“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د. محمد علي قحطان
تأسست جامعة تعز من فروع لكليات جامعة صنعاء، وتحديداً: التربية، والعلوم، والآداب، والتجارة. إذ كانت فروع هذه الكليات تتبع جامعة صنعاء حتى عام 1992م، وذلك بموجب القرار الجمهوري رقم (44) لعام 1992م بشأن إنشاء جامعة تعز. إلا أن هذا القرار لم يُنفذ فوراً، إذ بقي معلقاً حتى عام 1995م، بعد أن تم تعيين أول رئيس للجامعة بموجب القرار الجمهوري رقم (151) لسنة 1995م.
ولذلك يمكن اعتبار أول عام دراسي لجامعة تعز ككيان مستقل هو العام الدراسي 1995/1996م.
حالياً توجد في الجامعة كليات: التربية، والعلوم التطبيقية، والآداب، والعلوم الإدارية، والحقوق، والهندسة وتقنية المعلومات، والطب والعلوم الصحية، وطب الأسنان. كما يتبعها فرع في مدينة التربة، وآخر في منطقة الحوبان، وكلية تربية في منطقة مخلاف، مديرية شرعب السلام.
كما أنشأت الجامعة العديد من المراكز وفي مجالات مختلفة، وتتضمن الكليات والمراكز العديد من الأقسام التخصصية والأنشطة التعليمية والتدريبية وغيرها من الأعمال الأكاديمية.
إلا أن الملاحظة الرئيسية على الكم الهائل من الوحدات التابعة للجامعة، يُؤخذ على مخرجاتها الضعف الشديد بسبب عشوائية الأنشطة وغياب عنصر التخطيط الاستراتيجي المتوافق مع واقع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في المحافظة، إذ إن مخرجات الجامعة في وادٍ، واحتياجات سوق العمل والتنمية في وادٍ آخر.
الأمر الذي يراكم أعداداً هائلة من الطلبة في تخصصات علمية وأخرى أدبية لا توجد لهم فرص عمل في اليمن، فيكون مصيرهم الضياع في مسارات مختلفة، مع غياب كلي لدور الدولة بفعل استمرار الحرب وآثارها المدمرة للأرض والإنسان.
واستناداً إلى وظائف الجامعة الثلاث، حسب أدبيات الإنشاء: التعليم، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، فإننا فيما يلي نعرض واقع هذه الوظائف على النحو الآتي:
أولاً: وظيفة التعليم:
أ) من ناحية النوعية:
تجمع الكثير من الدراسات في هذا المجال، ومنها دراسة قام بتنفيذها فريق من الأكاديميين العاملين في جامعة تعز، وكنت أحدهم، بتكليف من مركز البحوث ودراسات الجدوى التابع لجامعة تعز قبل الحرب الحالية، والمتوقف نشاطه منذ بداية حرب 2015م، على أن ما تقدمه الجامعة من مخرجات التعليم لا يتوافق مع سوق العمل ولا مع واقع التنمية في المحافظة.
وتؤكد بعض هذه الدراسات أن مخرجات التعليم الجامعي تشكل أهم أعباء التنمية، إذ يتخرج من الجامعة آلاف الطلاب من مختلف التخصصات.
وقد بينت الدراسات أن خريجي كليات العلوم الإنسانية يشكلون نسبة تتجاوز 74% من إجمالي خريجي الجامعة، بما يشير إلى أن خريجي الكليات النظرية يضيفون إلى سوق العمل أعداداً كبيرة من الخريجين، وليس أمامهم فرص عمل، الأمر الذي يعتبر أحد العوامل الرئيسية لارتفاع معدلات البطالة بين الشباب من خريجي الجامعات.
كما تبين الدراسات أن جامعة تعز، وكذا الجامعات الأهلية العاملة في محافظة تعز، تفتقر إلى الكثير من الأقسام العلمية المهمة التي يحتاجها سوق العمل والتنمية المحلية.
ومن هذه الأقسام التخصصية: التربية الرياضية، والتربية الموسيقية، وتعليم الكبار، وعلوم البيئة، وعلوم الفلك والأرصاد، والعلوم الزراعية، والعلوم البحرية، والصحة البيطرية، والهندسة المعمارية والمدنية، وعلوم الأورام… وغيرها.
ويبين ذلك وجود فجوة كبيرة بين ما تقدمه الجامعة من تعليم وتأهيل، واحتياجات سوق العمل والتنمية المحلية.
ب) من ناحية القدرة الاستيعابية:
تؤكد الدراسات التطبيقية في هذا المجال أن جامعة تعز الحكومية، بكل تخصصاتها وفروعها المتاحة بنظام التعليم العام والتعليم على النفقة الخاصة، تستقبل فقط نسبة لا تتجاوز 24% من إجمالي خريجي الثانوية العامة في المحافظة.
بما يشير إلى أن نسبة حوالي 76% من خريجي الثانوية العامة في المحافظة تُصد في وجوههم مواصلة التعليم التخصصي في الجامعة وفروعها ومراكزها.
الأمر الذي يؤدي إلى الآتي:
• البحث عن مواصلة التعليم في الجامعات والمعاهد والمراكز الخاصة، وهي – حسب المشاهدة والتقارير والدراسات – غير مؤهلة بأدنى معايير التعليم الجامعي، وتكلفة التعليم فيها باهظة للغاية.
• النزوح إلى جامعات أخرى في المحافظات اليمنية بعيداً عن الأهل، الأمر الذي يضاعف تكلفة مواصلة التعليم بعد الثانوية العامة.
