“صحيفة الثوري” – (تقرير) :
قدّم الحزب الاشتراكي اليمني خلال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، المنعقد بين مارس 2013 ويناير 2014، حزمة من الرؤى السياسية والدستورية تناولت القضية الجنوبية، وهوية الدولة وشكلها، ونظامها الإداري، وأسس الدستور الجديد، وقضية صعدة، وضمانات تنفيذ مخرجات الحوار.
وانطلقت رؤية الحزب من تشخيص الأزمة اليمنية بوصفها أزمة بنيوية في شكل الدولة وطريقة إدارة السلطة والثروة، ترتبط بتعثر صيغة الوحدة الاندماجية والنتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خلّفتها حرب صيف 1994.
وتكشف أوراق الحزب ومواقفه اللاحقة عن مسار سياسي مترابط يبدأ بمعالجة القضية الجنوبية وإزالة آثار الحرب، ويمر بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة اتحادية وديمقراطية، وصولًا إلى إنهاء انقلاب جماعة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة واستئناف العملية السياسية.
القضية الجنوبية وجذورها
في رؤيته المقدّمة إلى فريق القضية الجنوبية، أعاد الحزب جذور القضية إلى حرب 1994 وما ترتب عليها من إنهاء الشراكة الوطنية بين الشمال والجنوب، وإقصاء الحزب الاشتراكي من موقعه شريكًا في دولة الوحدة، وتفكيك مؤسسات الدولة السابقة في الجنوب، وإضعاف بنيتها الإدارية والاقتصادية والقانونية.
وحددت الرؤية ثلاثة مسارات رئيسية شكّلت جذور القضية الجنوبية: إقصاء الحزب الاشتراكي بوصفه طرفًا في اتفاق الوحدة، وتصفية الإرث المؤسسي والمادي للدولة في الجنوب، وتفكيك البنية الوطنية والاجتماعية للجنوبيين.
كما تناولت آثار تسريح عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين، والاستيلاء على الأراضي والممتلكات، وتفكيك مؤسسات القطاع العام والتعاونيات، وتحويل موارد الجنوب إلى مجال للنفوذ والاستحواذ من جانب مراكز القوى التي برزت بعد الحرب.
واعتبر الحزب الحراك الجنوبي السلمي تعبيرًا سياسيًا وشعبيًا عن الأوضاع التي أنتجتها مرحلة ما بعد الحرب، ودليلًا على عجز المعالجات الأمنية والإدارية المحدودة عن احتواء قضية ذات أبعاد سياسية ووطنية عميقة.
ودعت الرؤية القوى المشاركة في الحوار إلى مراجعة أدوارها في حرب 1994 وممارسة نقد ذاتي يفتح الطريق أمام المصالحة والعدالة. وأشار الحزب في هذا السياق إلى المراجعات النقدية التي أجراها لتجربته السياسية واعتذاره عن الأخطاء والانتهاكات التي ارتبطت بمراحل سابقة.
دولة اتحادية وشراكة متكافئة
اقترح الحزب الانتقال إلى دولة اتحادية تضمن إعادة بناء الشراكة الوطنية على أسس جديدة، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، ومنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها.
وتمسّك الحزب بصيغة دولة اتحادية من إقليمين، شمالي وجنوبي، باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على معالجة اختلال الوحدة واستعادة الجنوب شريكًا سياسيًا متكافئًا. غير أن لجنة تحديد الأقاليم لم تعتمد هذا المقترح، واتجهت لاحقًا إلى تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم.
وربطت رؤية الاشتراكي استمرار الوحدة بقدرتها على تحقيق المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والشراكة الطوعية، ومعالجة المظالم واستعادة الحقوق وإزالة آثار الحرب. ومنحت الرؤية الحل السياسي التوافقي الأولوية، مع توفير ضمانات دستورية ومؤسسية تحول دون إعادة إنتاج المركزية والاستبداد.
