“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د. محمد علي قحطان
منذ مطلع الشهر الجاري (أغسطس)، لوحظ أن الحرب القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران توقفت عند مستوى إغلاق مضيق هرمز، كما يقول الإيرانيون، وتشديد الحصار على إيران، بالإضافة إلى تجميد أرصدة إيران وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، كما يقول الأمريكان. الأمر الذي، كما يبدو، دفع الحرس الثوري الإيراني إلى توسيع نطاق خنق الملاحة البحرية، بتحريك نفوذه في اليمن من خلال دخول القوات التابعة للحوثيين في توجيه ضربات إلى سفن سعودية مارة بالبحر الأحمر، بالإضافة إلى توجيه ضربات صاروخية أخرى لتهديد منشآت الطاقة في السعودية. وهو الأمر الذي استدعى، برأينا، أن توظف السعودية نفوذها على المكونات العسكرية المناوئة للحوثيين، من خلال دعم السلطة الشرعية اليمنية للتحرك ضد الحوثيين، بدعوى استعادة المناطق اليمنية التي تحت سيطرة الحوثيين، لحماية البحر الأحمر ومضيق باب المندب من قصف الحوثيين.
وبناءً عليه، فقد توالت التصريحات من قيادات السلطة الشرعية المعترف بها دولياً، ظهر منها أنه قد أعدت نفسها لاكتساح المناطق التي تحت سيطرة الحوثيين، واستعادة الدولة ومؤسساتها المختلفة، العسكرية والأمنية والمدنية، وتحقيق السلام في اليمن. كما تم قيادة حشود جماهيرية للخروج في فعاليات تأييد للسلطة الشرعية لتحقيق السلام واستعادة الدولة ومؤسساتها. وتزامن مع ذلك ضجيج وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار والتحليلات المؤيدة والمعارضة للحرب.
وفي خضم هذا الضجيج الإعلامي، تناقلت الأخبار توجيه ضربات صاروخية وبطائرات مسيرة من قبل قوات الحوثيين لاستهداف العديد من المواقع الواقعة تحت سيطرة مكونات الشرعية، من أهمها: مطار المخا، وسفينة في باب المندب، وضربات موجهة ضد مواقع في مأرب. كما تناقلت أخبار ردود فعل قوية من المكونات الموالية للشرعية المنتشرة في كل من المخا والشريط الساحلي الغربي المطل على مياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وكذا على مواقع عسكرية حوثية تحيط بمدينة مأرب.
وكل ذلك جعل الناس تتوقع بأن الحرب الشاملة في اليمن قد انطلقت، ولن تتوقف إلا باستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها ويتحقق السلام. إلا أن المتابع يلاحظ ما يشير إلى أن ما يحدث عبارة عن بروفات تكلف اليمن المزيد من الدمار والكثير من الخسائر المادية والبشرية. إذ إن قرار الحرب ليس بيد اليمنيين، وإنما بيد القوى الإقليمية التي تتخذ من اليمن حلبة لتحقيق أجنداتها في المنطقة، وما المكونات العسكرية والأمنية، سواء في شمال اليمن أو في جنوبه، سوى أدوات تحركها إرادات دول الإقليم المتصارعة.
الأمر الذي يكلف المواطنين اليمنيين المزيد من التدهور الاقتصادي والإنساني. ويمكننا، في ضوء ذلك، استخلاص العديد من الأضرار والخسائر التي تضاف إلى أضرار وخسائر الحرب في السنوات الماضية، وبحاجة إلى تقييم كمي يفترض أن تقوم به مؤسسات الدولة التابعة للشرعية. ومن أهمها ما يلي:
أولاً: كما تفيد الأخبار بأن الحوثيين ضربوا ميناء المخا بالعديد من الصواريخ والمسيرات الهجومية، أدت إلى توقف الأعمال بصورة كلية في الميناء، وهو الميناء الوحيد المتبقي من موانئ البحر الأحمر اليمنية، بعد أن تعرضت موانئ الحديدة للقصف من قبل الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة (إسرائيل). وبالتالي، فإن جميع موانئ اليمن المطلة على البحر الأحمر، التي كانت عامرة بالملاحة البحرية الدولية، قد دمرت بالكامل، بالإضافة إلى الخسائر البشرية من القتلى والجرحى بسبب هذه الضربات. بما يعني أن اليمن بحاجة إلى سنوات لإعادة بناء موانئها المدمرة بفعل الحرب والضربات الجوية الصهيونية وضربات الحوثيين الأخيرة على ميناء المخا.
ثانياً: كان ميناء المخا قد بدأ يستعيد قدراته الملاحية البحرية بعد ضرب موانئ الحديدة، وبدأ تأثير ذلك يظهر في توفير المشتقات النفطية والمواد الغذائية لسكان محافظة تعز والمحافظات المجاورة لها. إلا أن توقف ميناء المخا سيكون له تأثير كبير على حركة استيراد المشتقات النفطية والمواد الغذائية التي يحتاجها سكان محافظة تعز والمحافظات المجاورة لها، الأمر الذي سيكلف سكان محافظة تعز وما جاورها أعباء إضافية ويزيد من معاناتهم الإنسانية.
إذ سيضطر الموردون للتحول إلى موانئ أخرى بعيدة، مثل ميناء عدن، وتحمل تكاليف باهظة للنقل البحري بسبب ارتفاع تكاليف النقل البحري، نتيجة التهديدات التي تتعرض لها السفن الناقلة عبر مياه البحر الأحمر وخليج عدن، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة للنقل البري من ميناء عدن إلى تعز وغيرها من مناطق المحافظات المجاورة، بسبب الحصار المفروض على محافظة تعز واضطرار التجار والمسافرين إلى عبور طرق بعيدة ووعرة، نظراً لإغلاق الطرق الرسمية المعبدة التي تربط محافظة تعز بميناء عدن.
ثالثاً: أدى القصف بالصواريخ والمسيرات التي يطلقها الحوثيون، والقصف المضاد بالوسائل نفسها من قبل مكونات الشرعية، إلى إضعاف قدرات الحكومة الشرعية في الوفاء بصرف الرواتب ومستحقات الموظفين التي سبق إقرارها. وبرأينا، فإن السبب في ذلك يعود إلى أن ما هو متاح من الموارد المالية للحكومة يتم توجيهه للمجهود الحربي.
ويمكن، في حالة إطالة أمد المواجهات بالصورة التي هي عليها حالياً، أن تضعف قدرات الحكومة التي كانت قد بدأت تتحسن، وبالتالي مضاعفة العجز في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين، وتجاه قضايا النفقات التشغيلية والخدمات العامة التي كان يؤمل من الحكومة توفيرها للمواطنين.
كل ذلك يشير إلى أنه في حالة استمرار نهج المواجهات الجوية القائمة، سوف يزداد حدة الانهيار الاقتصادي والإنساني، ونرى المزيد من ارتفاع الأسعار والكساد وتأخر دفع المرتبات وتآكل قيمتها، وبالتالي المزيد من الارتفاعات في معدلات البطالة والفقر والجوع، وتدهور أوسع للأوضاع الاقتصادية والإنسانية في عموم اليمن.

