صحيفة الثوري- كتابات
علاء توفيق
تتزايد المؤشرات على أن العلاقة بين إسرائيل وصوماليلاند تتجه إلى ما هو أبعد من الاعتراف السياسي والتواصل الدبلوماسي، في توقيت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ سنوات. فالتصعيد المتبادل بين إسرائيل وإيران، واستمرار انخراط الحوثيين في المواجهة من خلال الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أعادا رسم خريطة الاهتمام الإقليمي حول البحر الأحمر وخليج عدن، وأضفيا أهمية إضافية على المناطق المطلة على باب المندب، بما فيها صوماليلاند الواقعة على الضفة المقابلة مباشرة للسواحل اليمنية.
وخلال الأشهر الماضية، لم تعد هرجيسا حاضرة في الأخبار باعتبارها إقليمًا يسعى إلى انتزاع اعتراف دولي باستقلاله فحسب، وإنما باعتبارها طرفًا قد يكتسب دورًا في ترتيبات أمنية أوسع تتصل بالمواجهة الدائرة بين إسرائيل وإيران. وقد تعزز هذا الانطباع بعد تقارير إعلامية غربية تحدثت عن احتمال استفادة إسرائيل من مواقع داخل صوماليلاند في إطار ترتيبات لوجستية مرتبطة بعملياتها بعيدة المدى. ورغم أن هذه المعلومات لم تحظ بتأكيدات رسمية، فإنها تعكس حجم الاهتمام المتزايد بالموقع الجغرافي الذي يشغله الإقليم عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وجاء الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في ديسمبر 2025 ليمنح هذه العلاقة بعدًا سياسيًا غير مسبوق. فإسرائيل أصبحت أول دولة تعترف رسميًا بالإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991، وهو قرار أثار اعتراضات من الحكومة الفيدرالية الصومالية ومن أطراف إقليمية وإفريقية رأت فيه مساسًا بوحدة الأراضي الصومالية. ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات بين الجانبين تطورًا متسارعًا، شمل زيارات متبادلة وحديثًا عن تبادل التمثيل الدبلوماسي وافتتاح سفارات.
في الظروف العادية، ربما كان يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءًا من سعي صوماليلاند الطويل للحصول على اعتراف دولي، غير أن توقيتها يمنحها أبعادًا إضافية. فالمنطقة تشهد في الوقت نفسه تصعيدًا بين إسرائيل وإيران تجاوز حدود الحرب غير المباشرة التي سادت خلال السنوات الماضية. كما أن البحر الأحمر بات أحد مسارح هذا الصراع بعد دخول الحوثيين على خط المواجهة بصورة أكثر وضوحًا منذ اندلاع الحرب في غزة.
فالجماعة أعلنت انخراطها ضمن ما تصفه بمحور المقاومة، ونفذت عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل. كما أعلنت استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل ومنع مرورها عبر باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الدولية ودفع شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن المنطقة. وبغض النظر عن تقييم نتائج هذه العمليات، فإنها ساهمت في نقل جزء من المواجهة الإقليمية إلى الممرات البحرية المحيطة باليمن.
وفي الوقت ذاته، صدرت عن مسؤولين إيرانيين خلال فترات التصعيد الأخيرة إشارات إلى إمكانية إغلاق أو تعطيل بعض الممرات البحرية إذا اتسعت المواجهة العسكرية مع إسرائيل وحلفائها. ورغم أن تنفيذ مثل هذه التهديدات يظل مرتبطًا بحسابات سياسية وعسكرية معقدة، فإنها تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الجغرافيا البحرية في الصراع الدائر. فالمواجهة لم تعد مقتصرة على تبادل الضربات العسكرية، وإنما أصبحت تشمل طرق التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
ضمن هذا السياق، تكتسب صوماليلاند أهمية تتجاوز حجمها السياسي. فمدينة بربرة تقع في موقع يتيح الإشراف على جزء مهم من حركة الملاحة المتجهة نحو باب المندب والبحر الأحمر. كما أن الميناء والمطار هناك شهدا خلال السنوات الأخيرة أعمال تطوير واسعة أثارت اهتمام مراقبين وخبراء أمنيين. ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تؤكد وجود قاعدة إسرائيلية أو ترتيبات عسكرية معلنة بين الطرفين، إلا أن الموقع الجغرافي وحده كفيل بجعل المنطقة محل اهتمام من القوى المنخرطة في الصراع.
