آخر الأخبار

spot_img

التحديات المعيقة لمشاركة المرأة اليمنية في العمل السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية

“صحيفة الثوري” – (رأي):

أ.د. محمد علي قحطان

حسب نتائج الإحصاءات السكانية التي كان ينفذها الجهاز المركزي للإحصاء في اليمن كل عشر سنوات، فإن المجتمع اليمني، من ناحية النوع، ينقسم إلى نصفين متساويين تقريبًا؛ أي إن 50% من المجتمع إناث، و50% ذكور. وفي نتائج بعض التعدادات السكانية نلاحظ تفوق نسبة الإناث على الذكور. وبالرغم من اعتبار الإناث نصف المجتمع، وأن مساهماتهن في التربية والرعاية الأسرية تمثل الأساس في المجتمع، إلا أن طبيعة المجتمع اليمني تعطي الأفضلية للذكور على الإناث في مختلف مناحي الحياة.

ولذلك، فإن المرأة اليمنية، بالرغم من مساهمتها الفاعلة في الأنشطة الاقتصادية، وبخاصة في التنمية الريفية، إذ يتصدر القطاع الزراعي قطاعات الاقتصاد الوطني من ناحية المساهمة في تشغيل القوى العاملة وفي الناتج المحلي الإجمالي للأنشطة الاقتصادية، باستثناء الصناعات الاستخراجية كالنفط والغاز، لا تجد الإنصاف الذي تستحقه بوصفها نصف المجتمع. كما تتحمل العبء الأكبر في التنمية الريفية، ورعاية الأسرة، والإسهام الفاعل في مواجهة الفقر وتحسين الظروف المعيشية للأسرة في مختلف أنحاء البلاد.

إذ لا يمكن تصور أسرة دون حضور المرأة في التربية والرعاية الأسرية، فهي من تتحمل مسؤولية تقديم الخدمات المنزلية لأفراد الأسرة، من تربية، وتجهيز الغذاء، ومتابعة الأطفال ورعايتهم، وجلب المياه من أماكن بعيدة في المناطق التي تنعدم فيها شبكات المياه المنزلية، فضلًا عن مشاركتها في الأنشطة الزراعية والتنموية المختلفة.

وبسبب انخراط الذكور في الصراعات المسلحة، التي تُعد من أبرز سمات المجتمع اليمني منذ نشأة الدولة الحديثة، وكذلك الهجرة الخارجية إلى مختلف دول العالم، وبالأخص الدول المجاورة لليمن، بالإضافة إلى كون المجتمع اليمني مجتمعًا يتركز معظم سكانه في الريف، إذ تُقدر نسبة سكان الريف بنحو 75% من إجمالي السكان، ومعظم هذه النسبة من الإناث، فقد أصبحت المرأة اليمنية تتصدر أنشطة التنمية الريفية، فهي العامل الأساسي المحرك لكافة الأنشطة الزراعية والأنشطة الأخرى المرتبطة بها، كتربية الحيوانات والنحل، ومختلف الصناعات التحويلية، كإنتاج الألبان الطازجة ومشتقاتها من الجبن البلدي والحقين والسمن البلدي، إلى جانب الصناعات التقليدية الفخارية والخزفية، فضلًا عن جلب المياه إلى المنازل من مناطق بعيدة في كثير من الأحيان.

الأمر الذي جعل من وجود المرأة الريفية اليمنية ركيزة أساسية لاستمرار ارتباط الإنسان اليمني بالريف، باعتباره مرجعية لحياة كريمة، رغم كل عوامل الصراع والهجرة والجفاف والتصحر وصعوبات الحياة، وندرة الخدمات العامة الأساسية، كالتعليم والصحة وشبكات الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والاستخدامات المنزلية، فضلًا عن بقية الخدمات الحكومية والترفيهية التي تتركز عادة في المدن الرئيسة.

وبالرغم من كل هذه الإسهامات، بالإضافة إلى تحملها كامل أعباء الرعاية الأسرية، فإن المرأة لا تزال تعاني من التحقير والتهميش والعنف الأسري، المتجسد في تفضيل الذكور على الإناث، وتسخير المرأة لخدمة الرجل. فالأفضلية في فرص التعليم غالبًا ما تكون للذكور، وكذلك في الرعاية الأسرية، ولا يزال الموروث الاجتماعي السائد يعتبر أن المرأة خُلقت للعمل المنزلي وخدمة الذكور. وبالتالي، فإن العمل السياسي واحتلال المواقع القيادية في مؤسسات الدولة يظل من نصيب الرجال أكثر من النساء. وكما يقال، فإن المجتمع اليمني مجتمع ذكوري، كغيره من المجتمعات العربية، بل وأكثر تخلفًا في الانتقاص من حقوق المرأة في المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومع كل ذلك، فقد وجدت الإناث قدرًا من الاهتمام بالالتحاق بالتعليم في بعض المحافظات اليمنية، ولا سيما المحافظات الجنوبية، الأمر الذي مكن نسبة عالية منهن من إكمال مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وصولًا إلى الدراسات العليا. ومع انفتاح اليمن على العالم الخارجي، والتأثير الإيجابي لقضايا التحضر، انخرطت الكثير من النساء المؤهلات في سوق العمل، مزاحمات للرجال في الوظيفة العامة، وفي مؤسسات الدولة، والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية، وكذلك في الأعمال الخاصة من خلال المشروعات الصغيرة التي بدأت منتجاتها تنمو وتنتشر في مختلف أسواق اليمن.

