آخر الأخبار

spot_img

اليمن بين اقتصاد الحرب واقتصاد السلام

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د. محمد علي قحطان

يتساءل الكثير من الناس في اليمن: بأي وضع يمكن وصف الاقتصاد اليمني منذ بداية حرب عام 2015، المستمرة حتى وقتنا الحاضر؟

للإجابة على هذا السؤال، يمكننا التوضيح بالآتي:

يوصف “اقتصاد الحرب” بأنه اقتصاد حالة طوارئ استثنائية تمر بها الدولة، تحتم عليها توجيه مواردها المالية والصناعية بالكامل لدعم المجهود الحربي. ويعني ذلك التحول من إنتاج السلع المدنية إلى تصنيع أو استيراد الأسلحة، وتسخير الإيرادات العامة للدولة للإنفاق العسكري، الأمر الذي يترتب عليه العمل بالسياسات والإجراءات التالية:

• فرض قيود صارمة على الاستهلاك.
• زيادة الضرائب والرسوم.
• طباعة النقود.
• التدخل المباشر للحكومة في توزيع السلع والخدمات والمواد الخام.

وكل ذلك يؤدي إلى بروز معالم اقتصاد الحرب بالصور التالية:

1- سيطرة الدولة على توزيع السلع الغذائية والوقود، وضمان توفيرها لجبهات القتال.
2- تحويل ما أمكن من المصانع المدنية لإنتاج المعدات العسكرية.
3- زيادة الدين العام على الحكومة.
4- ارتفاع معدلات التضخم، وتدهور المستوى المعيشي للمواطنين.
5- توجيه القوى العاملة إلى قطاعات الأمن والدفاع.

بينما يوصف “اقتصاد السلام” بإحدى الحالات التالية:

• حالة التدهور أو الانهيار الاقتصادي.
• حالة الانتعاش الاقتصادي.
• حالة الازدهار الاقتصادي.

ففي حالة التدهور أو الانهيار الاقتصادي، تبرز العديد من الأزمات الاقتصادية، من أبرزها: ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وارتفاع منسوب الانحرافات الاجتماعية، واضطراب الأوضاع الأمنية، وهجرة رأس المال الوطني والقوى العاملة للبحث عن فرص للاستثمار والعمل في دول أخرى، وانهيار القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وانتشار مظاهر الفساد في مختلف المجالات والأنشطة المرتبطة بحياة الناس، وتراجع حاد في دور الدولة في إدارة مواردها وتأمين الحياة الكريمة لمواطنيها… وغير ذلك من الأزمات.

الأمر الذي يحتم على سلطات الحكم مواجهة التدهور والانهيار الاقتصادي والإنساني من خلال:

• دعم المشاريع التنموية لخلق فرص العمل، ومواجهة البطالة والفقر، والحد من انخراط الشباب في النزاعات والتنظيمات المتطرفة، ومواجهة الفساد، وانهيار القيمة الشرائية للعملة الوطنية، والتضخم، والكساد، وبالتالي إعادة التوازن الاقتصادي للدولة.
• توجيه الاستثمارات نحو التنمية المستدامة، بما يحقق تعميق عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
• دعم وتعزيز العمل على استغلال فرص الاستثمار المتاحة في المناطق المستقرة في الدولة.

وكل ذلك من شأنه أن يمهد لتحول اقتصاد الدولة من حالة الانهيار إلى حالة الانتعاش، ثم الازدهار.

وبمقارنة مفهوم الحالتين، “اقتصاد الحرب” و”اقتصاد السلام”، نجد صعوبة في تصنيف الاقتصاد اليمني ضمن أي منهما؛ فلا هو اقتصاد حرب، ولا اقتصاد سلام، إذ تتداخل معالم اقتصاد الحرب مع معالم اقتصاد السلام.

وبرأينا، فإن ذلك يعود إلى غياب الدولة وارتهانها للخارج، إذ إن حكام اليمن، بكل تصنيفاتهم المركزية والمحلية، لا يملكون القدرة على تجسيد وظائفهم السياسية والتنفيذية بمعزل عن الأجندات والإملاءات الخارجية التي يعتمدون عليها في تمويل مكوناتهم العسكرية والمدنية، كما أن الحرب وطول أمدها قد أفقدا الدولة اليمنية جميع عوامل البناء والتنمية الذاتية.

ونستخلص من ذلك أن استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها المختلفة، وإعادة بنائها، غير ممكنة التحقيق إلا إذا تم وضع نهاية للحرب وتحقيق السلام، وهو أمر مرهون بإرادة سياسية إقليمية ودولية. وفي حال تحقق ذلك، يمكن إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني، وهو ما يمكن البناء عليه لإعادة التوازن الاقتصادي، وخلق أطر لاقتصاد سلام مزدهر يحقق الحياة الكريمة للإنسان اليمني، المفقودة منذ زمن بعيد.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img