“صحيفة الثوري” – (رأي):
أحمد حرمل
ليست نظرية المؤامرة مجرد وهم عابر يمر على بال أحدهم في لحظة ضيق، ولا هي هاجس فردي يختفي بانكشاف الحقيقة.
إنها، في واقعنا العربي الراهن، ثقافة متغلغلة، ونسيج فكري يمتد في وجدان الجماعة، يتغذى من الإحباط وينمو على أنقاض الثقة.
ثقافة تفسر كل حدث، وتبرر كل فشل، وتقدم لنا دوما كبش فداء نرمي عليه أحمال عجزنا وأخطاءنا.
وهي ليست ثقافة واحدة، بل ثلاث ثقافات متداخلة، كل منها يضرب في عمق حياة الفرد والجماعة، في السياسة والدين والعلاقات البشرية، وكلها تفضي إلى هدم ما تبقى من جسور التواصل بين الناس.
في السياسة، تتحول إلى أداة تخوين، فلا يبقى رأي مخالف إلا وحمل صفة الخيانة، ولا موقف مختلف إلا وقيل عنه عمالة.
وفي الدين، تأخذ ثوب القداسة، فتصبح الاختلافات الفقهية ضلالا، والاجتهادات بدعا، والتجديد خروجا عن الجادة، وتتكاثر الفرق التي تدعي أنها الفرقة الناجية الوحيدة، وتكفر الأخرى، وتضللها، وتغلق باب الحوار باسم العقيدة.
وفي الحياة الشخصية، تصبح علاقاتنا ساحة شك وتربص، فنحن نرى في تأخر الصديق مؤامرة، وفي اختلاف القريب خيانة، وفي صمت الجار حسدا، فنحول الحياة إلى معركة، والناس إلى أعداء، ونحن إلى قتلة لأنفسنا قبل أن نقتل علاقاتنا.
وهكذا تنهار الثقة، ويتحطم النسيج الاجتماعي، ويضيع الوطن بين فئتين لا ثالث لهما: نحن الأبرار، وهم المفسدون.
فتصير السياسة انتقاما، والدين غلوا، والحياة جحيما، لأننا اخترنا الظن على الدليل، والشك على اليقين، وسجن المؤامرة على فضاء الحقيقة المكشوفة.
في خضم واقعنا العربي المثقل بالجراح، لم تعد نظرية المؤامرة مجرد وسوسة تعتمر رأس هنا أو هناك، بل صارت ثقافة نافذة، بل مذهبا فكريا يفسر به كل شيء، ويبرر به كل فشل، ويعلق عليه كل عجز.
إنها عدسة سوداء نرى بها العالم، فنحول الأحداث إلى مؤامرات، والمواقف إلى مكائد، والعلاقات الإنسانية إلى ساحات صراع مكشوفة.
وفي لحظات المصير، حين ترتج الأرض تحت أقدام الأمم، تتفاقم هذه الثقافة، وتقترن بتوأمين شريرين لا يفترقان:
أولهما: ثقافة التخوين، فلا رأي مخالف إلا وهو خيانة، ولا اجتهاد إلا وهو عمالة، ولا صمت إلا وهو تواطؤ.
يتحول الحوار إلى محكمة، وتصبح القناعات هويات، ويصبح المخالف في نظر الآخر خائنا يستحق الرجم لا النقاش.
وهذا التخوين، في أشد صوره تعقيدا، لا يقف عند حدود السياسة والمواقف العابرة، بل يتسرب إلى صميم العقيدة والمنهج، لا سيما في سياق الجماعات الإسلامية.
هنا يتحول الخلاف الفقهي أو الفكري إلى ضلال يستوجب الوعيد، وتدعي كل جماعة أنها الفرقة الناجية وحدها، وما سواها في النار.
ولا يقتصر الأمر على مجرد الادعاء، بل يتجاوزه إلى فتاوى التكفير التي تخرج المخالف من الملة، وإلى اتهامات بالبدعة والضلال تلاحق كل محاولة للتجديد أو الاجتهاد.
ففي هذا المناخ الفكري المغلق، يصبح كل رأي جديد بدعة، وكل سعي لتطوير الخطاب الديني خروجا على الجادة، وكأن باب الاجتهاد قد أغلق إلى الأبد، وكأن حقيقة الدين قد حشرت في جيب فئة دون غيرها.
فتتحول رسالة الرحمة إلى أداة إقصاء، ويفقد الاختلاف شرعيته الطبيعية ليصبح ذنبا لا يغتفر، وكأن الله تعالى لم يخاطب الناس بعقولهم، بل خاطب جماعة بعينها.
ثانيهما: ثقافة الكراهية، فتتحول الخصومة السياسية إلى عداء شخصي عضاض، وينقسم الوطن إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكر نحن الأبرار، ومعسكر هم المفسدين.
وهنا يموت المعنى، وتذوي القيم، ويصبح الانتماء للوطن مجرد شعار يرفعه كل فريق ليضرب به الآخر.
وهنا تكون النتيجة؟ مجتمع لا يتناقش، بل يتصارع؛ لا يبني، بل يهدم؛ لأن العقل فيه غائب، والدليل مغيب، والظن هو الحاكم الأوحد.
وكأننا نرقص على جثة الحقيقة، كل يلونها بما يشتهي، وكل يحكم عليها بالخيانة إن لم تتوافق مع نزواته.
أما على المستوى الشخصي، فالمأساة أعمق، والجرح أغلظ. فتأخر زميلك عن موعد؟ مؤامرة! اختلاف صديقك معك في الرأي؟ فهو يخطط في الخفاء ضدك! صمت قريبك وعدم سؤال عنك؟ فهو يبغضك ويحسدك!
وهكذا، ننزلق من خصومة إلى قطيعة، ومن قطيعة إلى انتقام، وكل ذلك لأننا اخترنا أن نعيش في سجن أكيد وراءها شيء، بدلا من أن نواجه الحقيقة العارية المتمثلة بأن الخطأ أحيانا مجرد خطإ، والتقصير تقصير، والاختلاف طبيعة بشرية لا تلام، وأن الدنيا ليست كلها مؤامرات تحاك في غرف مظلمة.
نظرية المؤامرة مريحة، لا شك، لأنها تعفينا من عناء المسؤولية، وترفع عنا تبعات الفشل، وتزيح اللوم عن سوء التدبير.
لكنها، في العمق، قاتلة تقتل الثقة بين الناس، وتذبح العلاقات الإنسانية، وتفتت الأوطان، وتهدم ما تبقى من جسور المحبة بين أبناء الوطن الواحد.
إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة ماسة إلى ثقافة الدليل لا الظن، وثقافة الحوار لا التخوين، وثقافة الإنصاف لا الكراهية.
فلنعد بناء العقل العربي على أسس من نور، ولننفض عنا غبار الشك، ولنفتح قلوبنا للحقيقة مهما كانت مرة، فإن الوطن الذي يحكمه الظن ينهار، والإنسان الذي يسكنه الانتقام يموت، وهو بعد يتنفس.

