صحيفة الثوري – ثقافة
خليل الزكري
تمهيد
لستُ هنا بصدد تحليلٍ منهجيٍّ لسخريتك الساحرة من كل شيء، وفق المناهج النقدية الأدبية، بنيويًا أو تفكيكيًا أو سيميائيًا أو غيرها من المناهج؛ فذلك مقامٌ له أدواته ومسالكه، ويحتاج إلى دراسة مستقلة.
وإنما أقف، في هذه الذكرى، عند رافدٍ واحد من روافد شعرك: رافد السخرية، مستعرضًا بعض عناوينها ووجوهها، ومستشهدًا بأبيات منها؛ لأستعيد شيئًا من هذا الحضور الشعري المتجدد.
السخرية في عناوين القصائد
ها نحن معًا نلج عالم السخرية من باب عناوين القصائد، وسوف نعرّج لاحقًا على شواهد شعرية لبعض أبيات السخرية؛ تلك التي لم ترد لغرض الإضحاك، وإنما لغرض أعمق من هذا التفكّه.
لقد سخرتَ من البنوك، والديوك، والمشايخ والملوك، وسخرتَ من مأساة الملك، ومن مسافر بلا مهمة، ومن مناضل فوق الفراش. وسخرتَ مما آل إليه الوضع العام والمشهد الثقافي في «بين الرجل والطريق» و*«بعد سقوط المكياج».
وسخرتَ من «النقوش في ذاكرة الريح» و«آخر الموت»، وسخرتَ في «حكاية طالب» من حال التعليم، وسخرتَ من «ليليات قيس اليماني»
.
وعلى منوال هذا التدفق الساخر، تمخر بنا دواوينك الشعرية، دون أن نفقد بوصلتك الساخرة.
السخرية في بعض الاستشهادات الشعرية
سبعة وعشرون عامًا، وتتجدد في ذكراك ينابيع عطائك. وأنا هنا لن أسبح في كل تلك الينابيع، بل سأتتبع رافدًا واحدًا يصب فيها؛ إنه رافد الشعر.
فأنت ما تزال حاضرًا: هوًى شعريًا، ومسعىً عروبيًا، وغايةً أمميةً قصوى.
لم تكن حياتك برمتها سوى غديرٍ قضى نحبه في السخرية؛ ليست سخريةَ انطفاء البصر، بل سخريةَ ألق البصيرة. إنها سخرية المبصر في هذا الزمن الأعمى، وسخرية الذكرى المتجددة التي تعود إلينا من ملكوت الخلد.
وهذه السخرية تكاد، في زعمي المتواضع، أن تشكّل الملمح الأبرز في شعرك؛ فالقصيدة الواحدة لا تقف عند سخرية واحدة، بل تتناوج فيها أمواج السخرية، وتتعدد وجوهها، حتى تبلغ مدىً لا يكاد يطاولها فيه أحد.
استقبحتَ النصر حين يكون نصر الأقوياء قائمًا على الجهل بالمبادئ:
وأقبحُ النصرِ نصرُ الأقوياءِ بلا
فهمٍ… سوى فهمِ كم باعوا وكم كسبوا
واستقبحتَ العلم حين يتحول إلى أداة للهيمنة:
أدهى من الجهلِ علمٌ يطمئنُّ إلى
أنصافِ ناسٍ طغوا بالعلمِ واغتصبوا
وسخرتَ من ادعاء التفوق الحضاري:
قالوا: همُ البشرُ الأرقى وما أكلوا
شيئًا كما أكلوا الإنسانَ أو شربوا
وسخرتَ من فظاعة المعرفة، ومما هو أفظع منها:
فضيعُ جهلٍ ما يجري
وأفظعُ منه أن تدري
وسخرتَ من الحكام:
حكّامُنا إن تصدّوا للحمى اقتحموا
وإن تصدّى له المستعمرُ انسحبوا
ومن التبعية السياسية:
الحاكمونَ و«واشنطن» حكومتُهمُ
واللامعونَ… وما شعّوا ولا غربوا
ومن التناقض بين الشموخ الظاهر والتبعية الباطنة:
لهم شموخُ «المثنّى» ظاهرًا ولهم
هوىً إلى «بابك الخرمي» ينتسبُ
وسخرتَ من عجز الحاضر حين يقف أمام أمجاد الماضي:
تسعون ألفًا لـ«عمورية» اتقدوا
وللمنجم قالوا: إننا الشهبُ
