“صحيفة الثوري”:
شهدت ندوة افتراضية موسعة إطلاق ورقة تحليلية بعنوان «هندسة السلام في اليمن»، ناقشت جذور تعثر مسارات المصالحة اليمنية وإمكانيات بناء سلام مستدام قائم على العدالة الانتقالية والشراكة المجتمعية وإعادة تصميم مؤسسات الدولة، بمشاركة أكاديميين وباحثين وفاعلين في المجتمع المدني.
ونُظمت الندوة من قبل منتدى سفراء العدالة الانتقالية ضمن مشروع «سبارك» الذي تنفذه رابطة أمهات المختطفين بالشراكة مع منظمة سام للحقوق والحريات، وبتمويل من معهد «دي تي»، حيث أكد المشاركون أن اليمن عاشت عقوداً من الصراعات المتشابكة والتسويات المؤقتة التي أعادت إنتاج العنف بدلاً من معالجته بصورة جذرية.
واستعرضت الورقة التحليلية مسار المصالحات اليمنية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، متتبعة الأسباب البنيوية التي قادت إلى فشلها، وفي مقدمتها ضعف مؤسسات الدولة، وغياب العقد الاجتماعي الجامع، واستمرار الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، إلى جانب تأثير التدخلات الإقليمية والدولية على القرار الوطني.
كما تناولت الورقة ما وصفته بـ«مثلث الموت» الذي يهدد أي عملية سلام، والمتمثل في النخب المستفيدة من المحاصصة، واقتصاد الحرب المرتبط باستمرار النزاع، والتدخلات الخارجية التي تعيد تشكيل العملية السياسية وفق مصالحها.
وأكدت الورقة أن العدالة الانتقالية تمثل مدخلاً أساسياً لمنع تكرار الانتهاكات وإغلاق ملفات الماضي، داعية إلى إشراك النساء والشباب والضحايا والمجتمعات المحلية كشركاء حقيقيين في صناعة السلام، وليس كأطراف هامشية في العملية السياسية.
وفي الندوة، أوضح الدكتور محمد المخلافي أن شكل الدولة ظل أحد أبرز جذور الصراع منذ قيام الوحدة اليمنية، مشيراً إلى أن غياب التطبيق الفعلي لمبادئ اللامركزية أسهم في تعميق التهميش وتركيز السلطة والثروة. واعتبر أن مخرجات الحوار الوطني ومسودة الدستور تمثلان أرضية مناسبة لبناء دولة اتحادية قائمة على المواطنة وسيادة القانون.
وشدد المخلافي على أن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تهدف إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات، مؤكداً أن أي انتقال سياسي مستدام يتطلب معالجة جذور الصراع وتحقيق المصالحة المجتمعية.
من جانبها، تناولت الناشطة هدى الصراري دور المجتمع المدني في مسارات السلام، معتبرة أن إشراكه في التجارب السابقة كان شكلياً ومحدود التأثير، في ظل غياب صلاحيات حقيقية للرقابة والمساءلة. وأكدت أهمية بناء تحالفات رقابية مستقلة تستند إلى حضور فعلي داخل المجتمعات المحلية وتعزز الثقة المجتمعية.
كما دعت الصراري إلى إعادة تصميم طاولات التفاوض بما يتيح مشاركة حقيقية للنساء والشباب والاستفادة من خبراتهم المتراكمة خلال سنوات الحرب، مشيرة إلى أن الشباب اليمني يمتلك وعياً سياسياً متقدماً لكنه لا يزال بعيداً عن دوائر صنع القرار.
بدوره، ركز الباحث عاتق جار الله على أهمية بناء منصات ومراكز معرفية وطنية تدعم صناعة القرار، مشيراً إلى الحاجة لإنتاج خرائط للنزاعات ومؤشرات للهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تطوير المناهج الجامعية وإدماج مفاهيم السلام والمواطنة والعدالة الانتقالية ضمن العملية التعليمية.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن تحقيق السلام في اليمن يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة والشراكة وسيادة القانون، بعيداً عن التسويات الهشة والمحاصصات السياسية التقليدية.

