتراسية على النزعات الإنسانية.

تنبع الحاجة الوطنية المُلِحّة لتحقيق السلام في اليمن من الحالة المأساوية والكارثية التي ترزح تحت وطأتها جماهير الشعب اليمني؛ بفعل متواليات الحرب المميتة التي أكلت الأخضر واليابس، وتسببت بحدوث أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم، وفقاً لتقارير أممية، وحوَّلت الشعب اليمني إلى شعب جائع يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الآدمية، وجعلت البلاد ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية غاشمة، وصادرت القرار الوطني والسيادة الوطنية، ودمَّرت مقوّمات الدولة، وهدَّمت البنية التحتية الأساسية، وأحدثت انهياراً اقتصادياً، وحُطاماً نفسياً، وتردّياً ثقافياً وأخلاقياً، وتمزُّقاً في النسيج الاجتماعي ونسق العلاقات الاجتماعية. كما ضربت قيم الانتماء الوطني والهوية الوطنية في العمق، وخلقت كيانات ميليشياوية مسلحة ترتبط بولاءات خارجية، وتفرض سيطرتها وسطوتها على المجتمع، وتُمارس انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان.

إنَّ السلام الذي ننشده ونتطلع إليه ليس “الاستسلام للحوثية” أو “التسليم بشروطها”، كما يروج البعض، وإنما هو السلام الذي يعمل، أولاً وقبل كل شيء، على إنهاء كل هذه التداعيات الجحيمية الناجمة عن الحرب، ووقف نزيف الدم، والعودة إلى العملية السياسية التوافقية من النقطة التي توقفت عندها. فالسلام الذي نقترحه ليس صفقة بين الشرعية والحوثيين لتقاسم السلطة والنفوذ، بل هو مسار لإعادة بناء الدولة على أسس وطنية وديمقراطية، ترتكز على وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، بحيث لا يستطيع طرف مسلح، أياً كان، فرض إرادته على الدولة والمجتمع بالقوة.

كما لا يمكن أن يكون السلام عادلاً وشاملاً ومستداماً من دون وضع معالجات حقيقية للقضية الجنوبية، باعتبارها قضية وطنية محورية. إن المظالم العميقة والشعور الواسع بالتهميش والإقصاء الذي يسود في الجنوب هو نتيجة لحرب 1994 القذرة، لذلك فإن أي تسوية وطنية جادة ينبغي أن ترتكز على رؤية وطنية حقيقية لمعالجة نتائج وآثار حرب 1994، والمشاكل الحاصلة في الجنوب، لاسيما ما ترتب على المواجهات المؤسفة مطلع هذا العام، وإشراك أبناء الجنوب في السلطة والثروة، وضمان حقهم الأصيل في تقرير مستقبلهم السياسي.

إن السلام الذي ندعو إليه ليس سلاماً ساذجاً، ولا “استسلاماً” كما يصف الرفيق فهمي، ولا تنازلاً مجانياً عن الدولة والجمهورية، وإنما هو عملية سياسية تحتاج إلى أدوات ضغط وآليات تنفيذية، تستند إلى توازن في القوة. وفي هذا الصدد، أود التأكيد على أن نجاح أي مسار للسلام يتطلب من الحكومة الشرعية، قبل غيرها، أن تبدأ بتصحيح وضعها الداخلي، وإجراء إصلاحات بنيوية حقيقية في مؤسساتها، وفي مقدمتها إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد مركز اتخاذ القرار، وإنهاء حالة التعدد والازدواج في الولاءات والتشكيلات، فضلاً عن مواجهة الانهيار الاقتصادي والفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، والعمل على بناء رؤية سياسية موحدة للسلام وإدارة الدولة بعد الحرب، وبمشاركة مختلف القوى السياسية والاجتماعية المؤيدة للشرعية. نقول هذا الكلام، انطلاقاً من إيماننا المطلق بأنه لا يمكن بناء سلام عادل ومستدام في ظل وجود حكومة ضعيفة ومنقسمة على ذاتها، فإصلاح البيت الداخلي وبناء نموذج دولة يحظى بثقة المواطنين يمثل أولوية قصوى في هذه المرحلة، بل هو المعركة الحقيقية التي بإمكانها أن تتجاوز واقع الانقلاب، وتمثل ضماناً لتحقيق السلام المنشود.

أما بخصوص كيفية تحقيق السلام، فلا بد أولاً من خلق مناخات مُهيِّئة للدخول في عملية سلام شامل وعادل ومستدام، وهذا يستلزم اتخاذ مجموعة من إجراءات بناء الثقة، أبرزها:

1- إعلان جميع الأطراف وقف إطلاق النار في جميع المناطق والمحافظات اليمنية.