هوية الدولة وأسس نظامها السياسي
في ورقته حول هوية الدولة، دعا الحزب إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية، تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية واحترام التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي.
وأكد ضرورة الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة، وضمان الحقوق والحريات العامة، وبناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص بعيدًا عن العصبيات القبلية والمذهبية والمناطقية.
وفي الجانب الإداري، اقترح الحزب نقل صلاحيات واسعة من المركز إلى الوحدات الاتحادية والمحلية، وإعادة بناء الجهاز الحكومي وفق قواعد مهنية، وإخضاع الوظيفة العامة لمعايير الكفاءة والنزاهة، بما يقلص هيمنة شبكات النفوذ على مؤسسات الدولة.
وتؤكد محفوظات برنامج دعم الحوار السياسي أن الحزب قدّم إلى فريق بناء الدولة رؤيتين مستقلتين حول هوية الدولة والنظام الإداري خلال أبريل ومايو 2013. أرشيف وثائق بناء الدولة
العدالة الانتقالية واستعادة الحقوق
احتلت العدالة الانتقالية موقعًا أساسيًا في رؤية الحزب، من خلال الدعوة إلى إنصاف ضحايا الصراعات السياسية والحروب، وكشف الانتهاكات، وإعادة الممتلكات والأراضي المنهوبة، ومعالجة أوضاع المبعدين قسرًا من وظائفهم المدنية والعسكرية.
ورأى الحزب أن المصالحة الوطنية تحتاج إلى معالجة أسباب الصراعات ونتائجها، وإقرار المسؤولية السياسية والأخلاقية عنها، ووضع ضمانات تمنع تكرارها. كما دعا إلى تحويل النقد الذاتي من موقف نظري إلى إجراءات قانونية ومؤسسية تحقق الإنصاف وتعيد الثقة بالدولة.
ضمانات تنفيذ مخرجات الحوار
أولى الحزب أهمية خاصة لضمانات تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار، انطلاقًا من مخاوفه من بقاء التوافقات السياسية نصوصًا غير نافذة. وطالب بآليات مؤسسية ورقابية وجدول زمني ملزم لتنفيذ المخرجات، وإشراك القوى السياسية والاجتماعية في مراقبة المرحلة الانتقالية وصياغة الدستور.
ومع أن الوثيقة النهائية للحوار استوعبت عددًا من المبادئ التي دافع عنها الاشتراكي، وفي مقدمتها الدولة الاتحادية، والمواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، واستقلال القضاء وتوزيع السلطة، فإن مقترحه المتعلق بإقليمين لم يُعتمد.
وتعثر تنفيذ المخرجات مع انهيار العملية الانتقالية وسيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، ثم اندلاع الحرب التي أوقفت المسار الدستوري والسياسي. وتضم وثيقة مخرجات الحوار الوطني القرارات النهائية الصادرة عن المؤتمر في يناير 2014.
الانقلاب الحوثي وتعطيل مشروع الدولة
جاء انقلاب جماعة الحوثيين على السلطة ليقوض المسار الذي كان يفترض أن يقود إلى إقرار الدستور وبناء الدولة الاتحادية وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
وعدّ الحزب الاشتراكي استيلاء الجماعة على مؤسسات السلطة انقلابًا على شرعية الدولة وعلى مشروع بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وانقضاضًا على عملية انتقالية كان الحزب شريكًا فيها ضمن حكومة الوفاق الوطني.
ويرى الحزب أن الانقلاب أعاد إنتاج منطق الجماعة المسلحة على حساب الدولة ومؤسساتها، وأدخل البلاد في حرب مدمرة، وفتح المجال أمام تفكك السلطة وتصاعد الهويات الطائفية والسلالية والمناطقية، كما أدى إلى تهميش الأحزاب والحياة السياسية المدنية.