واليومَ تسعونَ مليونًا وما بلغوا
نضجًا، وقد عُصرَ الزيتونُ والعنبُ
وجاهرتَ، في سخرية لاذعة، بنصيحتك السيئة لتلك التي تلهث وراء المناصب القيادية، محذرًا من سوء نواي الحاكمين:
فسراويلُ الحاكمينَ تُعاني
رغمَ تبريدها وثوبَ الحرارة
وسخرتَ من عهر الواقع حين يرتقي العهر فيه إلى آخر المرقى:
يرتقي العهرُ على العهرِ إلى
آخرِ المرقى لأنَّ السوقَ عاهر
لأنَّ الشارعَ الشعبيَّ، على
زحمةِ الأهلِ، لغيرِ الأهلِ شاغر
وسخرتَ من «كامب ديفيد»، ومن «بيغن»، ومن لحية السادات، ومن صلوات النفط السفيانية:
وبنى «بيغن» بـ«جيهان» على
لحيةِ «السادات» زفَّ يا مساخر
صلواتُ النفطِ سفيانيةٌ
والمصلّى لحمُ عمّارَ بنِ ياسرِ
وسخرتَ، في قصيدة «لص تحت الأمطار»، من كل شيء، وكانت السخرية الأشد وقعًا تلك التي طالت فنون الإرهاب المتقن:
البنكُ مغالقُهُ أُخرى
تحتاجُ لصوصًا من «لندن»
كلُّ الأموالِ مُسلَّحةٌ
بفنونِ الإرهابِ المتقَنْ
وسخرتَ، في «طلبتُ فطور اثنين»، من الفندق الأموي، ومن صنعاء الجائعة إلى رغيف الأمان:
طلبتُ فطورَ اثنين، قالوا بأنني وحيد
قلتُ: اثنين، إنَّ معي صنعاء
وسخرتَ مع اللص الذي لم يجد سوى الفراغ، ولهاث صعلوك الحروف
ماذا زوجدتٙ سوى الفراغِ
وهرّة تَشْتَمُّ فارهْ
ولهاث صُعلوك الحُروفِ
يصوغ من دمه العِبارهْ
وكسندبادٍ يمني، امتطيتَ ظهر البحور، فإذا بسياط التحقيق تأتي على ظهرك وأنت في مقعده؛ فسخرتَ من المحقق وحكومته:
تحدّيتُ بالأمسِ الحكومةَ مجرمًا
رهنتُ لدى الخبّازِ أمسِ جواربي
وسخرتَ من المخبرين الذين يجمعون فتات يومياتك، لتتحول تلك الملاحقة إلى مأدبة أدبية:
لدينا ملفٌّ عنكَ، شكرًا لأنكم
تصونونَ ما أهملتَهُ من تجاربه
لقد كنتُ أميًا حمارًا وفجأةً
أديبًا مذ طبختم مآدبي
وسخرتَ في ذات القصيدة من الخمّار، ككاتبٍ أدنى إلى هذا السندباد، الذي يكتب حسابه ويبتزّه آخر الشهر، في حين لم يقرأ له شيئًا سوى ضياع أجفانه وحاجبيه:
مَنْ الكاتبُ الأدنى إليكَ؟ ذَكَرْتُهُ
لديهِ كما يبدو، كتابي وكاتبي
لدى مَنْ؟ لدى الخمّارِ، يكتبُ عندَهُ
حسابي، ومَنْهى الشهرِ، يَبْتَزُّ راتبي
قرأتَ لهُ شيئاً؟ كؤوساً كثيرةً
وضَيَّعْتُ أجفاني، لديهِ وحاجبي
وسخرتَ من الموت، ومن الموت حبًّا وحياةً فيه:
أحببتَ؟ لا بلْ مُتُّ حبًّا!!.. مَنْ التي؟
أحببتُ حتى لا أعي، مَنْ حبائبي
وكمْ مُتَّ مراتٍ؟.. كثيراً كعادتي!!
تموتُ وتحيا؟ تلكَ إحدى مصائبي
تلك نماذج من متن أبيات السخرية، صارت شواهدَ على سخريتك التي لا تكاد تُحصى ولا تُعد.
خاتمة
وهكذا تمضي سخريتك في دواوينك، من عنوانٍ إلى بيت، ومن موقفٍ إلى آخر؛ ساخرةً من كل شيء، إلا من الحقيقة.
سبعة وعشرون عامًا على الرحيل، وما زالت تلك السخرية حاضرة؛ لأن البصر انطفأ، أما البصيرة فلم تنطفئ.
رحلتَ عن عالم المبصرين، وبقي شعرك شاهدًا على زمنٍ كان يحتاج إلى شاعرٍ يرى أكثر مما يرى المبصرون.
سبعة وعشرون عامًا في الخلود، وما زلتَ ترى
تعز
30/8/2026

