آخر الأخبار

spot_img

أدب الحرب وثقافة المقاومة – الحلقة 4

صحيفة الثوري – دراسات 

عبدالجليل عثمان الأكحلي 

(الحلقة الرابعة)

دور الكلمة في الحرب

إذا كانت مهمة الأدباء، أن يهندسوا النفوس البشرية، فإن هذه المهمة في الحرب ترتفع إلى مستوى أعلى من مستواها في زمن السلم. فالحرب باعتبارها استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، ويصبح زمن الحرب تحريض هذه النفس على العمل بأقصى طاقتها، بمعنى إذا كان الأدباء والكتاب يقومون في زمن السلم على تحفيز الإنسان على البناء والإنتاج في بناء الوطن، فإن عليهم زمن الحرب أن يدفعوا هذا الإنسان إلى التضحية دفاعاً عن وطنه وشعبه.. فهذا النضال لا يهدف إلى إعادة الذات لأن روح الأمة لا تفقد أبداً، تظل في ذروة مآسيها، ويكون على الكلمة توعية هذه الروح وإنضاجها، والتنبيه إلى النتائج المترتبة عليه.

لقد لعبت الكلمة دوراً هاماً في حروب التحرير والمقاومة ضد العدوان، ويقدم أدب الحرب في تاريخنا العربي صفحات مشرقة عن فعل الكلمة التحريضي في القتال بين القبائل العربية أو بين العرب والفرس أو بينهم وبين الروم، وكانت هذه الكلمات شعراً أو نثراً، بمثابة سيوف صاغت وجدانات الذي يحملونها، ودفعت بهم إلى الموت أو النصر في المعارك التي خاضوها، والأدب الأصيل قد أضافها إلى المستقبل وهو حاضرنا لأنها كانت تعبيراً صادقاً عن معاناة وتعبر عن رغبة الشاعر والكاتب في قلبه وفكره، ولكل شعب أدبه الحربي الخاص به، وأغنياته الجريئة وأشعاره كالرصاصة في المعركة في إشعال نار الحقد على الأعداء، وبهذا النار يستنير الشعب فتدفعهم الكلمات إلى بطولات جديدة وقد بقي أدب الحرب في الدفاع عن الثورة ودحر جحافل الغزاة كما عبر الأديب اليمني عبدالله البردوني عن فرحته بقيام الجمهورية بقوله:

أفقنا على فجر يوم صبي – فيا ضحوات المنى أطربي.
أتدرين يا شمس ماذا جرى – سلبنا الدجى فجرنا المختبي.

وتسابق الشعراء الشباب للخروج من سجن الماضي يرددون قصائدهم من إذاعة صنعاء الداعية للالتفاف حول الجمهورية الوليدة منذ لحظاتها الأولى بمقاومة شرسة من قوى الماضي والمتجذرة في العادات والتقاليد في النفوس والتي لا تزال عاجزة عن تصور الحرية، وقد وجد الجمهوريون المتحمسون في صف المعارضة التقليدية للجمهورية الأولى جمهورية الرئيس عبدالله السلال المتحالفة مع مصر والذين لم يقدموا بديلاً قابلاً للحياة يحل بدل القوات المصرية للحفاظ على الجمهورية.

واختار البردوني أن يخطو بحذر واتزان، فقد كان في أوساط الشعب شعور أن التغيير الجمهوري ضرورة وهو يواجه مقاومة شرسة لا يمكن التغلب عليها دون الاعتماد على دعم حركة التحرر العربية ولم يتعاطف هذا الاتجاه مع المعارضة التقليدية التي كان يخشى أن تؤسس لجمهورية لا تختلف عن النظام ما قبل الجمهورية أو أن ترتكب أخطاء تؤدي إلى سقوط الجمهورية (1).. وهذا ما حصل بعد انقلاب 5 نوفمبر ٦٧م والمصالحة مع الملكيين عام ٧٠م.. وحين عاد إلى صنعاء أحمد الشامي وزير خارجية الملكيين بعد المصالحة وأصبح عضواً في المجلس الجمهوري بدأ نشاطه الأدبي بهجوم قاسي على أدب البردوني وشعره في محاضرة في مدرسة جمال عبد الناصر في محاولة لإعادة إحياء الثقافة التقليدية في الواقع الثقافي الجمهوري، ولاقت هذه المحاضرة استياء عاماً بين الجمهور وخاصة عند الطلبة والشباب الذين كانوا ينظرون إلى البردوني باعتباره صوت الجمهورية.

وبينما كانت في زمن الإمامة تنطفئ شعلة الحياة بعد غروب الشمس في بيوت الفلاحين، ويخلدون إلى النوم من العمل المرهق وهم لا يملكون الجاز( الكيروسين) لإنارة مصابيحهم، نجد أنوار المصابيح الكبيرة تشع من نوافذ الأماميين والإقطاعيين حتى الصباح وفي ذلك يقول البردوني:

أخي إن إضاءات قصور الأمير –
فقل تلك أكبادنا تضرم
ودولتنا كل ما عندها
يد تجتني وحشى يهضم
وأشرف أشرافها سارق
وأفضلهم قاتل مجرم
ففي كل ناحية ظالم
غبي يسلطه أظلم
أيا من شبعتم على جوعنا
وجوع بنينا ألم تتخموا؟
ألم تفهموا غضبة الكادحين
على الظلم؟ لابد أن تفهموا؟ (2)

وأعاد الأديب عبدالعزيز المقالح إلى وعي الشباب الجدد في قصيدته خلال حصار صنعاء في أواخر عام ٦٧م بعنوان “إلى السلاح أيها المواطنون” وهي مهداة إلى أبطال المقاومة والصمود في حصار السبعين:

إلى السلاح
دوى النفير
انتشرت على جوانب الشمس الجراح
يكاد يلفظ الأنفاس
يختفي تحت العباءة الصباح
فقاتلوا
أيلولكم مجنونة من حوله الرياح
المجد للأحرار
للمقاتلين
الموت (للوشاح) “١”
جنكيز خان والمغول قادمون
الأهل والديار والبنون
غداً سيعدمون
إن لم نعد السور والخنادق
ونشرع البنادق
سترتدي المدينة السواد
ستغرق النساء في الحداد
سيرجع الفساد
الليل والإرهاب والسجون سيرجعون.
يا أيها الرجال يا ضمير شعبنا العظيم
يا حاملي رؤوسكم على الأكف في تصميم.
يا من تقاتلون في الجحيم
أنتم نهار الشمس في العيون(3)

انتشرت هذه القصيدة وألهبت مشاعر الشباب والجنود المدافعين عن المدينة انتشار النار في الهشيم وأصبحت شعارات يرددها الجميع.

وقصيدة أخرى”الأبطال والسبعون) مهداة إلى الأحياء والأموات من جيل السبعين العظيم:

تراجعي أيتها الكلمات
تكسري أيتها الأقلام
أشرف منك صوت حر مات
وهو ينازل الظلام
ويحفظ الأطفال في عينيه يغمد الرايات
وددت لو كنت الطريق يعبرون فوقه إلى الجبل
لو كنت صخرة تحمي صدورهم من الأعداء
لو كنت لقمة أو شربة من ماء
لو كنت غيمة تمر فوقهم أو قطرة من طل
لو كنت واحداً منهم أموت أو أقتل
أولئك المناضلين
من زرعوا الشمس على سمائنا وثبتوا النجوم والأقمار
وثبتوا النهار
على طريق أيلول العظيم
أشعلوا الشباب أحرقوا الأعمار
صدوا جحافل القديم
أوقفوا مسير العار
فكانت الأعمدة النبيلة البيضاء
وكانت السبعون…(4).

وكان لصمود المقاومين أبطال المقاومة طوال السبعين يوماً للدفاع عن مدينة صنعاء المحاصرة من الملكيين أجداد الحوثيين اليوم والمرتزقة الأجانب الفرس أيام الشاه الإيراني والفرنسيين والبريطانيين، وقد رفع المناضل عمر الجاوي شعار((الجمهورية أو الموت)) وكل شيء من أجل الجبهة.

وكان شعر عبده عثمان القدسي كطلقات الرصاص في صفوف المقاومة والصمود يشد أزر الرجال يقول:

علمتني كيف المسير للأمام.
كيف الوقوف ساعة السقوط في الظلام.
زودتني بكتب تفسر الأيام.
وكيف تصدق الأحلام
يا وطني ما أروع الصمود في عيبان
والشعب في الشموخ عندما يطاول الجباه.
أتت على مراكز العدوان الحصار.

ومع الطلقات الأولى لثوار ردفان لميلاد ثورة 14 أكتوبر ٦٣م كتب الشاعر نفسه.

ما على” ردفان” يجري.
إن إخواني وأهلي
أذرع تحتضن النور وأرواح تصلي
في طريق الراية الحمراء.
والشمس الأسيرة
وربيع ذات يوم كان في شبه الجزيرة.

كما أن الشاعر علي مهدي الشنواح في قصيدته “بطل في عقم الليل.
اشرب البحر يا ظامئاً لضياع الحقيقة
لن ينضب البحر.
لا تقرب البحر
فالبحر طحلبه مدافع موتر.. مصنع.. مزرعة

وفي قصيدة أخرى للأخطار التي تهدد الجمهورية الوليدة في جنوب الوطن (بطل في عقم الليل).

الدرب يا بطل الليل يدمي
لك الليل والبحر قسمي
لك الوهم.. والاعتلال..
والبحر زلزلة.. واشتعال، فلا تنتظر
فالمسافات تبدو طوالاً
فلا تنتظر.

وتعد قصيدة “غريب على الطريق” للشاعر محمد أنعم غالب الحمادي عن حياة المهاجرين اليمنيين الذين تركوا بلادهم أيام الإمامة واحترفوا كل المهن:

كل المواني تعرفه.. كل البلاد جابها.. كل البحار خاضها.. بأي اسم؟
أثبت اسمه(علي) في “دفتر الزكاة”
طارده الجباة وباع نصف ثروته ليدفع الزكاة.
وأجرة التقدير والجباه والجنود، ورشوة الحاكم والأمير وغادر الوطن
وحارب في صفوف الفاشست في الحرب العالمية الثانية.
وأصبح اسمه في قائمة المرتزقة!!
الحرب مربحة.. الحرب لي عمل.
أنا المحارب الشجاع
أجيد إطلاق الرصاص
وسجل اسمه في دفتر المجندين
وما زال يذكر ما في الحرب من أهوال.
حاربت لا دفاعاً عن وطن.
حاربت من أجل الرغيف بجانب الفاشست
رأيت لي أصحاب
كانوا في اليمن
في الجانب المضاد
حاربتهم وحاربوني لا دفاعاً عن مثل
وكان لا يهم من يعيش أو يموت
ولا يهم قاهر ومنكسر.(5)


المراجع والهوامش 1- د. علي محمد زيد كتابه “الثقافة الجمهورية في اليمن” 2- سلطان أحمد عمر في كتابه نظرة في تطور المجتمع اليمني. 3- مأرب يتكلم عبد العزيز المقالح 4- نفسه. 5- عبد العزيز المقالح الشعر المعاصر في اليمن. ١- الوشاح. اسم السياف الذي يأمره الطغاة بقطع رؤوس الأحرار.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img