“صحيفة الثوري” – (رأي):
أحلام سلام
في سبتمبر الجاري 2026، لا نحتفل بذكرى عابرة، بل نستحضر سبعين عاماً من الصداقة التي صمدت أمام عواصف السياسة وتقلبات الجغرافيا. سبعون عاماً مرت منذ أن كان اللقاء الحاضن حضارة بلدين عريقين وتاريخاً لا يُستهان به، كتاريخ اليمن والصين. ففي 24 سبتمبر 1956، أُعلن عن ميلاد جديد لأقدم وأصدق الشراكات العربية الآسيوية. ولهذا نؤكد أنها ليست مجرد ذكرى دبلوماسية أو تجارية، بل هي احتفاء بقصة بدأت بقافلة بخور وحرير، وعمدها الشهداء الصينيون على طريق صنعاء – الحديدة، وتتطلع اليوم إلى شراكة دائمة في الحزام وطريق الحرير.
فالعلاقة اليمنية الصينية ليست وليدة اليوم أو الأمس، ولكن عمرها بعمر بناء الدول. وقد بدأت رحلة الصداقة منذ العام 1956، من طريق البخور والحرير، واستمرت حتى يومنا هذا؛ حيث كانت موانئ اليمن السعيد، عدن والمخا وقنا، هي المحطة الإلزامية للحرير والخزف الصيني القادم عبر المحيط الهندي، وكانت أسواق تشوانتشو وقوانغتشو تتعطر باللبان الظفاري والمر اليمني. ومع بزوغ فجر الإسلام، تحولت هذه التجارة إلى شبكة حضارية إسلامية كبرى، حتى وصل الأسطول الأضخم في التاريخ، أسطول الأميرال تشنغ خه، إلى عدن عام 1416م، فاستقبله اليمنيون وأرسلوا أربع بعثات رسمية إلى بلاط إمبراطور مينغ. ذلك النصب التذكاري الصغير للبحّار الصيني في عدن لا يزال يروي أننا التقينا كدولتين متحضرتين قبل أن يلتقي العالم. هذه كانت بداية التجارة…
أما العلاقات السياسية، فقد كانت منذ العام 1955 في باندونغ، حيث التقى ولي العهد محمد البدر رئيسَ وزراء الصين تشو إن لاي، ومن ذلك اللقاء وُلد منهج تفاهم تلقائي بين البلدين الصديقين. وكانت اليمن ثاني دولة عربية تعترف بالصين الشعبية في ذروة الحرب الباردة، والتي اعتُبرت حينها مغامرة سياسية لم تكن ممكنة لولا مخزون الثقة التاريخي.
وفي عام 1958، كانت ثمرة العلاقة اليمنية الصينية توقيع معاهدة الصداقة اليمنية الصينية الأولى، ومنحت بموجبها بكين اليمن، ممثلةً بصنعاء، قرضاً بلا فوائد، وبنت بثمانمائة مهندس وعامل طريق صنعاء – الحديدة، ذلك الشريان الذي ربط العاصمة بالبحر لأول مرة. كان ثمنه غالياً، فقد سقط ما يقارب مئة خبير صيني شهيداً على جبال اليمن، ولا تزال مقابرهم وطرقهم ومستشفياتهم ومدارسهم شاهدة على أن الصين جاءت تبني، لا تستثمر فقط. وحتى يومنا هذا، تعتبر مقابرهم مزاراً وشاهد عيان على دعم الصين لليمن.
وعندما أُعلنت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، كانت بكين من أوائل المرحبين، ومنذ ذلك الحين نفذت أكثر من مئة مشروع في قطاعات الزراعة والكهرباء والنسيج والطرق. وحتى في أصعب لحظات الحرب منذ 2015، حافظت الصين على ثبات دعم وحدة اليمن وسيادته، ورفضت التدخل الخارجي، والدعوة إلى حل يمني – يمني، مع التزام الجانب اليمني بمبدأ الصين الواحدة.
واليوم، في ذكراها السبعين، تدخل العلاقة مرحلة جديدة. ففي يونيو الماضي، بعث الرئيس شي جين بينغ رسالة خطية إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، لا تُقرأ كبروتوكول، بل كإعلان نوايا استراتيجية، كما وصفها المحللون. وتزامنت هذه الرسالة مع إطلاق سفارة الصين في اليمن مسابقة “الصداقة الصينية اليمنية”، كما أعلنت جامعة حضرموت عن صدور كتاب توثيقي شامل يتحدث في طياته عن سبعة عقود من العلاقات اليمنية – الصينية، ومعرض فني مرافق. كما أكد سفير اليمن في بكين، الدكتور محمد الميتمي، أن 2026 هو عام مفصلي لتوسيع التعاون الصحي والعلمي والبحثي.
الصين الصديقة تعتبر من أولى الدول الداعمة لليمن، سواء في الجنوب أو الشمال، فلها ذكريات وبصمات تاريخية تشهد على ذلك، ابتداءً من التجارة؛ حيث إن اليمن، بموقعه على باب المندب، ليس مجرد دولة تعيش حالة حرب، بل هي الحارس الطبيعي لطريق الحرير البحري الجديد، جوهر مبادرة الحزام والطريق التي انضم إليها اليمن رسمياً عام 2019. واستقرار اليمن، كما قال الرئيس العليمي في استقباله للقائم بالأعمال الصيني شاو تشنغ بهذه المناسبة، لم يعد مصلحة يمنية فقط، بل مصلحة مباشرة لأمن الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما تدركه بكين جيداً.
سبعون عاماً مرت. بدأنا بقافلة بخور، ومررنا بطريق إسفلتي شقه الصينيون بأيديهم، واليوم نقف أمام فرصة طريق رقمي واقتصادي يربط ميناء عدن بميناء شنغهاي. إن الدرس الأهم من هذه السبعين عاماً هو أن الصداقة التي تصمد بلا قواعد عسكرية ولا أحلاف إيديولوجية، بل بالاحترام المتبادل والتنمية، هي الصداقة القادرة على البقاء.
فكل عام واليمن والصين بخير، ومن طريق البخور إلى طريق الحرير، ما زالت الرحلة في بدايتها.