• ترك التعليم والخروج إلى سوق العمل دون التأهيل التخصصي.
وكل ذلك يشكل بيئة اجتماعية مناسبة لما يُلاحظ من الانحرافات السلوكية والنفسية للشباب، والالتحاق بجماعات العنف والتطرف والتشكيلات العسكرية المليشياوية، بما في ذلك الهجرة بطرق غير مشروعة وخطرة، غالباً ما تنتهي بمآسٍ في مناطق العبور الدولية وعند الوصول إلى مجتمعات غريبة والإقامة بصورة غير مشروعة.
ثانياً: وظيفة البحث العلمي:
تشير الدراسات المشار إليها سابقاً إلى غياب كلي لدور الجامعة في مجال البحث العلمي، ومن بين مخرجات البحوث والدراسات التي يعدها طلبة الدراسات العليا وغيرهم، تؤكد ما يلي:
• عدم وجود رؤية علمية للجامعة في مجال البحث العلمي.
• عدم وجود خطط وبرامج بحثية متصلة بالتنمية المحلية.
• غياب شبه تام لمخصصات مالية موجهة للبحث العلمي.
• لا توجد آليات لتواصل الجامعة مع المجتمع، وبالأخص شركاء التنمية (الحكومة، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني).
ويلاحظ بوضوح تام أن كل ما يخرج من الجامعة من بحوث ودراسات وأنشطة علمية عبارة عن جهود فردية، معظمها لأجل الترقيات العلمية والوظيفية.
ثالثاً: وظيفة خدمة المجتمع:
تبين الدراسات، سواء التي يعدها أعضاء هيئة التدريس لأغراض الترقية أو التقارير الطلابية، أن الجامعة ليست مؤهلة تنظيمياً وإدارياً للقيام بهذه الوظيفة.
إذ لا يوجد في الهيكلية الإدارية والتنظيمية للجامعة ما يشير إلى وحدات خاصة لإدارة وظيفة خدمة المجتمع.
وبالرجوع إلى أدبيات الجامعة يلاحظ بوضوح تام ما يلي:
• لا يوجد للجامعة رؤية علمية لأداء هذه الوظيفة.
• لا توجد أي خطط أو برامج سنوية في مجال خدمة المجتمع.
• لا توجد أي مخصصات مالية محددة لأداء وظيفة خدمة المجتمع.
• لا توجد أية روابط أو آليات تربط الجامعة بأنشطة المجتمعات المحلية الاقتصادية والاجتماعية.
فالجامعة بعيدة تماماً عن مؤسسات الدولة في المحافظة، سواء القطاع العام أو الخاص أو منظمات المجتمع المدني.
وبناءً على ما سبق، نوصي الحكومة ممثلة بوزارة التعليم العالي، بالاقتراب من واقع الجامعات اليمنية، وبصورة محددة العمل بما يلي:
1) تفعيل العمل بقانون الجامعات اليمنية ولائحته التنفيذية، حتى يتم إعادة بناء الجهاز الإداري والتنظيمي حسب الآليات المبينة بالقانون، ووضع حد للعشوائيات التي تدار بها الجامعات، ومواجهة الاختلالات القانونية والفساد.
2) إعداد خطط لإنشاء المباني والتجهيزات التي تحتاجها الجامعات، إذ إن بعض الجامعات تعمل بمبانٍ مؤقتة تفتقر إلى التجهيزات اللازمة لأداء وظائفها.
كما ينبغي أن يكون للجامعات مجمعات سكنية خاصة بأعضاء هيئة التدريس وكذلك بالطلبة، ودور ضيافة، وصالات متعددة الأغراض للمؤتمرات والفعاليات العلمية المختلفة، ومبانٍ كافية لجهازها الإداري والتنظيمي، وكذلك صالات للأنشطة الطلابية المختلفة، بما في ذلك الأنشطة الرياضية.
ويمكن ذلك من خلال استثمار الفرص المتاحة للجامعات في مجال الاستثمار في الخدمات الطلابية، والخدمات المقدمة للمجتمع، ومشروعات عديدة متاحة يمكن استغلالها بالشراكة مع القطاع الخاص.
3) استحداث الكليات والأقسام العلمية التي تتوافق مخرجاتها مع حاجة التنمية.
4) مواجهة الاختلالات فيما استُحدث من أنظمة التعليم، كالتعليم الموازي والتعليم على النفقة الخاصة والتعليم عن بعد، بحيث تُفعّل قدرات الجامعات غير المستغلة وتحويل الجامعات إلى ورش أعمال أكاديمية طيلة اليوم، ويكون التعليم بنظام واحد فقط وهو نظام التعليم العام.
إذ إن الجامعات اليمنية تهدر الكثير من الإمكانيات والوقت المتاح، فقد أصبحت الجامعات لا تختلف عن المدارس بصورة عامة، بأداء روتيني يومي بوقت محدود في اليوم، ومعظم الأوقات مغلقة.
5) استحداث قطاع خدمة المجتمع ضمن قطاعات العمل التنظيمي والإداري في الجامعات، إذ لا يوجد في الهيكلية التنظيمية والإدارية للجامعات، ومنها جامعة تعز، قطاع لإدارة وظيفة خدمة المجتمع إلى جانب قطاعات: شؤون الطلاب، والشؤون الأكاديمية، وشؤون الدراسات العليا والبحث العلمي، والأمانة العامة للجامعة.

