«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
النيكروفيليا كمجاز سياسي واجتماعي هي عبارة عن التعلق المرضي بالماضي وتمجيد الموت، وإعادة إنتاج أنظمة بائدة وأفكار ومشاريع بالية، واستحضار شخصيات ماتت تاريخياً. كل ذلك على حساب ترويض الحاضر وصناعة المستقبل.
ليست النيكروفيليا هنا مرضاً جسدياً، بل مرض في الوعي، وخلل في التفكير، وشذوذ نفسي سلوكي، يظل العقل الحوثي فيه مشوّهاً، مشدوداً إلى جثة الماضي، يفتش فيها ويُقبّل ويذر رمادها، ويجادل في صلاحيتها للحياة التي تتغير كل يوم، بينما تجد الوطن نفسه يتوشح بالسواد والحزن، ويُدمّر قطعةً قطعةً بصواريخ ومسيرات كتائبه وبيادات مقاتليه.
فالحوثيون لم يكتفوا بدفن الموتى كحقيقة، بل يُعيدون إنتاجهم سياسياً ويستحضرونهم اجتماعياً، ويستدعي الحوثي أيضاً العهود المنهارة، والرموز المستهلكة، والشعارات التي فقدت معناها، والأيديولوجيات التي فقدت مبرر وجودها، والخصومات العبثية التي أكل عليها الزمن وشرب، ثم يطلب منها أن تقودنا إلى المستقبل.
أي غريزة تلك؟ وأي عقلية هذه؟ إنها حالة انسداد مخيف، تنم عن جفاف فكري وتصحر قيمي وأخلاقي.
هذه هي نيكروفيليا الحركة الحوثية التي دمّرت وسفكت دماء اليمنيين، وحوّلت حياتهم إلى مأتم، إلى دار عزاء كبيرة في كل المحافظات.
إنها عشق مرعب للقتل اليومي وتصفيه الآخر المختلف. هوس مشحون بالحقد لا يسير عارياً، بل يتخفى كل مرة في ثوب جديد: مرةً بثياب الدين المقدس، ومرةً برداء المظلومية أو تحت جلباب الولاية والحق الإلهي، ومرةً خلف رايات الثورة والمقاومة، ومرةً باسم استقلال الوطن والسيادة، بينما الوطن نفسه يُذبح اليوم من الوريد إلى الوريد على مقصلة التعصب السلالي منذ 12 سنة.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: أي ثورة نازية هذه التي تحتاج إلى عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين في كل اليمن كي تثبت وجودها، يا سيد عبدالملك الحوثي؟!
أي حرب عبثية هذه التي مزقت أواصر المجتمع اليمني، والتهمت خيرات البلد، وقضت على أبنائنا ورجالات اليمن، يا قائد ما يسمى بالثورة؟ وأي مصحف مراوغ هذا الذي تلتحفه المسيرة القرآنية وتتشدقون به، ويحتاج إلى برك من الدم تُسكب في كل المدن اليمنية كي يُقنع الناس بأنه على حق؟ وأي وطن هذا الذي تنشدونه، ويُطلب من أبنائه أن يموتوا من أجلكم لا من أجله، بينما لا يُسمح لهم أن يعيشوا فيه بحرية وأمان وكرامة؟ وأي وصايا شعوذة تريدوننا أن نؤمن بها؟ وأي حكم لاهوتي تريدوننا أن نسلّم به لكم؟!
وأي ساحة مقاومة (مقامرة) هذه التي تشعلونها بنار الحرب في كل جبهات المديريات، مستخدمين أبناء الفقراء والمساكين والأيتام وطلاب المدارس والمراهقين كحطب في موقد مشروعكم الخرافي الثيوقراطي العنصري، الذي لم يعرف ولن يعرف كيف يعيش ويتعايش مع الآخرين إلا ونجدُه بإصرار في خنادق القتل والدمار؟
لذلك وضعنا الحوثي أمام معركة فاصلة يجب أن تُجتث فيها جرثومة الموت، وأن تُدمّر أدوات ومكائن الحرب الفتاكة التي بيد الجماعة الحوثية، ونطوّق عندها مستقبل أجيالنا بالسلام المستدام.
بعدها لن نحتاج إلى من يعلّمنا كيف؟ ومتى؟ ولماذا نموت من أجل اليمن، بل سنكون قد تعلمنا كيف نعيش صالحين، مخلصين، منتجين من أجله أيضاً.


