آخر الأخبار

spot_img

عندما يكون الجيش حجر الأساس للأوطان… الجيش ليس سلاحاً فقط، بل أساس بناء الوطن

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أحلام سلام

من تاريخ الأمم ندرك حقيقةً لا تقبل الجدل: لا دولة قوية بلا جيش قوي، ولا نهضة مستدامة بلا ذراع تحميها. فالجندي الحقيقي ليس من يحمل البندقية فحسب، بل من يشق الجبال ليمد الطرقات، ويبني الجسور والسدود، ويحرس أمن الوطن والمواطن في السلم قبل الحرب.

هذا المفهوم لم يكن نظريةً مجردة، فقد زرعت الصين أول بذرة له قبل 99 عاماً، حين قررت أن يكون جيشها امتداداً للشعب، وأداةً للبناء قبل أن يكون أداةً للقتال.

واليوم، في الأول من أغسطس 2026، تحتفل جمهورية الصين الشعبية بالذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني. تسعة وتسعون عاماً فصلت بين انتفاضة محدودة في مدينة نان تشانغ عام 1927، وبين واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تأثيراً في رسم ملامح النظام العالمي الجديد.

ولد الجيش من الحقول، لا من الثكنات. فلم يخرج جيش التحرير الشعبي من قصور السلطة، بل نبت من الأرض. ففي الأول من أغسطس 1927، أشعل الحزب الشيوعي الصيني شرارة انتفاضة “نان تشانغ” ضد قوات الكومينتانغ. ومنذ اللحظة الأولى كانت الرسالة واضحة: “جيش من الشعب، وللشعب”.

كان جنوده فلاحين وعمالاً، حملوا السلاح دفاعاً عن الأرض، وعندما هدأت المعركة عادوا لحمل المعاول ليشيدوا الطرق والجسور. وكان هذا الارتباط العضوي بالمجتمع سر صموده في “المسيرة الطويلة”، وانتصاره في الحروب التي أُجبر عليها، وتتويجه في حرب التحرير التي قادت إلى تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

ومنذ ذلك اليوم بدأت مسيرة امتدت 99 عاماً، حقق فيها الجيش انتصارات لم تكن عسكريةً فقط، بل كانت انتصارات في بناء دولة بأكملها.

ثم انتقل الجيش من حرب التكوين إلى الحرب الذكية، عبر ثلاث منعطفات تاريخية، فلم يبقَ أسيراً لبداياته، بل انتقل عبر ثلاث نقلات استراتيجية رسمت ملامحه الحالية:

• أولاً: مرحلة الكم (1949 – 1980):
كان الرهان على العدد والتعبئة الشعبية، حيث كان الهدف بناء جيش قادر على ردع أي غزو، وحماية السيادة الوليدة بترسانة تقليدية وعقيدة “حرب الشعب”.

• ثانياً: مرحلة الكيف (1990 – 2015):
أدركت القيادة أن الحروب لم تعد تُحسم بالأعداد، فبدأت عملية تحديث عميقة شملت القوات البحرية والجوية والصاروخية، مع استثمار غير مسبوق في التكنولوجيا وتأهيل الكوادر.

• ثالثاً: مرحلة الذكاء (2016 – حتى اليوم):
دخل الجيش رسمياً عصر “الحرب المعلوماتية والذكية”. ولم يعد الدفاع هو الغاية الوحيدة، بل أصبحت القدرة على الردع في الفضاء، والفضاء السيبراني، وعبر المحيطات البعيدة، جزءاً من العقيدة العسكرية.

وخلال مسيرة البناء الممتدة لـ99 عاماً، امتلكت الصين حاملة الطائرات “فوجيان” بتقنية الإطلاق الكهرومغناطيسي، ومقاتلات الشبح J-20، وأسطولاً بحرياً هو الأكبر عالمياً من حيث عدد القطع، وترسانة من الصواريخ فرط الصوتية، وقيادة معارك مدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن الأهم من كل ذلك أنها ربطت الأمن القومي مباشرةً بأمن طرق التنمية.

ومع كل هذا التطور التكنولوجي، لم يتخلَّ جيش التحرير الشعبي عن وظيفته الأولى: خدمة الشعب.

ففي زمن السلم، يكون أول من يصل إلى مناطق الزلازل والفيضانات، وهو من شق طريق التبت في قلب الجبال، وزرع الغابات لوقف زحف الصحراء، وأقام المستشفيات الميدانية في ذروة جائحة كورونا.

وفي زمن السلام العالمي، يعد أكبر مساهم، من بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بأكثر من 50 ألف جندي شاركوا في 25 دولة.

وظل شعاره ثابتاً منذ 99 عاماً: “إطاعة قيادة الحزب، خدمة الشعب، والقتال.”

ومع اقتراب الذكرى المئوية في عام 2027، وهدف عام 2049 المتمثل في الوصول إلى “جيش عالمي المستوى”، تحمل احتفالات هذا العام ثلاث رسائل واضحة:
1- الردع لا الهيمنة: التحديث العسكري مرتبط بحماية السيادة ووحدة الأراضي، وليس بتصدير الحروب.
2- أمن التنمية: حماية مبادرة “الحزام والطريق” وخطوط الإمداد العالمية أصبحت جزءاً من مهام الجيش.
3- الشراكة لا المواجهة: توسيع التدريبات المشتركة، وتقديم المساعدات العسكرية، في إطار احترام سيادة الدول.

ونأتي اليوم، بعد 99 عاماً، لنرى جيش التحرير الشعبي الصيني وقد انتقل من بنادق قديمة في جبال جيانغشي إلى أقمار صناعية تراقب الأرض، ومناورات بحرية تعبر المحيطات.

لكن جوهره لم يتغير، فما زال يؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الدبابات فقط، بل بقدرتها على تحويل الجنود إلى بنّائين، وتحويل السلاح إلى أداة لحماية السلام.

وفي زمن تتزايد فيه الصراعات، تقدم الصين نموذجاً مختلفاً: جيش لا يفصل بين حماية الوطن وبناء المستقبل.

لأن الأوطان لا تحرسها المدافع وحدها، بل تحرسها أيضاً الأيادي التي تعمّر.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img