ومن غير المستبعد أن تنظر إسرائيل إلى الضفة الإفريقية المقابلة لليمن باعتبارها ذات أهمية متزايدة لأمنها البحري، خاصة بعد أن أصبحت حركة السفن المرتبطة بها عرضة للاستهداف في البحر الأحمر. كما قد ترى في توسيع شبكة علاقاتها في القرن الإفريقي وسيلة لتعزيز حضورها بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
في المقابل، قد تنظر إيران والحوثيون إلى هذه التطورات من زاوية مختلفة. فكل توسع محتمل للحضور الإسرائيلي قرب باب المندب قد يُقرأ باعتباره جزءًا من ترتيبات أمنية تستهدف تقليص نفوذ طهران وحلفائها في المنطقة. ومن ثم، فإن أي تقارب أمني بين إسرائيل وصوماليلاند قد يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلات الردع والضغط المتبادل القائمة أصلًا في البحر الأحمر.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن صوماليلاند تتجه نحو التحول إلى ساحة مواجهة مباشرة. فما يزال من المبكر الجزم بمسار العلاقة بين الجانبين، كما أن كثيرًا من المعلومات المتداولة حول طبيعة التعاون الأمني أو العسكري بينهما تعتمد على تسريبات وتقارير صحفية أكثر من اعتمادها على بيانات رسمية. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الاحتمالات يعكس حجم التحول الذي طرأ على البيئة الأمنية المحيطة بخليج عدن.
وبالنسبة لليمن، تبدو أهمية هذه التطورات أكبر مما قد توحي به المسافة الجغرافية القصيرة الفاصلة بين الضفتين. فالسواحل اليمنية وصوماليلاند تقعان ضمن فضاء بحري واحد، وأي تغير في موازين القوة على إحدى الضفتين ستكون له انعكاسات على الأخرى بصورة أو بأخرى. كما أن اليمن يجد نفسه اليوم في قلب التفاعلات المرتبطة بأمن الملاحة الدولية، سواء بسبب موقعه الجغرافي أو بسبب الدور الذي بات الحوثيون يؤدونه في الصراع الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد أن يتعامل مجلس القيادة الرئاسي مع هذه التحولات بوصفها جزءًا من ملف الأمن القومي اليمني. فالقضية لا تتعلق فقط بالعلاقة بين إسرائيل وصوماليلاند، ولا بالمواجهة بين إسرائيل وإيران، وإنما بمستقبل الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب، وهي ترتيبات ستؤثر بصورة مباشرة على اليمن ومصالحه الاقتصادية والسياسية.
وقد تبرز الحاجة إلى حضور دبلوماسي يمني أكثر نشاطًا في النقاشات الإقليمية المتعلقة بأمن البحر الأحمر، وإلى تطوير رؤية واضحة تجاه التحولات الجارية على الضفة الإفريقية المقابلة. فخلال السنوات الماضية، تراجع الدور اليمني في كثير من الملفات المرتبطة بالممرات البحرية نتيجة الحرب والانقسام الداخلي، في وقت ازدادت فيه أهمية هذه الملفات بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية.
كما أن استمرار المواجهة بين إسرائيل وإيران قد يدفع مزيدًا من الأطراف إلى البحث عن موطئ قدم أو شراكات جديدة في المناطق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن. وإذا حدث ذلك، فقد تتحول المنطقة إلى مسرح لتنافس أوسع يتجاوز الأطراف المنخرطة حاليًا في الصراع.
وهنا، لا يمكن الجزم بأن صوماليلاند تتجه لتصبح جزءًا من البنية الأمنية الإسرائيلية في البحر الأحمر، كما لا يمكن تأكيد أن التقارب الحالي سيقود إلى ترتيبات عسكرية طويلة الأمد. غير أن المؤشرات المتراكمة خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن الإقليم يكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة والمواجهة بين إسرائيل وإيران.
وبالنسبة لليمن، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه التحولات ستؤثر عليه، وإنما كيف يمكنه التعامل معها، فالتطورات الجارية على الضفة المقابلة من خليج عدن تبدو مرشحة لأن تصبح جزءًا من المشهد الأمني للبحر الأحمر خلال السنوات المقبلة، وهو مشهد يصعب على اليمن البقاء خارجه بحكم الجغرافيا والموقع والمصالح المرتبطة بأحد اهم الممرات البحرية في العالم.

