صحيفة الثوري – (رأي)
عبدالعالم عبدالجليل
تظل الشعوب حقيقة التاريخ الممتدة، فيما تتعاقب السلطات وتتغير أنظمة الحكم وتتبدل موازين القوة. فالشعب هو مصدر الشرعية السياسية، وهو الذي يتحمل نتائج القرارات والسياسات العامة، بينما يظل الحكم مسؤولية مؤقتة، مهما طال البقاء في السلطة أو اتسع النفوذ. ومن هنا، ينبغي أن تقوم العلاقة بين الشعب والسلطة على الإرادة الشعبية والمساءلة واحترام الحقوق، لا على التبعية والخضوع.
تستمد السلطة شرعيتها من إرادة الشعب، وتُقاس مسؤوليتها بقدرتها على حماية حقوق المواطنين، وصون كرامتهم، وتحقيق مصالحهم، وتحسين ظروف حياتهم. فالحكم تكليف عام، وليس امتيازًا شخصيًا أو ملكية خاصة يتوارثها أصحاب النفوذ. والسلطة التي تدرك طبيعة مسؤوليتها تحترم إرادة المواطنين، وتخضع للمساءلة، وتقبل التداول السلمي للحكم. أما تحويل السلطة إلى غاية في ذاتها، فيجعل الحفاظ على النفوذ مقدمًا على مصالح المجتمع، ويُفرغ الحكم من وظيفته الأساسية المتمثلة في خدمة الناس وإدارة شؤونهم بما يحقق المصلحة العامة.
وتكمن خطورة الاستبداد في اعتقاد من يمتلكون السلطة أن القوة تمنحهم حقًا دائمًا في الحكم، وأن السيطرة على مؤسسات الدولة وأدوات الإكراه تكفي لإخضاع المجتمع وإسكات إرادته. فالقوة قد تفرض السيطرة، لكنها لا تكفي وحدها لإقامة شرعية سياسية مستدامة، والخوف قد يدفع الناس إلى الصمت، لكنه لا يعبر بالضرورة عن رضاهم. أما الثقة الحقيقية فتنشأ من حرية الاختيار واحترام الحقوق والعدالة في إدارة الشأن العام. وكلما اتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع وتراجعت المشاركة السياسية، تحولت العلاقة بين الحاكم والمحكوم من علاقة مسؤولية ومحاسبة إلى علاقة هيمنة وإقصاء.
إن الشعب ليس جمهورًا للتصفيق، ولا أداة لتبرير قرارات تُتخذ بعيدًا عن إرادته، ولا رعايا ينتظرون ما تمنحه لهم السلطة. إنه صاحب الحقوق السياسية والمدنية، ومن حق المواطنين المشاركة في إدارة شؤونهم العامة، واختيار من يتولى الحكم، ومحاسبته، وتغيير السلطة بالوسائل الدستورية والسلمية. وتترسخ هذه الحقوق من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وتعددية سياسية حقيقية، ومؤسسات مستقلة وفاعلة، وقضاء عادل، وحريات مصونة، بما يجعل تداول السلطة قاعدة للحياة السياسية، لا منحة من الحاكم ولا نتيجة لفرض القوة.
ولا تُقاس قوة الأنظمة السياسية بطول بقائها في الحكم، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، وضمان الحقوق، وتحقيق العدالة، وإتاحة التداول السلمي للسلطة. فالدولة القائمة على المؤسسات والقانون تستطيع مواصلة أداء وظائفها رغم تغير الحكام، بينما يظل الحكم المرتبط بالأشخاص ومصالحهم عرضة للأزمات كلما اهتزت مواقعهم أو تبدلت موازين القوة. والفارق جوهري بين سلطة تبني مؤسسات تحمي المجتمع وتصون مصالحه، وأخرى تسخّر مؤسسات الحكم ومقدرات البلاد لضمان استمرارها.
وفي اليمن، تكتسب هذه الحقيقة أهمية مضاعفة في ظل سنوات الصراع والانقسام وغياب مؤسسات الدولة الجامعة القادرة على التعبير عن الإرادة الشعبية، في وقت تفرض فيه سلطات الأمر الواقع نفوذها خارج إطار الدولة المؤسسية الجامعة. وقد تحمل المواطنون أعباء جسيمة نتيجة صراعات السلطة والنفوذ، وتراجعت مصالحهم أمام حسابات القوى المتنافسة، فيما ظلت الحاجة قائمة إلى بناء دولة مؤسساتية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والديمقراطية والتعددية السياسية. ولا يمكن تجاوز واقع الانقسام بإعادة إنتاج منطق الاستحواذ على الحكم أو استبدال سلطة بأخرى من دون تغيير قواعد الممارسة السياسية؛ فالخروج من دوامة الصراع يقتضي جعل إرادة المواطنين أساسًا لتولي السلطة وممارستها وتداولها، وإخضاع كل من يتولى المسؤولية العامة للقانون والمساءلة.
ويقتضي بناء حياة سياسية سليمة التحرر من عقلية امتلاك الحكم، وترسيخ مفهوم السلطة بوصفها مسؤولية عامة تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين وتظل خاضعة لرقابتهم. فالحاكم الذي يدرك حدود سلطته يحترم القانون، ويقبل النقد، ويصون حق الآخرين في الاختلاف والمنافسة السياسية. أما التعامل مع النقد باعتباره تهديدًا، والاختلاف بوصفه عداوة، وتداول السلطة باعتباره انتقاصًا من المكانة، فيحوّل الحكم إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة، ويضع إرادة المجتمع في مواجهة من يفترض أن يعملوا لخدمته.
وتبقى الشعوب أوسع من حدود الحكومات وأطول عمرًا من الأنظمة السياسية؛ فالأشخاص يتغيرون، والحكومات تتبدل، وموازين القوة لا تستقر على حال، لكن حق المواطنين في الحرية والكرامة والاختيار يظل قائمًا. ولا تمنح سنوات البقاء في الحكم أحدًا حقًا أبديًا في السلطة، كما لا تجعل السيطرة الفعلية على مؤسسات الحكم الإرادة الشعبية أمرًا ثانويًا. فالقيمة السياسية لأي سلطة تتصل بمدى احترامها لحقوق المواطنين، واستجابتها لمصالحهم، وقبولها الخضوع للمساءلة، والتزامها بالقواعد التي تتيح انتقال الحكم بوسائل سلمية.
الشعب أبقى، والسلطة مؤقتة؛ حقيقة تختصر جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتضع كل سلطة أمام حدود مسؤوليتها. فالشعب هو صاحب الحق في اختيار من يحكمه ومحاسبته وتغيير سلطته بالوسائل الدستورية والسلمية، والحكم مسؤولية لا امتياز دائم. قد تتغير الحكومات وتتبدل موازين القوة، لكن حق الشعوب في تقرير مصيرها لا يسقط بتغير الحكام، ولا يتحول إلى ملكية خاصة لمن يتولون السلطة. فالمناصب زائلة، والسلطات متعاقبة، أما الشعب فيبقى صاحب الإرادة والحق في رسم مستقبله.