وقد مكن ذلك المرأة اليمنية من تحقيق قدر من التحرر الاقتصادي، وبرزت شخصيات نسائية مؤثرة، وبدأت عملية التمكين لشغل مواقع إدارية وسياسية مهمة، كوزيرة، ووكيلة، وسفيرة، ومدير عام، ولكن بنسب بسيطة للغاية، بالرغم من أن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني لعام 2013 نصت بوضوح على منح المرأة نسبة لا تقل عن 30% من مواقع اتخاذ القرار في مؤسسات الدولة.

وبناءً على ما سبق، وبالعودة إلى موضوع المقال، نسلط الضوء على التحديات السياسية التي تعيق انخراط المرأة في المشاركة السياسية، خاصة أن العدد المحدود ممن تمكنّ من الوصول إلى مواقع سياسية أثبتن جدارة تفوقت على نظرائهن من الرجال، رغم حداثة التجربة وبساطتها.

ولتوضيح هذه التحديات، فقد كان لي شرف المشاركة في ورشة عمل بعنوان “حوار بين الأجيال”، نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية لدعم المرأة والطفل في تعز، ودُعي إليها ممثلات القطاعات النسائية في الأحزاب السياسية الرئيسة بمحافظة تعز، إلى جانب ناشطات في منظمات المجتمع المدني. وكان من أبرز محاور النقاش موضوع التحديات التي تحد من المشاركة السياسية للمرأة اليمنية، وتعيق وصولها إلى مواقع اتخاذ القرار. ويمكن تلخيص أهم هذه التحديات، بحسب المشاركات من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، فيما يلي:

أولًا: إن أنظمة وبرامج الأحزاب السياسية لا تعطي أهمية كافية لمعالجة ضعف النشاط النسوي داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية، كما أن العمل التنظيمي للمرأة في دوائر الأحزاب ضعيف للغاية، ولا يحظى بالاهتمام الكافي لمواجهة معوقات انتساب المرأة للعمل الحزبي والسياسي.

ثانيًا: محدودية التجارب النسوية في قيادات العمل الحزبي، إضافة إلى ضعف التواصل بين الأجيال السابقة وجيل الشباب، الأمر الذي يعمق تراجع حضور النساء في الأوساط الحزبية والسياسية.

ثالثًا: العادات والتقاليد المجتمعية، إذ يتسم المجتمع اليمني بوعي يعارض انخراط المرأة في الأعمال الحزبية والسياسية، إلا في حالات محدودة من الأسر والأفراد الذين يدعمون مشاركة المرأة في العمل السياسي عبر الأحزاب والتنظيمات السياسية.

رابعًا: عزوف النساء عن الانخراط في العمل السياسي، بالرغم من الإقبال الكبير على العمل في المنظمات المحلية والدولية، إذ تعتبر كثير من النساء أن الانتساب للأحزاب والتنظيمات السياسية قد يحد من فرص العمل باستقلالية في المنظمات الدولية والاستفادة من العوائد المالية التي توفرها.

خامسًا: الفقر، إذ أدى ارتفاع معدلاته إلى معاناة معظم الأسر اليمنية من ضعف القدرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، وأصبح الشغل الشاغل لأفراد الأسرة هو توفير متطلبات المعيشة، ولم يعد هناك متسع من الوقت يسمح للنساء بالانخراط في العمل الحزبي والسياسي، إلى جانب مسؤولياتهن المنزلية.

سادسًا: لم تنل المرأة اليمنية القدر الكافي من التجارب والأعمال القيادية التي تمكنها من اكتساب المهارات والخبرات اللازمة في مجالات العمل السياسي، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بينها وبين الرجال في هذا المجال.

سابعًا: تفتقر الأحزاب السياسية اليمنية إلى المخصصات المالية الكافية للتشغيل وتغطية نفقات الأنشطة الحزبية، وبالتالي فإن قطاعات المرأة في الأحزاب والتنظيمات السياسية لا تحظى بأي مخصصات مالية تمكنها من تنفيذ أنشطة وفعاليات تسهم في خلق وعي وبيئات محفزة لانخراط المرأة في العمل الحزبي والسياسي.

ثامنًا: ضعف تحرر المرأة اقتصاديًا، إذ إن الأعراف السائدة لا تزال تعتبر أن مكان المرأة هو المنزل، وبالتالي تُعد معالة من قبل الرجل، مهما كان مستواها العلمي أو مكانتها، ما لم تحصل على فرصة عمل توفر لها دخلًا كافيًا يضمن استقلالها الاقتصادي.

إن هذه التحديات، وغيرها، تؤثر بصورة مباشرة في المشاركة السياسية للمرأة، وهو ما يفسر محدودية وصولها إلى الوظائف القيادية في مؤسسات الدولة. وبالتالي، فإن الرغبة في تعزيز قدرات المرأة ومهاراتها السياسية، ورفع نسبة مشاركتها في مواقع صنع القرار، تتطلب مواجهة هذه التحديات والعمل على معالجتها.

وبناءً على ما عرضناه سابقًا، ندعو الحكومة اليمنية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية، والداعمين الدوليين، إلى بذل مزيد من الجهود في مجالات التمكين الاقتصادي للمرأة اليمنية، من خلال مواجهة هذه التحديات وتمكينها من نيل حقها في المشاركة السياسية وقيادة مؤسسات الدولة المختلفة، وفق نسبة الكوتا المنصوص عليها في وثيقة مخرجات الحوار الوطني، والبالغة 30% على الأقل، بما يمكنها من الإسهام بصورة أوسع في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع أهمية الاعتراف بالدور الكبير الذي تقوم به المرأة باعتبارها نصف المجتمع في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والتي، كما أشرنا سابقًا، تفوق في كثير من جوانبها ما يقدمه النصف الآخر من المجتمع.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img