آخر الأخبار

spot_img

هل اتفاق مكة يرسم خريطة أمنية جديدة للشرق الأوسط؟ ولماذا مصر خارج المثلث؟

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

نعم، إن غياب مصر عن اتفاق مكة للدفاع العسكري والأمني المشترك، والتي تبقى بعض نصوصه سرية ولم تظهر للعلن، بين السعودية وتركيا وباكستان، لافت جداً، خصوصاً أن القاهرة كانت حاضرة في المسار التشاوري الذي جمع الدول الأربع خلال الأشهر الماضية. لكن المعطيات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى أن مصر «استُبعدت» رسمياً، ولا توجد معلومات معلنة تثبت أن القاهرة دُعيت ثم رفضت الانضمام.

لكن لماذا، إذن، بقيت مصر خارج الاتفاق؟ من وجهة نظري، هناك عدة أسباب، أهمها:

• أولاً: مصر لا تريد الالتزام تلقائياً بحرب إقليمية مباشرة في الوقت الحالي.

لأن اتفاق مكة ينص على أن الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً. هذا النوع من الالتزام يختلف جذرياً عن التعاون العسكري والأمني التقليدي الذي نفهمه، لأنه قد يضع مصر أمام احتمال الدخول في مواجهة لا تختار توقيتها أو ساحتها، وحتى دورها.

• ثانياً: يبدو أن الدستور المصري يفرض إجراءات محددة، صعبة ومعقدة، قبل إرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود، ما يجعل الالتزام بتحالف دفاعي بهذا الشكل أكثر تعقيداً سياسياً وقانونياً بالنسبة للقيادة المصرية.

• ثالثاً: القاهرة تفضل «الاستقلال الاستراتيجي».

حيث إن مصر تاريخياً تنظر إلى نفسها باعتبارها قوة عربية مركزية، وليس مجرد طرف في محور إقليمي محدود. ولذلك قد ترى أن الدخول في تحالف ثلاثي سعودي–تركي–باكستاني يقيّد قدرتها على المناورة بين الأطراف العربية المختلفة، خصوصاً أن القاهرة تحاول في الوقت نفسه الاحتفاظ بأدوار سياسية في ملفات إيران وغزة والبحر الأحمر والأمن العربي.

• رابعاً: الاتفاق السعودي–التركي–الباكستاني كان يتشكل منذ أكثر من سنة قبل أن يصبح اتفاقاً.

وهذه نقطة مهمة جداً.

فحسب التقارير، كانت هناك مفاوضات بين السعودية وتركيا وباكستان استمرت قرابة عام لإعداد مسودة الاتفاق، بينما كانت مصر جزءاً من مسار تشاوري رباعي منفصل. أي أن المسارين لم يكونا بالضرورة مشروعاً واحداً انتهى باستبعاد مصر.

• خامساً: السعودية لديها احتياج أمني مختلف عن مصر.

فالسعودية تواجه مباشرة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأمن البحر الأحمر، والحوثيين، والتوتر المرتبط بإيران. لذلك لديها مصلحة مباشرة في بناء مظلة ردع عسكرية، وربما تحتاج باكستان أيضاً بسبب توتر علاقتها بالهند.

أما مصر، فتهديداتها الاستراتيجية مختلفة، كما أنها تمتلك جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية مستقلة، ولا تبدو بحاجة بالدرجة نفسها إلى ضمانات دفاعية خارجية.

• سادساً: الأحداث العسكرية الأخيرة والتطورات في المنطقة كشفت لدول الخليج مدى هشاشة منظومات الحماية التقليدية المعتمدة على الغرب ومحدودية صلاحيتها.

• سابعاً: اختيار تركيا وباكستان له دلالة استراتيجية، وهنا تكمن أهمية الاتفاق.

السعودية لم تبحث فقط عن دولتين عربيتين، بل اختارت:

– تركيا: قوة عسكرية وصناعية دفاعية كبيرة وعضو في حلف الناتو.

– باكستان: قوة نووية، وجيش كبير، وعلاقة عسكرية تاريخية مع السعودية.

– السعودية: الثقل المالي والجغرافي والسياسي العربي والخليجي.

وهذا يعطي الاتفاق مثلثاً عسكرياً غير عربي بالكامل، وله امتدادات في الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب وجنوب آسيا.

لكن هناك رسالة أهم.

في تقديري، المسألة ليست «مصر ضد الاتفاق»، وإنما مصر اختارت ألا تكون، في المرحلة الأولى، جزءاً من التزام دفاعي جماعي.

والدليل المهم أن الرئيس التركي أردوغان قال بعد التوقيع إن الاتفاق مفتوح أمام الدول الشقيقة الراغبة في المشاركة، ما يعني أن الباب لم يُغلق أمام توسع الاتفاق. لذلك لا أرى أن غياب مصر ينبغي قراءته باعتباره قطيعة مع السعودية أو تركيا أو باكستان، بل ربما تكون الرسالة المصرية:

«نحن مع أمن المنطقة، لكننا لا نريد أن يتحول أمن المنطقة إلى التزام بحرب قد تكون مفتوحة، لها تكلفتها الكبيرة».

والأكثر إثارة: ماذا يعني ذلك لمستقبل النظام الإقليمي؟

إذا توسع اتفاق مكة لاحقاً، فقد نكون أمام إعادة تشكيل حقيقية لمنظومة الأمن في الشرق الأوسط، ليس بالضرورة على صورة «ناتو عربي إسلامي»، وإنما شبكة دفاعية متعددة الأطراف. وهنا تصبح مصر تحديداً ورقة مهمة جداً؛ فانضمام القاهرة لاحقاً سيحوّل الاتفاق من مثلث سعودي–تركي–باكستاني إلى منظومة ذات ثقل عربي ومصري هائل.

وفي الأخير، فإن التطورات الميدانية في اليمن والتهديدات الملاحية في البحر الأحمر تشكل الاختبار العملي الأول لهذا الاتفاق، ومدى فعاليته وكفاءة آلياته ومصداقية أطرافه.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img