2- الإفراج عن جميع المعتقلين والمختطفين من قبل جميع الأطراف.

3- فتح الطرقات في جميع المحافظات، وفتح المطارات، وتسهيل تنقل المدنيين والسلع والبضائع.

4- تشكيل لجنة للسلام والمصالحة الوطنية من الشخصيات الوطنية الوازنة والتي تحظى بقبول لدى جميع الأطراف، أو لديها تأثير على بعض أطراف النزاع. وفي هذا الصدد، يمكن أن نقترح أسماء شخصيات وطنية، مثل: يحيى العرشي، د. أحمد قائد الصائدي، د. حمود العودي، عبدالباري طاهر، نبيلة الزبير، أروى عبده عثمان، جميلة علي رجاء، جمال عبدالله السلال، فيصل أمين أبو رأس، د. عبدالله عوبل، د. عبدالكريم قاسم دماج، شوقي أحمد هائل، وكذا اللواء محمود الصبيحي وصالح هبرة، بالإضافة إلى أمناء عموم الأحزاب السياسية أو من يمثلونهم، وممثلون عن المرأة والشباب والمجتمع المدني.

تتولى هذه اللجنة إعداد تصور شامل لاتفاق السلام، والتحضير لعقد مؤتمر سلام ومصالحة شامل، يشمل جميع الأطراف اليمنية.

5- عقد مؤتمر سلام ومصالحة وطنية، وعلى أرض يمنية، وبإشراف ورعاية من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، وتكون مرجعيته الأساسية وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

6- يناقش مؤتمر السلام والمصالحة الوطنية القضايا الآتية:

أ. تشكيل حكومة وحدة وطنية، تشمل جميع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية الفاعلة وبدون استثناء، شريطة أن تعمل وفق برنامج إنقاذ وطني واضح، لإعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها، وإجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية وخدمية عاجلة.

ب. تشكيل لجنة أمنية وعسكرية مهنية، وتحديد إطار لمهامها الأساسية، والمتمثلة في الإشراف على تفكيك المكونات المسلحة الخارجة عن المؤسسة الرسمية، وإعادة دمج المقاتلين من كل الأطراف في إطار مؤسستي الجيش والأمن ووفق وثيقة مخرجات الحوار الوطني. وكذا الإشراف على إنهاء كافة المظاهر العسكرية والمتاريس في كافة المحافظات اليمنية، وإزالة جميع النقاط العسكرية والأمنية غير القانونية، وسحب السلاح الثقيل والمتوسط وتسليمه لوزارة الدفاع.

ج. تشكيل لجنة سياسية توافقية تنبثق من مؤتمر السلام والمصالحة الوطنية، وتمثل فيها جميع القوى السياسية والمدنية والاجتماعية وبشكل عادل؛ تتولى إعادة النظر في مسألة الأقاليم، ومسألة توزيع الموارد بين المستوى الاتحادي ومستوى الأقاليم ومستوى الولايات، بما يضمن العدالة والشراكة الوطنية الحقيقية.

د. وضع رؤية وطنية عادلة ومتوافق عليها لمعالجة القضية الجنوبية، من خلال حوار جنوبي شامل، تشترك فيه مختلف المكونات والقوى السياسية والاجتماعية في الجنوب، ومناقشة مختلف القضايا المتعلقة بمستقبل الجنوب، وضمان مشاركته الحقيقية والعادلة في السلطة والثروة.

هـ. تشكيل لجنة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية، تتولى مهام تطبيق ما ورد في وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني فيما يتعلق بقضايا العدالة الانتقالية ومعالجة إرث النزاعات والحروب السابقة والحالية، وما ترتب عليها من انتهاكات وآلام، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم، واستعادة الحقوق والممتلكات، ومساءلة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، ووضع آليات لضمان منع تكرار مثل تلك الانتهاكات.

و. يتحول مؤتمر السلام والمصالحة الوطنية إلى جمعية وطنية تأسيسية، تتولى الإشراف على استكمال مهام المرحلة الانتقالية، بما في ذلك تقديم مسودة دستور اليمن الاتحادي، بعد تنقيحه، للاستفتاء الشعبي العام.

ز. ينبغي على مؤتمر السلام والمصالحة الوطنية أن يشمل جميع الأطراف السياسية والاجتماعية، بما فيها الشباب والمرأة والمجتمع المدني، وبنسب عادلة، وعلى غرار آلية التمثيل في مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي عقد في 2013.

