«صحيفة الثوري» – (أدب):
منصور السروري
في برزخ المعركة المسجور بالحديد، ينام الشهيد فتحي على صفيح التل المتآكل..!
تركت القيادة جثته كقمر مذبوح سقط من سمائه..!
تتحسس الأرض دمه الزاكي، بينما يلتحف السماء تحت حرقة الشموس وبطش الريح..!
كيف يسقط البطل مقبلاً لا مدبراً، ثم تعيرونه هذا الصمت البارد..؟
هل غدت الأجساد المطهرة مجرد أرقام طواها الخفاء بعد انقضاء الصهيل..؟
لقد جاد بالروح تحت رايتكم لكي تشرق شمس نصركم المزعوم..!
•••
يمر اليوم الأول كأنه دهور من الجمر تنهك قلوبنا المكلومة..!
يتأمل الوالد عبد الرحمن راوح الأفق المنتحب، كأنما ينادي طيف ولده بين الغبار..!
اليوم الثاني ينسكب كصديد يعصر أرواحنا المجهدة بالفجيعة..!
كيف ترجون نصراً يا هؤلاء، وقد ضيعتم شرف الجثة في وهاد مقفر..؟
أي شريعة هذه التي تبيح ترك الليث مجندلًا بين مخالب الغربان..؟
إن إكرام الميت دفنه، فكيف بشهيد بذل مهجته لتعيشوا أنتم بكرامة..؟
•••
لم تكن دماء فتحي رخيصة حين اشتعلت الأرض تحت قدميه بالنار..!
لقد خاض المنية وهو يبسمل باسم الوطن، ولم يلتفت إلى الوراء لحظة واحدة..!
كانت الراية ترفرف بعرق جبينه وصدق فؤاده الثابت كالجبل..!
والآن تنظر روحه من علياء عرشها إلى خذلان القيادة المنتفخة بالأوهام..!
نضع هذه الفاجعة في أعناقكم أمام الله ورجال القبائل السمراء..!
أين الوفاء للدم الزكي الذي خضب أرضكم وصنع لكم المجد..؟
•••
بالله عليكم، أخبرونا: ما الذي تريدون أن تخبرونا به لتأخركم في أخذ الجثة..؟
ما هي الرسائل التي تريدون إيصالها إلينا..؟
هل تريدون أن تقولوا لنا إنكم غير قادرين..؟
فلماذا إذن أصخيتم أسماعنا بأصواتكم التي أرهقتنا، وهي تتغنى بالبطولات والتضحيات..؟
أم تريدون أن تقولوا لنا إن مصير كل بطل ضحى بروحه سيكون تركه للنسور والغيلان..؟
إذا كان هذا قصدكم، فلماذا إذن لا تعلنوا أنكم والعدو لستم إلا جسدين في ثوب واحد..؟
وإلى متى ستبقون تلعبون مثل هذه اللعبة القذرة..؟
ألا تخشون أن تنكشف سوءاتكم أمام أتباعكم..؟
أم أنكم قد بلغتم مدىً في تخدير أتباعكم إلى الحد الذي لو رأوكم تسيحون عراة في خياناتكم، لقالوا: إنه ليس أنتم، وإنما مغرضون تشبهوا بكم ليسيئوا إليكم..؟
•••
ألم تحرككم مروءة القبيلة..؟
ألم يحرككم الواجب العسكري في ساعات الشدة..؟
أتتركون شقيقنا لقمة للبراري، وهو الذي حماكم بنصره وصدره..؟
سيبقى العار يطارد كل من صمت عن هذه الجريمة النكراء..!
نحن لا نطلب منكم معجزة، بل نطالب بانتشال جثمان ضحى فوراً لأجل بلاد وشعب، دون تردد..!
ألم يأنِ لهذا البطل أن يعود إلينا كي نوسده بما يليق ببسالته الخالدة..؟
دم فتحي ليس مجرد قطرات سقطت، بل هو شعلة غضب لن تنطفئ أبداً..!
أيها الرعاديد، إن كرامة الشهيد أكبر من كل حساباتكم الضيقة، وفوق مصالحكم العابرة..!
•••
سيبقى اسم فتحي حافراً على جدران الذاكرة والضمير..!
سيظل صوته يتردد في التلال، كأنه رعد لا يهدأ..!
هل تظنون أن الأيام ستنسينا حق الجثة المرمية تحت جمر القسوة..؟
إن التاريخ يكتب بسخام الخيانة اسم كل من قصّر في حقه..!
افتحوا ممرات الوفاء.. اغسلوا حوبة هذا التخلي قبل فوات الأوان..!
أنقذوا ما تبقى من شرف رايتكم بانتشال الجسد الطاهر الآن..!
لن نغفر ولن نستكين حتى يحتضن الثرى ثرى أخينا البطل..!