ومن هذا المنطلق، عمل الحزب، وفق مواقفه المعلنة، مع القوى السياسية الأخرى من أجل إنهاء الانقلاب وسلطات الأمر الواقع، واستعادة الدولة والعودة إلى العملية السياسية، واستكمال المهام التي تعطلت خلال المرحلة الانتقالية.
استعادة الدولة أساس التسوية
يتمسك الحزب بضرورة إنهاء انقلاب جماعة الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها، بوصف ذلك مدخلًا لإعادة بناء الحياة السياسية ومواجهة مشاريع الاستحواذ على السلطة بالقوة.
وترتبط استعادة الدولة، في رؤية الحزب، بإنهاء تعدد السلطات والتشكيلات المسلحة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الدستورية، وبناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية، بما يمنع استخدام السلاح لفرض مشاريع سياسية أو مذهبية خارج الإرادة الشعبية.
وفي الوقت نفسه، لا يفصل الحزب بين استعادة الدولة واستعادة العملية السياسية؛ إذ يتطلع إلى تسوية وطنية شاملة تستند إلى المرجعيات المتوافق عليها، وتستكمل مهام المرحلة الانتقالية، وتعيد الاعتبار للأحزاب والمؤسسات المدنية، وتوفر ضمانات تحول دون تكرار الانقلابات والحروب.
ويضع هذا الموقف السلام في إطار استعادة الدولة وإنهاء أسباب الحرب، بما يضمن ألّا تتحول التسوية إلى تكريس دائم لسلطات الأمر الواقع أو تقاسم للنفوذ بين الجماعات المسلحة على حساب مؤسسات الدولة والمواطنة المتساوية.
القضية الجنوبية في ضوء الحرب
يرى الحزب أن الحرب منذ عام 2014 أفرزت وقائع وقوى سياسية وعسكرية جديدة، خصوصًا في الجنوب، تستوجب تطوير المعالجات التي طُرحت خلال مؤتمر الحوار دون التخلي عن جوهرها.
ولهذا يدعو إلى تخصيص إطار مستقل للقضية الجنوبية في أي مفاوضات سلام مقبلة، على غرار الإطار الخاص الذي حظيت به في مؤتمر الحوار، مع استيعاب القوى الجديدة ومعالجة التطورات التي أحدثتها الحرب.
وتقوم المقاربة على البناء على ما تحقق من اعتراف بطبيعة القضية الجنوبية وأبعادها السياسية والوطنية، مع تحديث الحلول بما يستجيب للأوضاع الراهنة ويضمن مشاركة الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي ضمن تسوية عادلة ومتوافق عليها.
مشروع سياسي يستعيد راهنيته
تكشف مجمل الأوراق التي طرحها الحزب الاشتراكي ومواقفه اللاحقة أن مشاركته في مؤتمر الحوار استندت إلى مشروع متكامل لإعادة تأسيس الدولة اليمنية على قاعدة اتحادية وديمقراطية، وفي قلب هذا المشروع حل عادل للقضية الجنوبية يعالج آثار حرب 1994 ويعيد بناء الشراكة الوطنية.
وقد أضاف الانقلاب الحوثي والحرب تحديًا جديدًا إلى هذا المشروع، جعل استعادة الدولة وإنهاء سلطة السلاح شرطًا لإحياء المسار السياسي وتطبيق المبادئ التي توافق عليها اليمنيون في مؤتمر الحوار.
وبهذا المعنى، تترابط رؤية الحزب لحل القضية الجنوبية مع موقفه من الانقلاب الحوثي ضمن مشروع سياسي واحد: إنهاء الانقلاب، واستعادة الدولة ومؤسساتها، ومعالجة آثار الحروب، وإعادة تأسيس الشراكة الوطنية على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
ويظل الحوار سبيلًا للوصول إلى السلام، فيما يمثل إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة الضمانة الضرورية لقيام تسوية وطنية تعيد القرار إلى المؤسسات والإرادة الشعبية، وتفتح الطريق أمام دولة مدنية اتحادية ديمقراطية تتسع لجميع اليمنيين.