ما سبق ذكره ما هي إلا مجموعة من الإجراءات والأفكار السياسية التمهيدية لبناء الثقة، اجتهدتُ في صياغتها، رغم ما يشوبها من قصور ونقص وثغرات؛ لذلك أضعها للنقاش العام، بهدف إثرائها وتطويرها وتجويدها، وليس بوصفها رؤية مكتملة أو تصوراً نهائياً للحل.

أما تحقيق السلام الديمقراطي المنشود؛ السلام الشامل والعادل والمستدام؛ ذلك الذي تتحقق به حالة الاستقرار والانسجام والعدالة الاجتماعية والتقدم الاجتماعي، فهذا مسار نضالي اجتماعي وطني طويل وشاق، له شروطه ومحدداته وموضوعاته، ويحتاج إلى جهد جماعي وطني، يبدأ من صياغة رؤية وطنية واضحة للسلام، ثم الشروع في تطبيقها على أرض الواقع.

قد يسأل سائل: هل الحركة الحوثية ستقبل بهذا المقترح؟ وما ضمانات نجاحه؟

طبعاً، من المتوقع ألا تقبل الحركة الحوثية بهذا المقترح في أول الأمر. وفي الواقع، ليست الحركة الحوثية وحدها من سترفضه، بل هناك قوى أخرى حتى داخل صفوف الشرعية نفسها ستتخذ الموقف نفسه؛ لأن الحرب –كما أسلفنا في الحلقة السابقة– قد خلقت مصالح ومكاسب لبعض القوى ومراكز النفوذ، لهذا ستسعى إلى عرقلة أي جهود تهدف إلى وقف الحرب، والانخراط في عملية سلام حقيقية؛ فوقف الحرب يمثل تهديداً لمصالحها ولنفوذها.

إذن، مساعي وقف الحرب وتحقيق السلام ستواجه –على الأرجح– صعوبات وتحديات جمة، وهذا أمر متوقع ومفهوم، فالانتقال من حالة الصراع المسلح والدامي إلى حالة السلام لا يتحقق بسهولة أو بشكل آلي، وإنما يتطلب جهوداً شاقة ومضنية، وصبراً، وأناةً وحكمة، وإحساساً عالياً بالمسؤولية الوطنية، فضلاً عن قدرة كبيرة على احتواء الخلافات، وتقريب وجهات النظر، وجسر الهوة بين الأطراف المتنازعة.

كما أن بناء السلام يحتاج إلى إسناد شعبي ومدني واسع، ودور فاعل من قِبل المثقفين والأكاديميين وقادة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني، بما يسهم في تهيئة البيئة المجتمعية للسلام، والدفع باتجاه تسوية سياسية ترتكز إلى المصالح الوطنية المشتركة، وتضع حداً لدورة الدم والعنف والحرب.

لسنا أمام خيارين: إما الحرب أو “الاستسلام للحوثية”، كما يحاول البعض اختزال المسألة، إنما نحن أمام خيارين مختلفين تماماً: إما أن نستمر في “الحرب المفتوحة”/”حرب بلا نهاية”، حرب تعيد إنتاج نفسها وأسبابها، بما تحمله من دمار وانقسام واستنزاف للدولة والمجتمع، وإما أن نتملك الشجاعة الكافية للبحث عن طريق آخر، طريق يوقف نزيف الدم الوطني، ويستعيد السياسة، ويفتح المجال أمام إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس وطنية عادلة وجامعة.

إننا لا ندعو إلى سلام كيفما اتفق، سلام بأي ثمن، وإنما ندعو إلى سلام عادل وشامل ومستدام؛ سلام لا ينتصر فيه طرف على طرف، وإنما تنتصر فيه الدولة على الفوضى، والسياسة على البندقية، والمواطنة على الهُويات العصبية الضيقة، ومنطق الحياة على منطق الموت.

ختاماً، لا خيار أمام شعبنا سوى اجتراح هذا المسار النضالي، مسار السلام العادل والشامل والمستدام، والسير في دربه بإرادة وطنية صلبة، مهما كانت صعوباته وكلفته؛ فثمن السلام يظلّ أهون وأقل بكثير من ثمن حرب مفتوحة ثبت فشلها الذريع خلال الأعوام الـ11 الماضية، واستنزفت الإنسان والمجتمع والدولة، ولم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة، ولا يبدو أن بمقدورها، وحدها، أن تنهي الانقلاب، وتستعيد الدولة، وتعيد العملية السياسية.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img